جمال عبدالناصر والسلام كخيار إستراتيجي

من تعاملوا مع تغير موقف عبدالناصر من التفاوض، أرادوا إراحة أنفسهم من تحمّل نتائج الاعتراف بالخطأ.

عزّز تسجيل صوتي جديد، بُثّ قبل يومين، جمع بين الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ورئيس موريتانيا الأسبق مختار ولد دادة، قناعات كثيرين بأن رأي الأول لم يكن تكتيكياً في التوجّه نحو التسوية السياسية مع إسرائيل، كما فسره بعض المنتمين إلى التيار الناصري، عقب إذاعة تصريحات للرئيس المصري مع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي منذ خمسة أشهر، حيث تطرق في اللقاءين إلى أهمية الدخول في مفاوضات لتحرير الأراضي العربية المحتلة من قبضة إسرائيل.

في التصريحات التي أدلى بها عبدالناصر مع القذافي، كان منطقياً أن يتم التعامل مع ما حوته من ميل نحو التسوية السياسية كخيار تكتيكي، ليتمكن من الاستعداد للحرب بعد هزيمة يونيو 1967 وبناء حائط الصواريخ.

لكن مع تكرار حديثه عن التسوية مع ولد دادة بالمعاني نفسها تقريباً، تبدو المسألة استراتيجية وليست تكتيكية، وربما نرى تصريحات أخرى للرجل يعيد فيها كلامه عن استعداده للدخول في محادثات.

ما تم الكشف عنه من وثائق صوتية يظل قليلاً مقارنة بما تركه الرئيس عبدالناصر من إرث كبير، مسجل ومكتوب، تولّت ابنته الدكتورة هدى جمال عبدالناصر جمعه وتبويبه ونشره في كتب، وبثّه عبر قناة خاصة على يوتيوب كمادة خام، يمكن الاستفادة منها في معرفة رئيس مصري أُثير، ولا يزال، حوله الكثير من الجدل. فقد وضعه مناصروه في صف القديسين السياسيين، بينما وصفه معارضوه بأقذع الأوصاف، وحمّلوه كل الأزمات التي واجهتها مصر خلال فترة توليه السلطة، التي استمرت نحو 18 عاماً، وما بعدها، بحكم ما تركته من تبعات وارتدادات مختلفة.

لست بصدد تقييم فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لكن ما يهمني موقفه من المفاوضات مع إسرائيل، والذي لم يكن فقط وليد الأيام الأخيرة في حياته. فحديثه مع القذافي كان قبل نهاية شهر أغسطس 1970، وحديثه مع ولد دادة كان في أوائل سبتمبر، وتوفي في الثامن والعشرين من سبتمبر في العام نفسه.

وهناك إرهاصات دالّة على تغير موقفه من عملية التسوية، ظهرت مع قبوله بقرار مجلس الأمن 242، وموافقته على مبادرة روجرز، وكلاهما عزّز القناعات بوجود تحول في موقفه العام، وأن الحرب ليست الطريق الوحيد لتحرير الأرض المصرية والفلسطينية. فإذا كانت المفاوضات يمكنها تحقيق هذا الهدف، فلماذا لا يتم طرقها؟

من تعاملوا مع تغير موقف عبدالناصر من التفاوض، أرادوا إراحة أنفسهم من تحمّل نتائج الاعتراف بالخطأ، حيث نجحت آلة الدعاية الناصرية في خلق صورة ذهنية بها قدر عالٍ من الخيال عن الرئيس المصري، من زاويتي رؤيته القومية المتطرفة، وقدرته على هزيمة إسرائيل عسكرياً وإلقائها في البحر.

والكثير ممن تابعوا وقرأوا عن فترة عبدالناصر تأثروا بهذه الدعاية، بما جعل من الصعب تقبل ما دون ذلك. فقد أحدثت تصريحات الرجل بشأن المفاوضات صدمة في وجدان وعقل كل من رسخ في يقينه أنه لم يكن راغباً في أي محادثات سياسية مع إسرائيل طوال حياته. وهو إنكار ظهر بقوة مع انتشار حديثه مع القذافي، لكنه اختفى تقريباً في حديثه الثاني مع ولد دادة، الذي أكد أنه أكبر من رسالة سياسية.

