حراك إخواني لإرباك مسار الانتقال الديمقراطي في السودان

جماعة الإخوان السودانية تبحث عن إعادة التموقع، منددة باعتقال علي الحاج أمين عام حزب الترابي معتبرة أنه تصفية حسابات.



تدخلات الإخوان تهدف للتشويش على جهود التخلص من ارث البشير


إسلاميو السودان يبحثون عن منفذ لاختراق الهدوء في السودان


مهمة لم تكتمل في مهد الثورة السودانية


المحتجون الذين أطاحوا بالبشير يطالبون بتحسين الوضع الاقتصادي

الخرطوم - تبحث جماعة الإخوان المسلمين في السودان عن منفذ لاختراق هدوء يشهده البلد الذي اهتز على وقع أزمة اقتصادية خانقة وأشهر من الاحتجاجات أنهت ثلاثة عقود من حكم الرئيس عمر البشير وأسست لمرحلة جديدة تعمل السلطة الانتقالية على تحصينها بالقطع مع الإرث الاخواني للبشير وتفكيك شبكة معقدة من الارتباطات الداخلية والخارجية أثقلت كاهل الخرطوم.

وفي خطوة تشير في توقيتها إلى محاولة اخوانية لإعادة التموقع والتشويش على مسار الانتقال الديمقراطي ومرحلة التأسيس لتسوية ملفات عالقة من ارث الرئيس الذي عزله الجيش استجابة للاحتجاجات الشعبية ومنها ملف انقلاب 1989 الذي قاده الإسلاميون، نددت جماعة الاخوان اليوم الخميس باعتقال علي الحاج أمين حزب المؤتمر الشعبي.

والحاج من شركاء البشير في انقلاب 1989 قبل أن ينسلخ الراحل حسن الترابي عن حكومة الإنقاذ الإسلامية ويتحول إلى المعارضة مع تأسيس حزب المؤتمر الشعبي.

واعتبرت جماعة الإخوان في السودان في بيان صادر عن المراقب العام للجماعة عوض الله حسن، اعتقال الحاج خطوة مبنية على ما وصفتها بـ"مكايدات وتصفية حسابات شخصية" في تصريح مربك لجهود المحاسبة التي أطلقتها الحكومة السودانية.

وأوقفت المباحث الجنائية يوم الأربعاء الأمين العام للمؤتمر الشعبي علي الحاج في منزله واقتادته إلى نيابة الخرطوم شمال ثم إلى سجن كوبر إلى حين إخضاعه للتحقيق بموجب بلاغ ضد مدبري انقلاب 30 يونيو/حزيران 1989، بحسب مصدر في المؤتمر الشعبي.

وأفاد بيان المراقب العام للإخوان أن "تجريم السياسيين بانقلاب 1989 لن يحل مشكلات البلاد وتهمة الانقلاب أولى توجيهها للعسكريين، قبل أن تمضي الأمور إلى إفساد الفترة الانتقالية والدخول في نفق الصراعات الصفرية"، مضيفا أن "الاعتقال ليس أولوية الآن في ظل ظرف البلاد المعقد ويؤدي إلى استقطاب غير حميد".

وبدت عبارات البيان انتقائية وتوجيهية بما يؤجج غضب أنصار المؤتمر الشعبي (اخواني) وبقايا أنصار البشير.

وقد أعلن حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي، اعتزامه التصدي بالوسائل السياسية والقانونية لتوقيف أمينه العام، ضمن تحقيقات في انقلاب عام 1989.

وكانت اللجنة القانونية لتحالف "قوى إعلان الحرية والتغيير" التي قادت الحراك الشعبي بالبلاد،  قد أعلنت الأسبوع الماضي أن النيابة أمرت بالقبض على الحاج لدوره في تدبير انقلاب 1989 الذي أوصل عمر البشير إلى الحكم.

وأصبح الحاج مطلوبا للعدالة للاشتباه في دوره بالإطاحة بحكومة الصادق المهديعام 1989، عبر تنظيم الجبهة الإسلامية (المؤتمر الشعبي لاحقا)، بزعامة الترابي.

السودان لايزال مثقلا بارث البشير الاخواني
السودان لايزال مثقلا بارث البشير الاخواني

وتقدم محامون سودانيون في مايو/آيار الماضي بعريضة قانونية إلى النائب العام في الخرطوم ضد البشير ومساعديه بتهمة "تقويض النظام الدستوري عبر تدبيره الانقلاب العسكري عام 1989".

