حزب الدعوة يعيد خلط الأوراق بترشيح المالكي لرئاسة الحكومة
بغداد - أعاد حزب الدعوة الإسلامية، نشر إعلان ترشيح أمينه العام نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة، بعد ساعات من حذفه بشكل مفاجئ من منصاته الرسمية، في خطوة ضاعفت من حجم الجدل المحتدم حول نيات المالكي السياسية، وحول مستقبل التوازنات داخل القوى الشيعية، لا سيما داخل الإطار التنسيقي.
وبينما اكتفى الحزب ببيان مقتضب أشار إلى أن الترشيح جاء بإجماع مجلس الشورى، فإن إعادة نشر الإعلان بعد سحبه من دون تقديم أي توضيح أظهر حجم الانقسام داخل الحزب نفسه، وكشف عن خلافات أعمق داخل البيت السياسي الشيعي بشأن قدرة المالكي على العودة إلى رئاسة الحكومة، أو حتى مدى مناسبة هذا الخيار في ظرف سياسي معقد ومشحون بالتحديات.
اللافت أن إعلان الترشيح تزامن مع وصول المالكي إلى أربيل لإجراء مباحثات مع قيادات إقليم كردستان حول تشكيل الحكومة المقبلة، في مؤشر على محاولة إعادة بناء تحالفات كان المالكي قد فقد الكثير من جسورها خلال فترة حكمه، خاصة مع القوى الكردية التي تتهمه تاريخيًا بإضعاف الشراكة وتقويض مبادئ التوافق.
ويُقرأ هذا التحرك في إطار محاولته استعادة الدور المركزي داخل النظام السياسي، مستندًا إلى نفوذ تاريخي داخل حزب الدعوة والإطار التنسيقي، وإلى دعم إيراني لا تُخفيه طهران في العادة، بالنظر إلى كون المالكي أحد أكثر الشخصيات قربًا من توجهاتها.
لكن عودة المالكي إلى واجهة الترشيحات تفتح الباب أمام موجة واسعة من الأسئلة الجدلية، ليس فقط بسبب انتمائه السياسي وموقعه الإقليمي، بل أساسًا بسبب الإرث الثقيل لفترة حكمه بين عامي 2006 و2014، التي يُجمع كثير من المراقبين على أنها أسست لانهيارات كبرى ما يزال العراق يدفع أثمانها حتى اليوم، فالتاريخ السياسي للمالكي ارتبط بموجات متصاعدة من الطائفية السياسية والفساد المؤسسي والمحسوبية داخل مفاصل الدولة، كما ارتبط بعلاقة إشكالية مع المؤسسة العسكرية أسهمت في تسييس الجيش والأجهزة الأمنية.
وبلغ ذلك ذروته في صيف 2014 عندما اجتاح تنظيم (داعش) مساحات واسعة من العراق، وسقطت الموصل بيد التنظيم بطريقة مثّلت انهيارًا مهينًا للجيش، وأثارت أسئلة خطيرة حول طبيعة إدارة المالكي للمؤسسة الأمنية ومسؤوليته المباشرة أو غير المباشرة عن تلك الكارثة.
وفي سياق هذه الخلفيات، لا يبدو أن عودة المالكي إلى المنافسة على رئاسة الحكومة أمرا يمكن أن يمرّ دون اعتراضات واسعة داخل الشارع، ولا داخل الطبقة السياسية أيضًا. فالكثير من القوى السنية والكردية تحتفظ بذاكرة سياسية سلبية تجاهه، كما أن قوى الاحتجاج المدني تعتبره أحد رموز الإخفاق السياسي الذي كرّس دولة المحاصصة وضعف الدولة وفشل الإصلاح. ومع ذلك، يبقى المالكي رقمًا ثابتًا داخل الإطار التنسيقي، وهو ما يجعل ترشيحه، حتى وإن كان مثيرًا للجدل، خيارًا مطروحًا بقوة لدى بعض الفصائل الشيعية التي ترى فيه "رجل المرحلة" لمواجهة التغيرات الإقليمية والتحديات الأمنية.
إضافة إلى ذلك، فإن إعادة طرح اسمه تأتي في وقت يشهد فيه الإطار التنسيقي منافسة داخلية على مرشح رئاسة الوزراء، بعد تداول ثلاثة أسماء: رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني، ونوري المالكي، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري. ويُرجح مراقبون أن المالكي يدرك أن فرصته ليست مضمونة بالكامل داخل الإطار، لكنه يسعى إلى رفع أسهمه التفاوضية عبر تكثيف حضوره السياسي والإعلامي، ودفع حزب الدعوة إلى إعلان دعمه المباشر له، وهو ما يضع خصومه في موقف دفاعي، ويمنحه مساحة للمناورة داخل معادلة معقدة.
وفي الوقت ذاته، يرى آخرون أن المالكي يحاول استثمار حالة الاستقطاب السياسي الراهنة لإعادة تقديم نفسه باعتباره صاحب تجربة سياسية طويلة وقادرًا على إدارة ملف التوازنات بين القوى الشيعية والكردية والسنية، رغم أن التجربة السابقة تشير إلى عكس ذلك. ومع ذلك، فإن حسابات الإطار التنسيقي غالبًا ما تتجاوز الاعتبارات الشعبية، وتستند إلى طبيعة التحالفات والمصالح الإقليمية، ما يجعل موقف إيران عنصرًا حاسمًا في منح المالكي فرصة المنافسة على رئاسة الحكومة.
إن الجدل الذي أثارته خطوة حزب الدعوة — بدءًا من الإعلان، ثم الحذف، ثم إعادة النشر — يعكس حالة غموض سياسي لا تزال تهيمن على عملية تشكيل الحكومة المقبلة بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني. كما يكشف أن مساعي المالكي للعودة إلى السلطة ليست مجرد رغبة شخصية، بل مشروع سياسي يتقاطع مع صراع داخلي على قيادة المرحلة المقبلة داخل البيت الشيعي، في وقت يواجه فيه العراق أزمة ثقة عميقة مع الجمهور بسبب تكرار الوجوه ذاتها وتجارب الحكم التي لم تُنتج إصلاحًا حقيقيًا.
وبذلك، يظل ترشيح المالكي اختبارًا مبكرًا لطبيعة الترتيبات السياسية المقبلة، ولقدرة القوى العراقية على تجاوز تركة الماضي، أو إعادة تدويره من جديد.