جواسيس جدعون.. التاريخ السري للموساد

القاهرة
عندما تمتزج الاسطورة بالواقع في عمل الموساد

يتداخل الأسطوري مع الواقعي في كتاب عن "بطولات" جهاز المخابرات (الموساد) يعترف فيه اسرائيليون بأنه "منذ أيام الملك داود اعتمد شعبنا على الاستخبارات الجيدة" التي مكنتهم من الانتصار على أعداء أقوى منهم طوال تاريخهم.

ويقول غوردون توماس في كتابه "جواسيس جدعون.. التاريخ السري للموساد" إن دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء للدولة العبرية "كان يعرف أنه ليس نبيا وأنه مجرد مقاتل شوارع عنيد فاز بحرب العام 1948 ضد العدو العربي الذي جمع قوات تفوق تلك التي كانت تحت تصرفه بعشرين ضعفا. ولم يكن هناك انتصار أعظم منذ أن قتل الفتى الراعي ديفيد العملاق جالوت وأخضع الفلسطينيين القدماء" في اشارة الى النبي داود.

ويضيف أن العقيدة الرئيسة للموساد هي "اسرائيل أولا وأخيرا ودائما. أبدا" حتى ان اسرائيل تحتل المرتبة السادسة بين الدول التي تمارس نشاطا تجسسيا على الولايات المتحدة.

ويقع الكتاب الذي ترجمه مروان سعد الدين في 592 صفحة كبيرة القطع وصدر عن الدار العربية للعلوم في بيروت ومكتبة مدبولي في القاهرة.

والمؤلف توماس يهودي من أصل بريطاني عاش فترات من حياته بين مصر في زمن الاحتلال البريطاني وفلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ويلقي توماس أضواء على ما يمثله رجال الموساد قائلا انهم كانوا بالنسبة الى مير عميت الذي ترأس الجهاز بين عامي 1963 و1968 مثل جدعون "وهو بطل العهد القديم الذي أنقذ اسرائيل من قوى العدو المتفوقة لانه امتلك استخبارات أفضل".

كما ينقل مقولة "اذا لم تكن جزءا من الحل. عندها ستكون جزءا من المشكلة" وهي جملة منسوبة الى رفائيل ايتان "الجاسوس في القناع الحديدي" الذي يعتبره المؤلف نموذجا للقسوة الباردة والخداع حيث تمكن من اختطاف أدولف ايخمان النازي الذي كان مختبئا في الارجنتين. وظل ايتان مساعدا لرئيس الموساد لشؤون العمليات لاكثر من ربع قرن.

ويقول ان اسرائيل أرادت محو أي أثر لايخمان الذي أعدم شنقا بعد اتهامه بارتكاب جرائم ضد الانسانية وأحرقت جثته في فرن خاص ونثر رماد جثته على مدى ساعات في مساحة واسعة من البحر "وأمر بن جوريون بأن لا يبقى له أثر حتى لا يجعل المتعاطفون مع النازية من ايخمان رمزا لهم" وتم تفكيك الفرن الذي أحرق فيه.

ويسجل المؤلف أن منظمة الهاجانا التي تأسست كمليشيا أصبحت "نواة جيش سري مخيف" وأنشئ فيها قسم سياسي "لنشر الاكاذيب عبر تزييف المعلومات" لكنه يذكر بأن "الانكار هو الفن الاسود الذي تتقنه كل أجهزة الاستخبارات السرية في العالم".

ويضيف أنه في منتصف الخمسينيات زود الموساد "بمعدات حديثة جدا" بعد أن تأسست "شراكة" بينه وبين وكالة المخابرات المركزية الاميركية.

ورغم وصف المؤلف الولايات المتحدة بأنها "أقدم وأوثق صديق للدولة اليهودية" فانه يسجل "تسلل الموساد" المتزايد في أميركا وهو ما يراه مثالا "صارخا" على التجسس الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي قائلا ان تقارير لجنة الاستخبارات في الكونغرس ووكالة المخابرات المركزية "حددت اسرائيل كواحدة من ضمن ستة بلدان أجنبية تبذل جهودا سرية تديرها وتنسقها الحكومة للحصول على أسرار الولايات المتحدة الاقتصادية".

وبطبيعة الحال وبحكم الجغرافيا بعد قيام اسرائيل عام 1948 فان الموساد اتخذ من العالم العربي ساحة لمعظم أنشطته التجسسية.

فيروي المؤلف مثلا أن الموساد تولى الاشراف على شبكة تجسس في العراق في نهاية الاربعينيات بهدف اختراق الدوائر العليا في الجيش وتنظيم شبكة هجرة سرية ليهود العراق الى الدولة العبرية التي كان لها "جواسيس في كل عاصمة عربية" يقدمون سيلا من المعلومات.

