حرائق التفكير والتكفير في الزمن الصعب

القول وحده ليس حجة

ليس هناك أنسب من اللحظات الصعبة للاشتباك مع القضايا الصعبة، والوقت المناسب لكلمة الحق هو دائمـًا الآن. وحينما توجد مصائر أمة وقضايا وطن وأرواح على المحك، فالوقت المناسب هو الآن.. وفورًا.

وكتاب الباحث الدكتور ياسر ثابت الذي يحمل عنوان "حرائق التفكير والتكفير" وصدر عن دار اكتب يضع يده على مجموعة من أخطر القضايا والأزمات والشخصيات التي شغلت الرأي العام المصري والعربي في السنوات الأخيرة. أزمات اختلط فيها الفن والسياسة والإعلام بالدين، فكان هذا الخلط بيت الداء. في هذه الأزمات والحوادث والوقائع ذات البعد الديني بشكل أو بآخر، ارتفعت حدة المواجهات وزادت مساحة الانقسامات تحت راية الدين، التي يُفترض بها أن تجمع ولا تُفرِّق. ووجدنا أنفسنا إزاء شخصيات أقامت الدنيا ولم تُقعدها بمواقف وتصريحات لامست - إن لم تكن تجاوزت - خطوط الدين، المحظورة بالنسبة لكثيرين.

يمتد قوس الأزمات والصراعات التي يتناولها الكتاب ليشمل عددًا لا يستهان به من حروب التفكير والتكفير، وجرائم جماعات الإرهاب باسم الدين، وأخطرها تنظيم "داعش"، الذي ارتكب جرائم مروعة من القتل الوحشي والتمثيل بالجثث، في محاولةٍ لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء.

كما تطرق ياسر ثابت في كتابه إلى حوادث وممارسات وتجاوزات أثارت جدلًا واسعـًا، مثل "فتنة رفع المصاحف"، وجريمة القتل الطائفية في أبو النمرس، ووقائع محرقة ابن رشد الجديدة للكتب في المدارس، فضلًا عن إعداد دراسة موسعة لواحدة من أخطر أدوات المتطرفين لإثارة الأزمات، ونعني بذلك القنوات الدينية، التي تحوَّل بعضها إلى منصات للتعصب والتحريض.

• قضايا ازدراء الأديان

يفتح الكتاب ملف قضايا ازدراء الأديان في مصر التي أثارت موجات من الجدل والانقسام في صفوف الرأي العام في مصر. ويقول المؤلف في كتابه: بدا أن الأحكام الثلاثة ضد إسلام بحيري وفاطمة ناعوت وأحمد ناجي عودة لقضايا الحسبة التي تهدّد حرية التعبير والفكر والاعتقاد وقيم حقوق الإنسان. إن قيم حقوق الإنسان تحظر المحاكمات الجنائية على التعبير السلمي والرأي، ما يفرض ضرورة إجراء مراجعة شاملة للقوانين المختلفة المتعلقة بتقييد الحريات العامة والإعلامية وحق الحصول على المعلومة ونشرها، خاصة أن الدستور المصري نص على إلغاء عقوبة الحبس في جرائم الرأي.

وحسب تقرير "حصار التفكير"، الصادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن المشرع المصري اعتبر نقد الأديان جريمة، واصفـًا إياها تارة بالازدراء، وأخرى بالتحقير، سواء بقصد الإخلال بالسلم العام، أو بقصد الإهانة.

انضم أبطال الأحكام الثلاثة التي بدأنا بها إلى قائمة طويلة من أصحاب الفكر والرأي، ممن تعرضوا للمحاكمة والملاحقة.. وأحيانـًا الاغتيال.

ومن هؤلاء الكاتب والباحث الأكاديمي د. نصر حامد أبوزيد، الذي ظل لسنواتٍ طويلة مستحضرًا مشهد اغتيال د. فرج فودة، هذا المفكر الذي تتشابه أفكاره مع أبو زيد كثيرًا، ما اضطره إلى ترك مصر والعيش في الخارج خوفـًا من تكرار مشهد اغتيال الفكر.

ففي تسعينيات القرن العشرين، أثار د. نصر حامد أبوزيد زوبعة بكتاباته في الفكر الإسلامي والديني ومعارضته سلطة النص المطلقة، أدت إلى صدور قرار من محكمة الأحوال الشخصية بتطليقه من زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، بعد أن اعتبر مرتدًا عن الإسلام، فاضطر للجوء معها إلى هولندا إثر هذا الحُكم.

وأصدر أبوزيد العديد من الكتب من أهمها "الاتجاه العقلي في التفسير دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة"، و"فلسفة التأويل دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي" و"أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة مدخل إلى السميوطيقا" و"مفهوم النص دراسة في علوم القرآن".

