حبس وزير التعليم الليبي بتهم فساد بعد تأخر طباعة الكتاب المدرسي

النيابة العامة في طرابلس تكشف عن أنماط إساءة مالية وإدارية في عقود الكتب، وإهمال متعمد حرم مليوني طالب ليبي من حقهم بالتعلم في المواعيد المقررة.

طرابلس - أمرت النيابة العامة في العاصمة الليبية طرابلس بحبس وزير التعليم المكلف بحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها علي العابد أبوعزوم، ومدير عام مركز المناهج التعليمية والبحوث التربوية على ذمة التحقيق وذلك "لإضرارهم بالمصلحة العامة وإخلالهم بالحق في التعلم".

ويمثل هذا القرار حلقة جديدة في سلسلة الإخفاقات المتكررة التي تضرب قطاع التعليم، وتطرح تساؤلات عميقة حول فساد متجذر يحرم أكثر من 1.7 مليون طالب ليبي من حقهم الأساسي في التعلم.

ويؤكد هذا التطور على أن قضية الكتب المدرسية أصبحت بمثابة "لعنة" تلاحق المسؤولين عن قطاع التعليم.

وجرى تكليف علي العابد بمهام وزير التربية والتعليم في مايو 2025، إضافة إلى مهامه كوزير للعمل والتأهيل، ليخلف بذلك الوزير السابق موسى المقريف الذي كان قد صدر بحقه حكما قضائيا بالسجن على خلفية ملفات فساد كانت تتعلق أيضا بملف طباعة الكتاب المدرسي.

ويظهر هذا التكرار أن الأزمة تتجاوز الإهمال الفردي لتصبح نمطا هيكليا يعاني منه القطاع.

وقال مكتب النائب العام في بيان له إن النيابة العامة أجرت تحقيقا حول إجراءات التعاقد على طباعة الكتب المدرسية وكشفت التحقيقات عن "أنماط إساءة صاحبت الإجراءات الإدارية والمالية المتعلقة بالعقود المبرمة".

وأضاف أن التحقيقات كشفت أيضا عن "إهمال واجب إتاحة الكتاب المدرسي لمليوني طالب خلال المواعيد المقررة في استراتيجية التعليم المعتمدة".

ويشير هذا العدد الضخم من الطلاب، الموزعين على نحو 6 آلاف مؤسسة تعليمية، إلى حجم الكارثة التعليمية الناتجة عن سوء الإدارة وتداخل الصلاحيات.

ولم يفصح المكتب عن اسمي وزير التعليم المكلف ولا مدير عام مركز المناهج التعليمية.

في سياق متصل، أكد وكيل وزارة الخارجية الأسبق حسن الصغير أن مشكلة الكتاب المدرسي، مثلها مثل الأدوية والسلع الأساسية، "لا تتعلق بآليات التوريد أو توقيتها أو مصدرها، بل في هوية الجهة التي تنال العقود".

أشار الصغير في منشور عبر صفحته على فيسبوك إلى أن الفساد والمحسوبية ما زالا يتحكمان في عملية التعاقدات العامة.

وقدم الصغير دليلا على غياب الشفافية، موضحا أن "شركة تأسست خلال أقل من أسبوعين تمكنت من التقدم بعرض والتوقيع على عقد"، مرجحاً أن تكون قد اشترت الكتب من أصحاب العقود السابقة.

كما أشار إلى وجود تضخم هائل في القيمة، حيث لفت إلى أن الفارق بين العقود السابقة والحالية يبلغ نحو 40 مليون دينار، موضحا أن العقود السابقة بلغت قيمتها 90 مليون دينار، في حين وصلت قيمة العقد الجديد إلى 129 مليون دينار.

ورأى الصغير أن هذه الفوارق الكبيرة تؤكد غياب الشفافية في إدارة المال العام واستمرار منح العقود بطرق لا تخضع لمعايير التنافس والنزاهة، داعياً إلى مراجعة شاملة لآليات الإسناد والتعاقد في المؤسسات الحكومية.

ورغم انطلاق العام الدراسي في الربع الأخير من سبتمبر، لم يتمكن كافة الطلاب من استلام الكتب الدراسية، مما دفع بعض المدارس إلى طباعة بعض الدروس وتوزيعها على نفقتها لتفادي التأخر في الحصص الدراسية، في محاولة لسد الفراغ الذي خلفه فشل الوزارة.

وعبّرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن "قلق بالغ" إزاء استمرار تأخر توريد وطباعة الكتب المدرسية.

حملت المؤسسة في بيانها الصحافي وزارة التربية والتعليم في حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة "المسؤولية الكاملة عن هذا الإخفاق".

وأكدت المؤسسة الحقوقية أن الوزارة فشلت في التعاقد المبكر لطباعة وتجهيز المناهج التعليمية، مما أدى إلى تأجيل بداية العام الدراسي وإرباك انتظام العملية التعليمية.

وشدّدت المؤسسة على أن الكتاب المدرسي يمثل "ركيزة أساسية لنجاح العملية التعليمية ورفع مستواها وكفاءتها"، مطالبة باتخاذ تدابير عاجلة لضمان حق الطلاب في التعليم.

وفي سياق متصل، أعلن ديوان المحاسبة الجمعة عن رصده مخالفات في طباعة وتوريد الكتاب المدرسي والتقني، وهي المخالفات التي أدت بشكل مباشر إلى تأخير توريده وعدم وصوله إلى الطلاب.

وقال الديوان إنه أصدر في 19 أكتوبر قرارا يقضي بإخضاع كل المعاملات المالية المتعلقة بطباعة وتوريد الكتابين المدرسي والتقني للعام الدراسي (2025–2026) لأعمال الرقابة المصاحبة، مؤكداً أن هذه الإجراءات تأتي في إطار مهامه الرقابية الرامية إلى حماية المال العام وضمان سلامة الإجراءات التعاقدية.

وتظهر الأزمة المالية والإدارية تناقضا كبيرا في قطاع التعليم الليبي، حيث تخصص الحكومة ميزانية سنوية تقدّر بنحو 6  مليارات دينار ليبي لقطاع التعليم، وهو مبلغ ضخم كان كافيا لتطوير القطاع.

ومع ذلك، يظل سوء الإدارة وتداخل الصلاحيات واستمرار الأزمات المتكررة، مثل تأخر الطباعة وعدم توزيع المناهج في موعدها، هي العوامل التي تعيق تطوير المناهج وتحسين جودة التعليم بما يتوافق مع متطلبات العصر الحديث.

وينبع هذا الفشل المتكرر من الفوضى العارمة التي انزلقت فيها ليبيا المصدرة للنفط منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.

ومنذ عام 2014، انقسمت البلاد بين إدارتين متنافستين على السلطة، الأمر الذي زاد من تعقيد الإجراءات الإدارية والمالية وأفسح المجال أمام الفساد ليسود، ليصبح مستقبل مليوني طالب في النهاية هو الضحية الكبرى لصراع الحكومات وسوء إدارتها.