وأجبرت احتجاجات شعبية منددة بتردي الوضع الاقتصادي قيادة الجيش في 11 أبريل/نيسان الماضي على عزل البشير من الرئاسة.

ولايزال الوضع هشا في السودان على ضوء استمرار الأزمة الاقتصادية التي كانت سببا في موجة الاحتجاجات التي أطاحت بنظام البشير، فيما تتحرك الحكومة السودانية على أكثر من جبهة لمعالجة المشاكل الاجتماعية العالقة.

ويثير الوضع الراهن مخاوف من أن يتحرك الموالون للبشير ومنهم كثيرون في مؤسسات الدولة وفي الجيش لتنفيذ انقلاب عسكري، إلا أن مصادر سودانية استبعدت هذا الأمر لكنها حذّرت من أن جماعة الإخوان ربما تعمل على تأجيج الوضع لإرباك السلطة الانتقالية وأن حديثها عن اعتقال الحاج لا يخرج عن هذه السياقات.

وتقول هذه المصادر إن المناخ العام في السودان لايزال متوترا في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والتي تحتاج لوقت طويل لمعالجتها وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي.   

ويقول عبدالعزيز عبدالله  إن الثورة أمامها شوط طويل تقطعه وهو يقف على رصيف المحطة التي انطلق منها هو ومحتجون آخرون في قطار مكتظ إلى الخرطوم خلال ابريل/نيسان الماضي للضغط على الجيش السوداني من أجل تقاسم السلطة مع المدنيين.

وكان عبدالله عامل السكة الحديد الذي أصبح زعيما نقابيا من أوائل من خرجوا إلى الشوارع في عطبرة أحد معاقل الحركة العمالية في ديسمبر/كانون الأول 2018 وأطلقوا شرارة انتفاضة وطنية أطاحت بالرئيس البشير بعد ذلك بأربعة أشهر تقريبا.

واستغرق الجيش الذي عزل البشير، أربعة أشهر أخرى للموافقة رسميا على تقاسم السلطة لفترة ثلاث سنوات مع حكومة مؤقتة بقيادة مدنية.

ويؤيد الناس في عطبرة التي تعد مركزا للسكك الحديدية يرجع إلى عهد الاستعمار، الحكومة الوطنية في العاصمة الواقعة على مسافة 350 كيلومترا إلى الجنوب.

لكنهم يقولون إن بعض المظالم الرئيسية التي أدت للانتفاضة لا تزال قائمة ومنها ضآلة المرتبات والبطالة.

وقال عبدالله الذي تولى إدارة الاتحاد العمالي بعد الإطاحة بالبشير إن مرتبات "عمال السكة الحديد من أقل المرتبات في الدولة" إذ يحصلون على 1200 جنيه سوداني (26.67 دولار) في الشهر بينما لا تقل احتياجاتهم لتسيير أمورهم عن عشرة آلاف جنيه.

ويريد العمال أيضا تخصيص أموال لإحياء مرفق السكك الحديدية الذي كان يمثل في فترة من الفترات أطول شبكة من نوعها في أفريقيا لكنها أصبحت مهملة.

وهذه مطالب صعبة يواجهها رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الذي يحاول تحاشي انهيار اقتصاد عانى على مدى ثلاثة عقود من سوء الإدارة ومن العقوبات الأميركية.

وسيكون مدى قدرته على تلبية توقعات الاف العاملين بالسكك الحديدية اختبارا للبلاد كلها إذ أن عطبرة من المدن التي انطلقت منها الاضطرابات منذ الاستقلال عن بريطانيا في 1956.

وشكل المحتجون لجان مقاومة ساعدت في استمرار الانتفاضة وأصبحوا يريدون الآن أن تكون لهم كلمة في تسيير أحوال المدينة.

ويلتقي المحتجون منذ رفع حظر التجمعات بسقوط البشير، لبحث مشاكل مثل كيفية خلق الوظائف للشباب وذلك من خلال محاولة إيجاد الأراضي الزراعية لزراعة المحاصيل.