وعندما قدم أبوزيد أبحاثه بعنوان "نقد الخطاب الديني" للحصول على درجة الأستاذية تكونت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة أبرزهم رئيسها د. عبدالصبور شاهين، الذي اتهم في تقريره أبوزيد بالكفر، وحدثت القضية المعروفة التي انتهت بمغادرته مصر إلى المنفى، منذ 1995 بعد حصوله على درجة أستاذ بأسابيع.

وانشغلت الأوساط العلمية والفكرية في مصر والعالم العربي بالقضية، خصوصـًا أن د. عبدالصبور شاهين أرفق اتهامه بالردة لأبي زيد تقريرًا تضمن "العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة لرفضهما. والهجوم على الصحابة، وإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم، والدفاع عن الماركسية والعلمانية وعن سلمان رشدي وروايته (آيات شيطانية)".

وعلى إثر هذا التقرير نشأت معركة فكرية واسعة بين أنصار أبوزيد وبين المؤيدين لتقرير شاهين، وطالبته لجنة مكونة من 20 عالمـًا من الأزهر بإعلان التوبة عن بعض الأفكار التي وردت في كتابه "مفهوم النص" ورأوا أنها مخالفة لأحكام الدين الإسلامي.

• اغتيال "الدولة المدنية"!

وقبل د. نصر حامد أبوزيد، خاض المفكر د. فرج فودة معركة طويلة مع التفكير والتنوير والبحث في مجال العلوم الإسلامية، وله كتابات عديدة مسلسلة في هذا السياق، نُشِرت على صفحات مجلة "أكتوبر" وصحيفة "الأحرار" في مصر، وأصدر عددًا من الكتب التي احتوت على آرائه التنويرية العميقة في مجال البحوث والدراسات الإسلامية، كما أسس وأدار الجمعية المصرية للتنوير، التي كان مقرها في مصر الجديدة، وشهدت حادثة اغتياله في أثناء خروجه من مقرها في الثامن من يونيو/حزيران عام 1992.

خاض فرج فودة مناظرة ضمن فعاليات معرض الكتاب في عام 1992، جاءت تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، ومثَّل فيها الدولة المدنية: فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله، ومثَّل الدولة الدينية كل من: الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وقتها، والدكتور محمد عمارة المتحول من الماركسية في الستينيات إلى الأرضية اليمينية الدينية. وخلال المناظرة تم التحريض على فرج فودة بدرجة كبيرة، واتهامه في دينه وأفكاره وعقيدته، وهو ما مثّل خطوة كبيرة أخرى على طريق الشحن العام ضدّ فرج فودة وأفكاره، وضد حياته أيضـًا، إلى أن وقعت جريمة الاغتيال بعد ستّة شهور تقريبـًا.

وبرز اسم محمّد أحمد خلف الله سنة 1947 إثر مناقشة رسالته للدكتوراه عن "الفنّ القصصي في القرآن الكريم" تحت إشراف أستاذه في التفسير بجامعة فؤاد الأوّل (القاهرة حاليًّا) أمين الخولي، حيث أثارت هذه الرسالة ردود فعل عدة رافضة لما جاء فيها وصلت حدّ التكفير؛ إذ اعتبرت ما أتى به خلف الله تقويضًا لقداسة النص القرآني ونزعـًا لصبغته الإلهيّة، وقد بلغ الأمر إلى درجة تكوين لجنة خاصة أعادت النظر في محتوى الرسالة وانتهت برفضها ومطالبة صاحبها بإعداد رسالة أخرى. إلاّ أنّ محمّد أحمد خلف الله لم يرضخ للحملة التي قامت ضدّه وضدّ أستاذه، وقام بنشر رسالته سنة 1953 لتتوالى من ثمّ طبعاتها مرّات عدّة.

ومحمّد أحمد خلف الله من تلاميذ الأزهر وكلية الآداب بالقاهرة حيث تحصّل على الإجازة سنة 1939، وقد تخصّص في الدراسات القرآنيّة وتحصّل على درجتي الماجستير والدكتوراه، ومن أبرز أساتذته نذكر طه حسين ومصطفى عبدالرازق وأحمد أمين، فضلًا عن المشرف على أطروحته الشيخ أمين الخولي، الذي وجّهه نحو الاهتمام بالجانب اللغوي والبياني في بحثه مع الاستفادة من علمي الاجتماع والنفس، ومن مؤلّفات محمّد أحمد خلف الله نذكر: "القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة"، و"القرآن والدولة"، و"القرآن والثورة الثقافيّة"، و"هكذا يبنى الإسلام"، و"محمّد والقوى المضادة" وهو في الأصل نصّ رسالته لنيل درجة الماجستير، وكان عنوانها الأصلي "جدل القرآن"، و"الأسس القرآنيّة للتقدّم"، و"مفاهيم قرآنيّة"، وغيرها من المؤلفات.

