حراك متسارع بين بغداد وأربيل لفك عقدتي الحكومة والبرلمان

الوفد الكردي يحمل أجندة واضحة تتمحور حول ضمان الحقوق الدستورية لإقليم كردستان والحصول على تعهدات بعدم تكرار السياسات السابقة التي أضرت بالإقليم ماليا واجتماعيا.

أربيل/بغداد - ينفتح المشهد السياسي العراقي على حراك مكثف على أكثر من مسار، في محاولة لحسم الاستحقاقات الدستورية الكبرى المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة واختيار رئاستي البرلمان والحكومة، وسط توازنات دقيقة وضغوط زمنية متصاعدة مع اقتراب موعد انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد في 29 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

 وفي قلب هذا الحراك، يبرز الدور الكردي وتحديدا تحركات الحزب الديمقراطي الكردستاني، بالتوازي مع مشاورات تجريها قوى سياسية في بغداد لفك عقد الانسداد السياسي.

وأعلن ريبوار بابكي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في برلمان كردستان، عن توجّه وفد رفيع من الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى بغداد لبدء مفاوضات مباشرة مع القوى السياسية بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، ووفق ما نقلته وكالة 'بغداد اليوم'. ويضم الوفد شخصيات قيادية بارزة، في مقدمتها فاضل ميراني رئيس الهيئة الإدارية للمكتب السياسي للحزب، إلى جانب فؤاد حسين ونوزاد هادي، ما يعكس جدية الحزب في التعامل مع هذه الجولة التفاوضية بوصفها محطة مفصلية في إعادة رسم العلاقة بين الإقليم والمركز.

ويحمل الوفد، بحسب بابكي، أجندة واضحة تتمحور حول ضمان الحقوق الدستورية لإقليم كردستان والحصول على تعهدات بعدم تكرار السياسات السابقة التي وُصفت داخل الأوساط الكردية بأنها أضرت بالإقليم ماليا وسياسيًا. ويؤكد الحزب الديمقراطي الكردستاني أن مرجعيته في هذه المطالب هي الدستور العراقي، مع التشديد على مبادئ الشراكة والتوافق والتوازن في العملية السياسية، بوصفها أساسًا لأي حكومة مستقرة قادرة على إدارة التنوع العراقي.

وتستمد هذه المطالب ثقلها من النتائج الانتخابية، إذ يقدّم الحزب نفسه باعتباره القوة الكردية الأولى في البرلمان الاتحادي بعد فوزه بأغلبية المقاعد الكردية وحصوله على أكثر من مليون صوت، ما يمنحه استحقاقًا سياسيًا ودستوريًا لا يمكن تجاوزه في معادلة تشكيل الحكومة المقبلة.

وكان الحزب قد شكّل وفدين تفاوضيين منفصلين، أحدهما معني بالحوار في بغداد حول الحكومة الاتحادية وملفات الرئاسات والموازنة وقانون الانتخابات، وآخر مختص بتشكيل حكومة إقليم كردستان، في خطوة تهدف إلى توحيد الموقف الكردي وحسم الملفات العالقة، ولا سيما النفط والغاز والمناطق المتنازع عليها.

وبالتوازي مع الحراك الكردي، تشهد بغداد نشاطًا سياسيًا متوازيًا تقوده قوى شيعية وسنية، فقد بحث وفد من ائتلاف الإعمار والتنمية مع رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي سبل تجاوز العقبات التي تعترض تشكيل الحكومة، مؤكدا، وفق بيان نقلته 'بغداد اليوم'، أهمية تفعيل الحوار الجاد والابتعاد عن سياسات التسويف، مع التركيز على ملفات الإعمار والخدمات التي تمثل أولوية للشارع العراقي. ويعكس هذا اللقاء محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين القوى السياسية تتيح الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة إنتاج التسويات.

في المقابل يواصل الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية، اجتماعاته لمناقشة ملف اختيار رئيس الوزراء المقبل. وبحسب مصادر مطلعة تحدثت عُقد اجتماع في مكتب همام حمودي لبحث آليات اختيار الشخصية المناسبة لرئاسة الحكومة، في ضوء الاستحقاقات الدستورية والأوضاع العامة في البلاد، فضلًا عن التطورات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل العراقي. ويُظهر هذا المسار أن عقدة رئاسة الحكومة لا تزال من أعقد الملفات، نظرًا لتشابك الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية.

إلى جانب ذلك، تبرز عقدة رئاسة مجلس النواب كعنصر أساسي في ترتيب المشهد السياسي، فقد أكد تحالف السيادة أن رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي يُعد الأوفر حظًا لتولي المنصب، مستندا إلى دعم سياسي واسع من قوى شيعية وكردية وسنية.

وأشار عضو التحالف عمار العزاوي إلى أن تعدد الترشيحات داخل البيت السني أسهم في تعطيل الحسم، غير أن المؤشرات، وفق حديثه لوكالة 'بغداد اليوم'، تميل لصالح السامرائي مع قرب عقد اجتماع نهائي لتوحيد الموقف.

ويكشف هذا الحراك متعدد المسارات عن سباق سياسي مع الزمن لحسم الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة قبل أن يتعمق الانسداد. ويبدو أن نجاح هذه الجهود مرهون بقدرة القوى العراقية، بما فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني، على تحويل الحوارات الجارية إلى تفاهمات عملية، توازن بين الاستحقاقات الانتخابية والضرورات الدستورية وتضع أسس شراكة حقيقية قادرة على تأمين حد أدنى من الاستقرار السياسي في مرحلة دقيقة من تاريخ العراق.