جمال الغيطاني الذي كان يستحق جائزة نوبل

لليال طوال جلست خلالها كي أكتب هذه المقالة، وفي كل مرة أعود إليها أجد ما يشغلني ويصدني عن إكمالها، فأغلق الكمبيوتر ولا أعود إليها إلا في ساعات الفجر الأولى.

لم أعرف السر وراء ذلك، حتى عزمت في مساء يوم منح جائزة نوبل في الأدب، التي حصلت عليها الكاتبة الصحفية البيلاروسية ألكيسفيش، وخطر لي سؤال لماذا لم يحصل جمال الغيطاني الكاتب والصحفي والأديب على جائزة نوبل أيضا، ألا يستحقها، أم أن مؤسسة نوبل لديها أجندة خفية وسرية تمنح وتمنع؟ أم أنها قد تناسته بسبب الوهن والضعف العربي الراهن.

والحقيقة أنني شغفت بكتابات وأعمال وروايات مصرية وعربية وأجنبية عديدة، لم تكن لجمال الغيطاني رواية واحدة منها، حتى قرأت دون قصد أو ترتيب، تحفته الفنية الرائعة "الزيني بركات". بعدها تغيرت وجهة نظري الملتبسة عنه، من الصد إلى الحب، من الاستفهام والانزعاج إلى المتعة والشغف.

طبعا بالإمكان الإدعاء بأنه كانت لدي مواقف أو بالأحرى موقف نقدي لا يستسيغ أسلوبه وطريقته في الكتابة، وموقف صريح وواضح من حملاته الملتبسة ضد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.

ومع أنني لم أجد تفسيرا منطقيا وجادا يمكن الركون إليه، اللهم إلا، ما تسرده حكاية الشباب الذي ينفر بداهة خلال مراحل التكوين من الكتاب الذين يعملون لدى الحكومة، أي سلطة كانت (مع أن الغيطاني خصص جزءا معتبرا من حياته في عداء الفنان فاروق حسني وزير الثقافة آنذاك). وأحسب أن مصدر سوء الفهم هذا، يعود في تقديري إلى أن هؤلاء الكتاب أو بعضهم، ليسوا أحرارا فيما يكتبونه بل يملي عليهم في أحيان كثيرة. لذلك كان السؤال إذن فكيف إذن سيكتبون أدبا حرا، وثانيا أن إدراكي تفتتح مبكرا على صحبة الكاتب الكبير صبري موسى الروائي الفنان المبدع الذي يكره النقد والهجاء الساخن إيا كان نوعه ومنطقه.

الواقع أنني لم أكتب سطرا واحدا عن الروائي المصري الراحل جمال الغيطاني في حياته، فقد كان الرجل ملأ السمع والبصر، يكتب عنه ذما أو مدحا المئات إن لم يكن أكثر، وكان له مريدوه وتلاميذه وكذلك له خصومه... الذين يكتبون مديحا لا أستسيغه، أو هجاء فجا لا أفهمه!

ولعل ذلك يرجع إلى عدة أسباب منها أنه بخلاف رواية "الزيني بركات" لم تشدني إلى جمال الغيطاني، وخصوصا أعماله الأخري التي نشرها قبل هذه الرواية، بعدها ألتقيته في أكثر من مناسبة، وكان رحمه الله يحدثك قائلا: أستطيع بسهولة تحديد أول كتاب قرأته - إذا سالته عن النشأة كيف كانت وما هي الكتب التي صاغت وجدانه وتصوراته عن البشر والمجتمع والحياة.

وكان الكاتب العربي الذي توقف عنده طويلا وقرأه بعناية وعمق، كان نجيب محفوظ، وقد بدأ اهتمامه به وهو في الخامسة عشر من عمره، وربطته به علاقة عميقة أثرت فيه على المستوى الشخصي عندما قرأ رواياته لأنها كانت تحمل عناوين المنطقة نفسها التي عاش فيها، خان الخليلي، بين القصرين، السكرية، قصر الشوق.

ظل الغيطاني طوال حياته، وأحد همومه الأساسية هو قضية الزمن، وكان ذلك أحد الأسباب القوية التي جعلته يتجه إلى التاريخ بمراحله المختلفة، والتاريخ عنده هو الزمن، الزمن الجبار القاهر، المحيي، المميت، في صيرورته الرهيبة. والذي يحولنا باستمرار إلى الماضي، الذي يجلب الذكرى والنسيان، منذ زمن بعيد وهو يتأمل الزمن.. ويمعن التفكير فيه، بدءاً من الحركة الميكانيكية البسيطة للثواني والدقائق والساعات، إلى حركة الأفلاك، توالي الليل والنهار، إلى انقضاء السنوات، إلى الميلاد والموت. التاريخ عنده هو الزمن المنقضي، المنتهي، لا فرق بين لحظة مضت منذ ثوان، ولحظة مرت على انقضائها آلاف أو ملايين السنين، كلاهما لا يمكن استعادته، ولذلك لم يصغِ باهتمام كبير إلى من يقول »إنك تكتب رواية تاريخية«، الكل صار إلى ماض، ماض من المستحيل استعادته، فلقد تأمل طويلا في الزمن، وقرأ عن الزمن في الفكر الإنساني القديم، في الأساطير، في الدين، في الفلسفة.

غير أنه لم يصل إطلاقا إلى ما يمكن أن يهدئ من همه الدائم هذا، فثمة حقيقة مؤكدة، وهي أن الشيء الوحيد في هذا العالم الذي لا يمكن قهره أو مقاومته أو التصدي له، هو الزمن. رحمه الله وجزاه عنا خيرا بما قدمه للمكتبة العربية من إبداع لا ينضب.