أما منصور فهمي (1886- 1959) فقد سافر إلى باريس للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة من السوربون. كانت أطروحته للحصول على درجة الدكتوراه لها صدى واسع وهي "أحوال المرأة في الإسلام" عام 1913 تحت إشراف ليفي برول.

على إثر هذا الجدل الذي أحدثته جذرية أطروحته، مُنِع منصور فهمي من التدريس بالجامعة المصرية آنذاك بعد عمله بها لمدة عام. ولم يعد إلى التدريس في الجامعة، إلا بعد ثورة 1919 وذلك في العام 1920. وقد تدرج في عمله الجامعي إلى أن كان عميدًا لكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم اختير مديرًا لدار الكتب المصرية، ثم مديرًا لجامعة الإسكندرية، إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1946. وكان فهمي عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ إنشائه، وانتُخب كاتب سره، وظل بهذا المنصب حتى يوم وفاته.

وإن كان قاسم أمين قد نال "قدرًا من اللوم اللفظي"‏،‏ على حد تعبير المفكر المصري نصر حامد أبوزيد‏،‏ فإن منصور فهمي "لاقى حرمانـًا من حق التوظيف نتيجه الهجوم الذي شنه عليه التقليديون"‏،‏ حيث عاد منصور فهمي ليدرس بالجامعة المصرية‏،‏ ليجد نفسه محرومـًا من هذا الحق الطبيعي‏،‏ حيث اتهم من قبل البعض بمعاداة الدين الإسلامي‏، حتى أن بعض الصحفيين الذين لم يطّلعوا على كتابه الذي لم يكن قد نُشر بغير الفرنسية،‏ قاموا بتحريض الناس عليه‏،‏ اعتمادًا على تقرير قُدّم إلى الجامعة يشكك في "نوايا" منصور فهمي تجاه الشريعة الإسلامية، اعتمادًا شكليـًا على اسم الرئيس العلمي لأطروحته، المفكر وأستاذ الفلسفة ليفي برول الذي أشرف على أطروحته آنذاك‏.‏

انزوى فهمي بعيدًا عن الأنظار محتملًا جميع الضغوط النفسية والمالية والاجتماعية الرهيبة لمده تقارب السبع سنوات‏،‏ حتى عاد الى التدريس في الجامعة،‏ لكن بعد أن كانت جذوة ذهنه العلمي المتقدة،‏ قد خبت‏. ولم ينتج‏،‏ أو يشارك في الشأن العام‏،‏ ولم ينشر بالإضافة إلى أطروحته التي صدرت بالفرنسيّة في باريس، إلا كتابـًا واحدًا هو "أبحاث وخطرات، دار المعارف، القاهرة 1930". وهو فصول أدبية وفلسفية نشرها في الصحف ثم جمعها في هذا الكتاب. واضطر إلى انتقاد أطروحته بعد ذلك في عدد من المقالات.

• أزمة "الشعر الجاهلي"

منذ البداية مثّل عميد الأدب العربي، د. طه حسين ظاهرة ثقافية ثورية. كان كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي صدر في إبريل/نيسان من عام 1926، هو حَجره الأول الذي ألقاه في بحيرة ثقافتنا الراكدة. أثرى كتابه المكتبة العربية بالبحث والنقد، وسال حبرٌ كثير من التجريح والتطاول على صاحبه، وتكفيره، والثناء والتكريم والشكر، وغير ذلك من المتناقضات. انفض كل هذا، وبقي الكتاب.

في مستهل كتابه يقول طه حسين: "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقـًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقـًا آخر سيزورّون عنه ازورارًا. ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة. وليس سرًا ما يُتحدث به إلى أكثر من مائتين. ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعـًا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخطين ولا مكترثٍ بازورار المزوَرّ. وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قومـًا وشق على آخرين، فسيرضي هذا الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد" .

ما يخلص إليه الكتاب، كما يقول طه حسين، هو أن: "الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا جاهليـًا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدًا لا يمثل شيئـًا، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي" .

جل ما وصل إليه طه حسين هو إنكار ما نُسِبَ إلى الحياة الجاهلية من شعر، وأثبت أن الشعر الجاهلي تم وضعه بعد الإسلام وتمت نسبته إلى الجاهليين لأسباب سياسية ودينية وعصبية قبلية، ولإثبات القبائل القصص والأساطير خاصتهم. واستدل بذلك من تاريخ اللغة العربية، فلغة عرب الجنوب الحميرية تختلف عن لغة عرب الشمال الفصحى في ألفاظها وقواعد نحوها وصرفها، فكيف ينسب شعر لشعراء من الجنوب بلغة أهل الشمال؟!