يرجع الاختلاف إلى وجود تصميم على التوجه نحو السلام كخيار استراتيجي أكثر منه تكتيكي، ولهذا أسباب عديدة؛ بعضها له علاقة بخذلان قادة عرب لمصر في تقديم مساعدات عسكرية والمساهمة فعلياً في المجهود الحربي، وأخرى لها علاقة بتوازنات القوى في المنطقة، حيث تيقّنت القاهرة أنها تواجه إسرائيل والولايات المتحدة وبعض القوى الغربية، وهي مواجهة غير متكافئة، ولها عواقب سلبية كبيرة.

كشفت تصريحات عبدالناصر عن غصة كبيرة أو مرارة في حلقه من كثافة المزايدات على موقفه، وحضّه على دخول الحرب بأي ثمن مهما كانت تكلفتها على مصر. وذكر أسماء قادة عرب وقفوا خلف التحريض عليه، وآخرين قدموا مساعدات سخية. وفي الحالتين، يمكن القول إن الموقف العربي العام أسهم بدور معتبر في تغير موقف الرئيس المصري من الحرب والسلام مع إسرائيل. وبدت الطريقة التي تحدث بها عن استرداد الأراضي المحتلة مرفوضة في حينه، لكن الأيام أثبتت أنها الوحيدة التي تؤدي إلى نتائج جيدة، وما عداها محفوف بالمخاطر.

عند الاستماع إلى موقف الرئيس جمال عبدالناصر من التسوية، يطفو على السطح مقارنة بين ما حدث في زمنه وبين ما يحدث اليوم، حيث تعيش القضية الفلسطينية فترة سيئة، يستحيل التعويل فيها على الخيار العسكري أو الرهان على سلاح المقاومة، ما جعل بعض المراقبين يميلون إلى الاستفادة من حكمة عبد الناصر، وعدم الانتظار كثيراً حتى يتم محو القضية الفلسطينية تماماً، كما يريد اليمين الإسرائيلي المتطرف، وقطع الطريق على أي محاولة لظهور دولة فلسطينية ذات مقومات عملية، تمكنها من الحفاظ على قابلية جيدة للحياة.

من أهم القراءات التي يمكن استشفافها من أحاديث عبدالناصر عن المفاوضات، وجود يقين مصري بأنها أداة ناجعة للتعامل مع الصراع. فمع أن القاهرة خاضت حرب أكتوبر 1973 بنجاح، وحققت هدفها الرئيسي منها المتعلق بمحو أو التقليل من هزيمة 1967، إلا أنها طرقت باب المفاوضات بعدها سريعاً، وتكلّل ذلك بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، وتمسكت بها وحافظت عليها، ولم ترضخ لأي ابتزاز أو استفزاز لنقضها، وبات السلام خياراً محورياً في السياسة الخارجية المصرية.

يثبت ميل عبدالناصر إلى المفاوضات أنه لم يكن ديماغوجياً كما صوّره خصومه، بل كان عقلانياً وواقعياً وعملياً، واستخلص دروساً مهمة من الأخطاء التي وقعت في عهده، ولم يعاند أو يكابر أو يصمّم على دخول دهاليز لا يعلم آليات الخروج منها. والتسجيلات أو التسريبات، مهما حوت من مضامين تبدو عكس الرياح السياسية التي خلفها الرجل، فإنها تُحسب له لا عليه، وتشير إلى مراجعة في أفكاره، وقدرة على تبني خط براغماتي واعٍ. وإن كان القدر لم يسعفه على إتمامه في تأكيد تحوله، يبقى أنه لم يثبت أن ميله للتفاوض من قبيل الاستسهال أو الاستسلام، فقد استمر في إعادة هيكلة الجيش المصري، وعزّزت حرب الاستنزاف القدرة على القتال، وأسهمت هذه التجهيزات في أن تكون مقدمة لدخول مصر حرب أكتوبر وتحقيق نصر فيها.

قد تكون تصريحات عبدالناصر حول رغبته في المفاوضات مع إسرائيل قد كسرت أحد الأصنام أو المحرمات الرئيسية في العقل العربي القومي، إلا أن محتواها النهائي يفوق ذلك. إذ لا يجب تصوير الأمر وكأنه معركة بين فريقين أو خصمين لدودين، فهناك موازين قوى عسكرية ومعادلات سياسية يجب مراعاتها. وما أشبه اليوم بالبارحة، في عملية الخلل في الموازين والمعادلات، ما يستوجب عدم الانتظار عقوداً طويلة لنستوعب ما يجري أمامنا من تحولات. فقد تكون خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منقوصة ومعيبة وغير كافية، لكن لا توجد خيارات بديلة، وإن وُجدت فهي مهزوزة أو مختلة.