حديث المؤامرة دعوة لمحاربة طواحين الهواء

لا يمل إعلامنا ولا مسؤولينا من ترديد مقولة تعرض مصر لمؤامرة عالمية، فكلما حدثت لنا مصيبة مما كسبت أيدينا، اتجهت أصابع الاتهام إلى العالم الخارجي المتآمر. وأسوأ ما في الأمر أن لا أحد في الدولة يستنكر هذه الدعوى العلنية للشعب لمعاداة العالم بأجمعه، كما أنه لا يخجل أحد من هذا التناقض الصارخ بين التهافت على دول العالم المتهمة بالتآمر ضد وطننا طلباً لابتسامة رضاء، أو نظرة حنان، أو كلمة شكر أو امتنان، وبين أن نظل نلقي عليها الاتهامات بالتآمر، فهذا الخطاب المزدوج أصبح عديم الطعم واللون، ولكنه سيء الرائحة، بعد أن شب الشعب عن الطوق وبرع في التمييز بين الصدق والكذب.

والحقيقة أن هذا التصميم على إذكاء روح الثأر لدى الشعب ممن تآمر عليه، يهدف إلى إبعاد وتوجيه الكراهية والحقد للخارج، قبل أن يكتشف الشعب طريقها الصحيح لمن يستحقها فعلاً بالداخل، وتلك الطريقة القديمة الحديثة، وإن كانت تنفع فيما مضى، فلم تعد تؤتي ثمارها الآن بعد الانتشار الواسع لوسائل الحصول على المعلومات من أكثر من مصدر، فإذا كانت الأذرع الإعلامية فقدت المهنية إلى الدرجة التي لم تعد معها تتحسب لفقدان الشعب ثقته فيها، فهي ترتكب خطيئة كبرى ستدفع ثمنها الباهظ حين تتغير معادلة القوة وهي في طريقها للتغيير بلا شك، فحين تفقد تلك الأذرع الحماية التي تطلب منها تزييف الوعي الشعبي، وتزوير الحقيقة، ستجد نفسها في العراء بلا رداء.

ومع أن حديث المؤامرة أصبح حديثاً ممجوجاً وثقيل الظل، إلا أننا سنفترض جدلاً أن المؤامرة قائمة، فما واجب الدولة تجاهها؟ أظن أنه لم يعد ينفعنا أن نظل نلطم الخدود نادبون سوء الطالع، وإلا فإننا بذلك نمنح الفرصة لمن يتآمرون على الوطن لتحقيق أهدافهم المزعومة والتي لا تخرج في مجملها عن إسقاط الوطن، ولا أدري كيف يكون هذا الإسقاط، وكأننا نتحدث عن وطن من سراب، ولكن فليكن هذا هو هدف تلك الجهات، فماذا نحن فاعلون؟

إن الأذرع الإعلامية لم تذكر لنا من هي الدول التي تقوم بالتآمر على مصر، فمن غير المعقول أن تكون هناك مؤامرة بهذا الحجم الكبير بلا متآمر يقف خلفها، وطالما لم يصدر عن الدولة أي موقف رسمي لمجابهة تلك المؤامرة أو على أقل تقدير تحذير الدول التي تحيكها، فإن ذلك يعني عدم وجود مؤامرات من غير أنفسنا، وهذا يعني ببساطة أن المطلوب محاربة الشعب طواحين الهواء، بدلاً من انفجار غضبه المكبوت الذي قد يصل إلى عنان السماء.