قدم طه حسين خمسة مبررات لشكه في انتحال العرب للشعر بعد ظهور الإسلام، وهي: العصبية القبلية، حيث أرادت القبائل في صراعها بعد الإسلام أن تخترع لنفسها مجدًا قديمـًا، فلجأت إلى وضع أشعار نسبتها إلى الجاهليين من شعرائها، ثم الصراعات الدينية التي دفعت يهودًا ونصارى إلى وضع كثير من الشعر نسبوه إلى شعرائهم في الجاهلية، ثم الشعوبية، أي تمجيد الأصول العرقية التي ينتمي إليها من دخلوا حديثـًا في الإسلام كالفرس، وقد وضع الرواة شعرًا يمجد الماضي الفارسي على ألسنة شعراء جاهليين، تقربـًا من الوزراء الفرس الذين استوزرهم العباسيون، ثم القصّاص والرواة الذين وضعوا شعرًا تحدثوا فيه عن أمجاد قبائل بعينها طمعـًا في العطايا.

سرعان ما شكَّل خصوم طه حسين لجنتين لدراسة كتابه‏،‏ وتقدموا يوم الاثنين ‏10‏ مايو/آيار بتقرير عنه إلى رياسة مجلس الوزراء‏،‏ الأمر الذي دفع صاحب "في الشعر الجاهلي" إلى أن يوجه كتابـًا لمدير الجامعة بعد يومين ينكر فيه ما جاء في هذا التقرير من أنه تعمد إهانة الدين والخروج عليه وأنه يُعلِّم الإلحاد في الجامعة‏:‏ "وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته ونبيه ورسله واليوم الآخر‏.‏ وأنا الذي جاهد ما استطاع في تقوية التعليم الديني في وزارة المعارف حين كلفت بالعمل في لجنة هذا التعليم‏..‏ وأؤكد لعزتكم أن دروسي في الجامعة خلت خلوًا تامـًا من التعرض للديانات؛ لأني أعرف أن الجامعة لم تنشأ لهذا" ‏.‏

غير أن هذا الإنكار لم يقع موقع التصديق من الأزهر وعلمائه، حتى أن أحدهم كتب للأهرام يؤكد أن طه حسين فعل ذلك مدفوعـًا بحُبِّ البقاء في وظيفته‏،‏ وأنه لولا ذلك لما حفل بما دار حول كتابه من اللغط ولما أعاره أدنى أهمية‏!‏

أكثر من ذلك، فقد وصل الأمر بأحد علماء الأزهر أن أخذ على صاحب الكتاب أنه افتتحه واختتمه "بدون أن تذكر اسم الله ولا أن تصلي على نبي المسلمين ‏(‏صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ مرة واحدة‏ (‏وواحدة فقط‏)‏ يا دكتور خبّرني عما بقي فيك من آيات المسلمين"‏!‏

واكب ظهور "في الشعر الجاهلي" عملية الانتخابات التي لم تلبث أن أفرزت برلمان عام ‏1926‏ ذا الأغلبية الوفدية‏،‏ وكان له موقف وأي موقف من طه حسين وكتابه‏.‏ فقد تعرض الرجل لهجمة عنيفة من أعضاء مجلس النواب‏،‏ خاصة من الوفديين‏،‏ وبينما لا نملك ما يدل على أنها قد تمت بتحريض من زعامة الحزب الكبير‏،‏ فإنها على الأقل قد سكتت عنها‏،‏ الأمر الذي أدى في النهاية إلى أزمة مع الحكومة التي كان يرأسها عدلي يكن باشا‏. وبعد أخذٍ ورد تحت قبة البرلمان، خرجت القضية إلى أروقة القضاء‏،‏ مما شكَّل فصلها الأخير‏.‏

حققت النيابة مع طه حسين في 19 أكتوبر/تشرين الأول من العام 1926، وحُفِظت القضية بعد أن حظي د. طه حسين برئيس نيابة يُدعى محمد نور أقام التحقيق معه، وهو رجل واسع الثقافة والعلم، قرأ الكتاب جيدًا، وفهم ما فيه، فدرأ عنه تهمة "الطعن في القرآن"، وذكر في تحقيقه "أن ما كتبه المؤلف هو بحث علمي لا تعارض بينه وبين الدين، ولا اعتراض لنا عليه"، وختمه بالقول "إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها". درسٌ بليغ نتعلم منه أن القول لا يكون حجة إلا إذا قام على برهان. أما القول وحده فليس حجة.