لكن يغضبهم أن المدينة لا تزال تحت إدارة حاكم عسكري. وقد فقدت الشبكة الأمنية التي أسسها البشير بعضا من سلطاتها غير أن ضباطها لا يزالون في عطبرة وغيرها كما أن جنودا من الجيش مازالوا يرابطون في ثكنات قريبة رغم أنهم لا يجوبون الشوارع كما كان يحدث من قبل.

وقال عادل الشيخ أحد كبار الأعضاء من عطبرة في ائتلاف قوى الحرية والتغيير وهو الجماعة الرئيسية التي تفاوضت على اتفاق تقسيم السلطة مع قيادات الجيش "ما تغير شيء للمواطنين والشباب. الخدمة المدنية لا تزال مكونة من النظام السابق".

بيان جماعة الاخوان في السودان يهدف لتغذية توترات كامنة على خلفية الأزمة الاقتصادية
بيان جماعة الاخوان في السودان يهدف لتغذية توترات كامنة على خلفية الأزمة الاقتصادية

ويشغل إيجاد الوظائف بال كثيرين. وقال محمد عبدالعظيم العاطل منذ 2007 "أملي أن أحصل على وظيفة كمهندس. وظائف الدولة في ظل النظام القديم كانت لرجال النظام".

وتعتبر مدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهري النيل وعطبرة مقياسا للوضع في السودان منذ أقام الاستعمار البريطاني فيها مركزا للسكك الحديدية وبنى عشرات الفيلات ليقيم فيها مديرو السكك الحديدية أصبحت الآن خاوية.

ولا تزال على الجدران خرائط تحمل اسم سكك حديد السودان في المباني الإدارية التي تقبع على مكاتبها إيصالات مطبوعة باللغتين الانكليزية والعربية.

وطالب العمال هنا بالاستقلال وشكلوا العمود الفقري للحزب الشيوعي الذي كانت له سطوة بعد الاستقلال وانتفضوا على مختلف الحكام العسكريين منذ ذلك الحين ودفعوا ثمن انتفاضهم بحملات طرد جماعية.

ولم يشهد السودان سوى ثلاث حكومات مدنية أطاح بها كلها قادة عسكريون استولوا على السلطة وقالوا إن المدنيين أخفقوا في إصلاح الاقتصاد المتأزم.

ويقف رئيس الوزراء حمدوك في موقف مماثل إذ يرأس حكومة تتقاسم السلطة مع الجيش. وهو يريد زيادة مرتبات العاملين في الدولة وتعويض حوالي 4000 عامل فصلهم البشير من وظائفهم، لكنه يحتاج لدعم من المانحين يصل إلى خمسة مليارات دولار للعام المقبل وحده.

وقال علي عبدالله (70 عاما) الرئيس السابق لاتحاد العاملين بمرفق السكك الحديدية والذي سجن في عهد البشير وأصبح الآن من الشخصيات التي تحظى بالاحترام بين سكان المدينة "بأمانة عندنا مخاوف من حدوث انقلاب جديد إذا لم تحل القضايا الرئيسية".

وتقول الولايات المتحدة إنها تأمل أن تتمكن من رفع العقوبات التي فرضت على السودان في 1993 بسبب اتهامات بأن حكومة البشير الإسلامية ساندت الإرهاب وذلك حتى يتسنى لأموال المانحين التدفق.

وتشعر الدول الغربية بالقلق لكنها تخشى أيضا أن يؤدي عدم الاستقرار في السودان إلى زيادة الهجرة إلى أوروبا وتشجيع المتشددين الإسلاميين. وسيستغرق التئام الجروح على المستوى المحلي بعض الوقت.

وعندما بدأت الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول فتحت قوات الأمن النار فقتلت بين من قتلت طالب الهندسة طارق أحمد الذي كان يبلغ من العمر 23 عاما.

وقال أبوه وهو يقود سيارة عبر شوارع عطبرة المليئة بالحفر لإظهار مدى الإهمال "لم يكن شخصا يهتم بالسياسة لكنه سئم النظام والتضخم".

ولم يقدر الأب على الذهاب إلى البقعة التي سقط فيها ابنه قتيلا، لكنه توقف عند الجامعة التي رسم طلابها وجهه على جدار لتظل ذكراه حاضرة. وكافح الأب هناك لحبس دموعه. وقال "ضحى بنفسه من أجل التغيير في السودان. لن ننسى".