حديث في واشنطن

كان الزحام على أشده في شوارع العاصمة بغداد ظهيرة أمس الأربعاء، وكانت السيارات تتكدس فوق بعضها فكأنها مكومة دون أن تتحرك إلا نادراً، ودون أن يلاحظها أحد.

في تلك الظهيرة كان الفجر يطرق على أبواب العاصمة واشنطن التي تستقبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي يحمل معه ملفات عدة تبدأ من بغداد، وتمر بدمشق قاطعة المتوسط وأوربا والأطلسي نزولاً في مطار جون كينيدي بنيويورك، ومنه الى الى مطار رونالد ريغان في العاصمة الفدرالية واشنطن حيث البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون، وكلها مؤسسات لها "عشرة وصحبة" مع القضية العراقية منذ 1980 وحتى اللحظة، وبينما الشوارع في بغداد تعاني القطع والزحام والخشية من بعض السيارات المعبأة بالموت والديناميت، فإن الشارع الواصل الى البيت الأبيض فيه فسحة لتمر خلاله سيارات عدة والوصول الى المكتب المخصص لأوباما ولا عوائق تعترض الراغبين إليه.

قبل مغادرته بغداد تحدث المالكي عن زيارته التي ربما ستكون الأخيرة قبل الاستحقاق الإنتخابي القادم في 2014 وهو استحقاق قد يتولى من خلاله رئاسة الحكومة وقد يغادر، لكن الانتخابات بذاتها أمر مشكوك في إجرائه فالمهلة التي حددتها رئاسة البرلمان للكتل السياسية بغية الوصول الى صيغة نهائية يتم التوافق عليها ومن ثم التصويت على القانون المثير للجدل انتهت أمس ولايبدو من قرار بينما لم يؤثر ذلك في خطط رئيس الوزراء الخاصة بزيارة العاصمة الاميركية وربما يكون مرد ذلك الى اطمئنانه على طبيعة التوافقات النهائية التي قد تعود بالعراقيين لينتخبوا ممثليهم وفقاً للقانون القديم الذي أجريت في ظله انتخابات سابقة عديدة خلال السنوات الماضية.

المالكي ليس في حاجة إلى تقديم توضيحات عن زيارة الى عاصمة تنشغل حكومتها بالملف العراقي منذ ثلاثين عاماً، وهي منشغلة بالملف الإيراني منذ عهد الثورة الإسلامية، وترزح تحت ضغوط اللوبي الصهيوني والحلفاء العرب، وتعاني من شماتة روسيا وفذلكات وزير خارجيتها سيرجي لافروف، وتبحث عن توافقات جديدة في الشرق الأوسط لتكمل خروجها الآمن دون خسائر تثير حنق الداخل، وتبعد عنها مشاكسات الجمهوريين المحبطين، بفعل أخطائهم، وسياسات خصومهم الديمقراطيين، وهي لم تنجح الى الآن في حسم القضية السورية العصية على الحل والتي تحولت الى حرب أهلية لا يبدو أن إنهاءها سهل ومتاح في الفترة الحالية حتى لو عقد أكثر من مؤتمر جنيف.

لكن ما يهم المالكي كثيراً هو تجنيب العراق شرر النيران السورية، ووقف تمدد القاعدة والجماعات المسلحة، ولذلك فهو سيناقش ملف التسليح، وسيضغط من أجل الحصول على التعزيزات العسكرية اللازمة في محاربة الإرهاب، وكذلك المشكلة السياسية المتصاعدة والانتخابات التي ترى الإدارة البيضاوية ضرورة إجرائها في موعدها المحدد، وسيكون للوضع السوري الراهن حضوراً في مناقشات الوفد العراقي مع الرئيس أوباما ونائبه بايدن ووزارة الدفاع الأميركية.

يأمل المالكي في الحصول على دعم أميركي لتطبيق فاعل للاتفاقية الأمنية الموقعة مع الرئيس السابق جورج بوش ليستثمرها في مجالات عدة إقتصادية وسياسية وأمنية.