حرارة الجسم تحدّد مسار بعض الأمراض الوراثية

العلم يفتح آفاقا جديدة للعلاج الموجّه حراريا، حيث تتحول الحرارة إلى مفتاح لفهم الأمراض الوراثية وتطوير استراتيجيات تشخيص أكثر دقة.

  واشنطن ـ كشف باحثون من جامعة كاليفورنيا عن دور غير متوقع لدرجة حرارة الجسم في تحديد مسار بعض الأمراض الوراثية، في اكتشاف يُضاف إلى مسيرة طويلة من البحث العلمي الساعي إلى فهم العلاقة المعقدة بين الجينات والبيئة الخلوية.

الدراسة، التي نشرها الموقع الأمريكي المتخصص "جين أونلاين"، توصلت إلى أن جينا واحدا يمكن أن يكون مسؤولاً عن مرضين مختلفين، أحدهما جلدي والآخر قلبي، دون أن يجتمعا في شخص واحد، وذلك بحسب موقع تأثير الطفرة ودرجة حرارة النسيج المصاب.

ويندرج هذا الاكتشاف ضمن حقل علمي راسخ يُعرف بـ"علم التخلق" أو الإيبيجينتيك، الذي يدرس كيف تؤثر العوامل البيئية على التعبير الجيني دون تغيير الشيفرة الوراثية ذاتها.

ما يميز هذه الدراسة هو تحديدها لعامل فيزيولوجي دقيق وقابل للقياس، وهو درجة الحرارة، بوصفه محدداً رئيسياً لنوع المرض الذي تُفضي إليه الطفرة الجينية.

وأوضح الفريق البحثي أن الجين المعني مسؤول عن إنتاج بروتين يعمل كبوابة في غشاء الخلية، وهو عنصر أساسي في تنظيم مرور المواد الحيوية. وعندما تحدث طفرة في هذا الجين، فإن تأثيرها يتباين تبعاً لدرجة حرارة النسيج المتأثر.

وفي درجات الحرارة بين 25 و30 درجة مئوية السائدة في الأطراف كاليدين والقدمين، تنشط الطفرات المرتبطة بأمراض الجلد، بينما تبقى خاملة في الأنسجة الداخلية التي تبلغ حرارتها 37 درجة.

وعلى العكس، تنشط الطفرات المرتبطة بأمراض القلب عند درجة الحرارة الأساسية للجسم دون أن تظهر في الجلد البارد.

ويعود هذا التباين إلى أن البنية الفراغية للبروتين تتبدل مع تغير درجة الحرارة، وهو ما تُؤكده دراسات سابقة على الإنزيمات وبروتينات الغشاء الخلوي، التي تثبت حساسيتها للتغيرات الحرارية حتى في نطاقات ضيقة.

ويفتح هذا الاكتشاف الباب نظريا أمام تطوير علاجات موجهة حراريا، أي أدوية تُصمم لتعديل نشاط البروتينات في درجات حرارة محددة داخل الجسم. كما قد يساعد في تفسير ظواهر سريرية ظلت غامضة، من بينها اختلاف شدة الأعراض بين مناطق الجسم، وظهور أمراض وراثية في أعضاء بعينها دون سواها.

ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها الأولى، وأن التحقق منها سريريا على المرضى يستلزم تجارب إضافية مطولة. والفارق جوهري بين اكتشاف آلية بيولوجية في المختبر وبين ترجمتها إلى علاج فعلي قابل للتطبيق.

وتتسق هذه النتائج مع التوجه المتنامي نحو ما يُعرف بـ"الطب الشخصي الديناميكي"، الذي لا يكتفي بتحليل الشيفرة الوراثية، بل يأخذ في الاعتبار المحيط الفيزيولوجي الكامل الذي تعمل فيه الجينات، بما فيه الحرارة والحموضة وتركيب الأغشية الخلوية.

ويُتوقع أن تُسهم هذه المقاربة في تطوير اختبارات تشخيصية أكثر دقة، تعتمد على قياس حرارة الأنسجة لتحديد احتمالية ظهور المرض أو استجابته للعلاج، خاصة في الأمراض الوراثية المعقدة.

بهذا الاكتشاف، تتحول درجة الحرارة من مجرد مؤشر حيوي روتيني إلى عامل بيولوجي فاعل في نشاط الجينات، في خطوة تستحق المتابعة العلمية الدقيقة، وإن كان الطريق من المختبر إلى العيادة لا يزال طويلاً.