كما يقول انه أثناء "التحضيرات" لحرب يونيو/حزيران 1967 كان يوجد داخل كل قاعدة جوية مصرية ومركز قيادي عسكري عميل للموساد "ثلاثة منهم على الاقل في مركز القيادة العامة في القاهرة وكانوا ضباط أركان حرب" وتجمع أمام الموساد كل مخططات تفصيلية بالتوقيت المناسب لتوجيه الضربة للقوات الجوية المصرية وحدد الوقت بين الثامنة والثامنة ونصف صباحا وهو وقت يفصل بين النوبات حيث يستطيع الطيران الاسرائيلي في هذه الدقائق الثلاثين "سحق قوات العدو" وفي الثامنة ودقيقة واحدة وقعت "الضربة القاتلة".

واستولت اسرائيل في حرب 1967 على شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة الفلسطينية.

ويسجل المؤلف كيف أشرف قادة اسرائيل على عمليات التصفية والاغتيالات التي كان من ضحاياها خليل الوزير (أبو جهاد) نائب ياسر عرفات حيث اغتيل في تونس عام 1988 بعد أن اتخذ رئيس الوزراء الراحل اسحق رابين الذي كان وزيرا للدفاع انذاك قرارا "بأن أبو جهاد يجب أن يموت" وراقبه عملاء الموساد لاكثر من شهرين وتم التدريب على العملية في منزل قرب حيفا مماثل لمنزل أبو جهاد مع الحساب الدقيق للمسافات بين الغرف وارتفاع الجدران والنوافذ والابواب بحيث لا تستغرق العملية أكثر من 22 ثانية لقتله.

ويضيف أن الامر لم يستغرق "منذ دخولهم (رجال الموساد) الى الفيلا حتى مغادرتهم اياها سوى 13 ثانية فقط. أسرع بتسع ثوان حاسمة من أفضل تمارينهم".

ويقول "أصدر رابين الذي حاز على جائزة نوبل للسلام الامر باغتيال (فتحي) الشقاقي" عام 1995. وقال رابين تعليقا على اغتيال الشقاقي "لست حزينا بالتأكيد" وبعد أيام اغتيل رابين قريبا من المنزل الذي تم فيه التحضير لاغتيال الشقاقي.

ويعلق توماس قائلا ان رابين قتل على يد "المتعصب اليهودي ايجال عمير الذي كانت لديه نفس القدرات القاسية التي لطالما كانت مصدر اعجاب رئيس الوزراء بالموساد".

وفي فصل عنوانه "بعد صدام" يقول انه في مطلع عام 2003 قبل شن الحرب الاميركية على العراق كانت هناك عملية اغتيال تشغل مئير داجان الرئيس الحالي للموساد "اضافة الى جورج بوش ومساعديه حول أفضل طريقة لقتل صدام حسين... أصبح أحمد الجلبي المصرفي السيء السمعة والمتهم باختلاس الاموال المؤتمن عليها مصدرا رئيسيا لتزويد (وزير الدفاع الاميركي دونالد) رامسفيلد بالمعلومات".

ويقول انه في حين كانت الدبابات الاسرائيلية تحاصر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حتى أكتوبر/تشرين الاول 2004 كان خبراء الموساد يراقبون "كل كلمة يتفوه بها... وقال (رئيس الوزراء السابق ارييل) شارون علانية انه لن يكون هناك سلام دائم حتى يرحل ياسر عرفات" مضيفا أن عرفات كان حتى رحيله يمثل بالنسبة للاسرائيليين الاب الروحي للارهاب "أما ادارة بوش فقد اعتبرته شخصا منبوذا".

ويضيف أنه في معهد اسرائيل للابحاث البيولوجية "تم ابتكار كل الاسلحة" التي استطاع بها عملاء الموساد اغتيال "عشرات الارهابيين" باستخدام مواد سامة لا تترك أثرا. مضيفا أن عرفات "عدو الموساد اللدود مات بشكل غامض ومحاط بالسرية... لن يعرف أحد الان أبدا فيما اذا كان الرجل مات مسموما".

ويذكر المؤلف بقول عرفات أمام الجمعية العامة العامة للامم المتحدة "أتيت وأنا أحمل غصن زيتون وبندقية لنيل الحرية. لا تدعوا غصن الزيتون يقع من يدي" قائلا انه يوم وفاة عرفات قال داجان لمساعديه ان "المأساة الوحيدة في موت عرفات أنها لم تحدث باكرا لانه فشل في التخلي عن البندقية".

وفيما يمكن أن يكون تلخيصا لافكار المؤلف قوله انه دعما لطموحات اسرائيل فان "المهارات في أيدي العدو يتم القضاء عليها دون رحمة".