حزب الله يعمق أزمة الحكومة بتمسكه بالسلاح
بيروت – جدد عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب علي عمار الخميس، تأكيد موقف حزب الله من مطلب حصر السلاح بيد الدولة قائلا إن "سلاح المقاومة باقٍ ما دام هناك عدو إسرائيلي يحتل أرضا وينتهك مقدسات وحرمات"، بينما تأتي تصريحاته التي نقلتها الوكالة الوطنية للإعلام (حكومية) في خضم موجة توترات أمنية وسياسية متزامنة على الحدود الجنوبية، ومع تسريبات عن ضغوط أميركية متصاعدة تطالب بنزع هذا السلاح قبل نهاية العام.
وهذا الموقف ليس جديدا لكنه يحمل اليوم ثقلا مضاعفاً في ظل معادلات داخلية مأزومة وتوازنات إقليمية تعيد صياغة قواعد الاشتباك.
وشدد عمار على أن السلاح لن يُمسّ قبل أن "يستسلم العدو للقرارات والمواثيق الدولية وأن إسرائيل مطالبة بالانسحاب من "النقاط السبع وليس الخمس"، وبإعادة الأسرى ووقف كل أشكال الاعتداءات الجوية والبرية والبحرية.
وهذا التشديد يعكس تمسك الحزب بمعادلة "الضرورات الدفاعية" التي تعتبر إسرائيل خطراً دائماً، وبالتالي تجعل السلاح جزءاً من الهوية السياسية والعسكرية للحزب، لا مجرد ورقة تفاوضية.
لكن التصريحات حملت أيضاً رسائل سياسية داخلية واضحة، فقد اتهم عمار بعض القوى اللبنانية بـ"التحريض على المقاومة" واعتبارها خصماً سياسياً، رغم أنه أكد أن لا تاريخ صداميا مباشرا بينها وبين الحزب.
ويواصل هذا الاتهام تعزيز رواية الحزب بأن الدعوات إلى نزع السلاح ليست مشروعة وطنياً، بل جزء من استراتيجية دولية أوسع لإضعافه، تتقدمها الولايات المتحدة ومن وصفهم بـ"أذنابها".
في المقابل، تعكس التقارير الإسرائيلية والأميركية صورة مختلفة، حيث أفادت صحيفة "يسرائيل هيوم" بأن الإدارة الأميركية منحت الحكومة اللبنانية مهلة تنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول لنزع سلاح حزب الله.
ورغم عدم تأكيد هذه المعلومة رسمياً من واشنطن أو بيروت، إلا أن تداولها يعزز الإحساس بأن ملف السلاح دخل مرحلة "الضغط القصوى" من المجتمع الدولي، خصوصاً في ضوء ارتباطه بمفاوضات الحدود، بتنفيذ القرار 1701، وبمنع حرب جديدة في المنطقة.
وتأتي هذه التسريبات في لحظة حساسة بعد اغتيال رئيس أركان حزب الله، هيثم علي الطبطبائي (أبوعلي الطبطبائي)، في غارة إسرائيلية دقيقة على مبنى في حارة حريك، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 28 آخرين.
وهذه العملية النوعية أعادت التأكيد على أن إسرائيل لا تزال تعتبر الحزب تهديداً استراتيجياً مباشراً، وأن المواجهة في لبنان مرشحة للتوسع حتى في ظل سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
واتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024 كان يفترض أن يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من المناطق التي احتلها جنوب لبنان بحلول 26 يناير/كانون الثاني الماضي، غير أن إسرائيل أبقت على وجودها العسكري في خمس نقاط استراتيجية، وبررت استمرار الاعتداءات الجوية بأنها "ضرورة لحماية مستوطنات الشمال".
وشكل هذا التلكؤ الإسرائيلي وقودا إضافياً لموقف حزب الله الذي يرى في استمرار الاحتلال وعدم الالتزام بالاتفاق دليلاً على أن نزع سلاحه مطلب غير واقعي ولا يمكن أن يُبحث في ظل غياب ضمانات سيادية حقيقية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة اللبنانية رسمياً رفضها لأي اعتداءات إسرائيلية، لكنها تجد نفسها في موقع دقيق بين تبني خطاب الدولة وبين مواجهة ضغوط دولية متصاعدة لضبط نشاط حزب الله.
وفي الداخل، يعمّق تمسك الحزب بسلاحه حالة الانقسام بين القوى السياسية، فجزء واسع من الأطراف اللبنانية يرى أن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة لا يسمح بعودة الاستقرار ولا بإنقاذ الاقتصاد المنهار، وأنه يضع لبنان في واجهة أي تصعيد مع إسرائيل، بينما يصرّ الحزب على أن السلاح جزء من "معادلة الردع" التي تحمي البلاد، لا عبء يجرّها إلى الحروب.
ويجعل هذا الشد والجذب الدولة اللبنانية في حالة ازدواجية واضحة: سلطة رسمية تفاوض على الحدود وتبحث عن مخرج سياسي وحزب يمتلك قرارا عسكرياً مستقلاً ويحدد مستوى الرد على إسرائيل، ما يفرض معادلة أمنية لا تخضع بالكامل للمنظومة الرسمية. وتحت هذا الضغط، تصبح أي مفاوضات داخلية حول "الاستراتيجية الدفاعية" مؤجلة إلى حين تبلور توازنات إقليمية مختلفة.
ولا يمكن فصل سلاح الحزب عن موقعه داخل محور إقليمي بقيادة إيران. اغتيال الطبطبائي، الذي يعد من أبرز قادة "وحدة الرضوان"، يؤشر إلى أن المواجهة تتجاوز جغرافيا الجنوب، وأن إسرائيل تستهدف البنية العميقة للقوة العسكرية للحزب.
وفي ضوء الصراع الإيراني–الإسرائيلي المتصاعد، يصبح الحديث عن نزع السلاح خارج سياق تسوية إقليمية شاملة أقرب إلى الوهم.
ويشير المشهد الراهن إلى أن ملف سلاح حزب الله يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً: ضغوط دولية تتصاعد، وواقع ميداني لم يتغير، وحزب يعزز خطاب "شرعية المقاومة" بمبررات الاحتلال والانتهاكات.
وفي غياب اتفاق وطني أو إقليمي، سيبقى هذا السلاح محور الشد والجذب في لبنان، وعامل توتر مستمر بين الداخل والخارج… ومعادلة لا يبدو أن أي طرف قادر على حسمها قريباً.