حفتر يدعو لتحرك شعبي سلمي لكسر الجمود السياسي

خليفة حفتر: الأمر لا يحتمل التأجيل فإما الدولة، وإما الفوضى، إما السيادة، وإما التبعية، إما النهضة والتقدم، وإما الفقر والتخلف.
دعوة حفتر تأتي ضمن مساعٍ لتكريس دور الشعب كمرجعية عليا بعد تعثر كل المسارات السياسية
خليفة حفتر يفسح المجال للشعب لتحديد مصيره ومستقبله

طرابلس – دعا قائد عام القوات الليبية المشير خليفة حفتر، الشعب الليبي إلى التحرك بشكل سلمي ومنظم لتقرير مصيره، مؤكدًا أن الوقت قد حان لاستعادة زمام المبادرة من أيدي الأطراف السياسية المتنازعة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لإعادة تنشيط المسار الداخلي وتجاوز حالة الجمود السياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وفي كلمة ألقاها خلال لقائه مع مشايخ وأعيان قبائل مدينة ترهونة شمال غربي البلاد، قال حفتر"في هذه المرحلة المفصلية التي نقف عندها، لا نملك إلا أن ننبه الشعب الليبي إلى أن موعد حراكه السلمي المنظم ليقرر مصيره قد حان"، مشددًا على أن الانتظار لم يعد خيارًا مقبولًا بعد سنوات من محاولات فاشلة لإخراج البلاد من أزمتها.
وأضاف حفتر في خطابه الذي حمل رسائل سياسية واضحة "الأمر لا يحتمل التأجيل فإما الدولة، وإما الفوضى، إما السيادة، وإما التبعية، إما النهضة والتقدم، وإما الفقر والتخلف"، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب حسمًا في الموقف الشعبي تجاه مصير البلاد، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والصراعات الحزبية.
وأكد أن "القيادة العامة للجيش ليست الجهة التي تتخذ القرار الحاسم في شأن مستقبل البلاد، بل الشعب الليبي نفسه"، داعيًا المواطنين إلى "ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم سلميا ومنظما بعيدا عن الفوضى والعنف".

وتأتي دعوة حفتر، وفق محللين سياسيين، ضمن مساعٍ لتكريس دور الشعب كمرجعية عليا بعد تعثر كل المسارات السياسية التي رعتها الأمم المتحدة والدول الإقليمية، والتي لم تسفر سوى عن مزيد من الانقسام بين الشرق والغرب. ويرى هؤلاء أن القائد العسكري يسعى إلى استثمار حالة الإحباط الشعبي من النخب السياسية خاصة في غرب ليبيا لإعادة تموضعه كقائد وطني يسعى إلى تجاوز الانقسام، عبر بوابة الحراك السلمي الذي يضمن بقاء المبادرة داخل الحدود الليبية، بعيدًا عن الوصاية الدولية.
وفي كلمته، أوضح أن "الشعب الليبي لا يمكن أن يقبل بأن يتحول وطنه إلى ساحة صراع على السلطة والثروة، أو أن يكون مجالا مفتوحا للفساد ونهب المال العام"، مشيرًا إلى أن "الوقت قد حان لوقف العبث ووضع حد للفوضى السياسية التي أنهكت البلاد وأفقدتها مقومات الدولة".
كما حذر من محاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية، قائلًا "من أن كل من يتصدى لقرار الشعب أو يحاول فرض وصاية عليه، سيجد نفسه في مواجهة الإرادة الشعبية التي تمثلها القوات المسلحة الليبية"، في تعبير عن التزام المؤسسة العسكرية بحماية أي مسار وطني ينبع من إرادة الليبيين أنفسهم.
وقد شهد اللقاء الذي جمع حفتر بزعماء القبائل حضور شخصيات سياسية وعسكرية بارزة من الحكومة المكلفة من مجلس النواب، بينهم رئيس الحكومة أسامة حماد، واللواء خالد حفتر رئيس الأركان العامة، وعبد الرازق الناظوري مستشار الأمن القومي. ويشير هذا الحضور إلى حالة من التناغم بين المؤسستين العسكرية والتنفيذية في الشرق الليبي بشأن المرحلة المقبلة، بما يعكس توافقًا على ضرورة كسر الجمود السياسي عبر تحركات سلمية يقودها الشعب.
ويرى مراقبون أن قائد الجيش الوطني الليبي يحاول من خلال إعادة التواصل مع المكونات القبلية تأكيد دورها التاريخي كركيزة للاستقرار الاجتماعي والسياسي، بعد سنوات من محاولات تهميشها لصالح نخب حزبية ومسلحة. كما أن إصراره على "الإرادة الشعبية" يعكس رفضه لما يعتبره "تدخلاً مفرطًا من القوى الخارجية في الشأن الليبي"، في ظل تراجع ثقة الشارع في البعثة الأممية والآليات التي تقترحها.
ويأتي خطابه كذلك في وقت تشهد فيه العلاقة بين الحكومة المكلفة من مجلس النواب وبعثة الأمم المتحدة توترًا متزايدًا. فقد تقدم رئيس الحكومة أسامة حماد مؤخرًا بشكوى رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اتهم فيها المبعوثة الأممية هانا تيتيه بارتكاب "مغالطات خطيرة" خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، وبـ "التدخل في شؤون المفوضية العليا للانتخابات ومحاولة فرض آليات لتشكيل مجلسها دون تنسيق مع الحكومة".
ويرى محللون أن هذا التصعيد يعكس استياء المعسكر الشرقي من ما يعتبره نهجًا إقصائيًا في تعامل الأمم المتحدة مع الأطراف الليبية، في وقت تتنامى فيه الدعوات إلى استبدال المسار الأممي بمبادرات داخلية يقودها الليبيون أنفسهم، تحت مظلة القبائل والقوى الاجتماعية.
وتأتي هذه التطورات في ظل انسداد سياسي غير مسبوق تشهده ليبيا، مع استمرار الخلافات حول القاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة منذ ديسمبر/كانون الاول 2021. فرغم تعدد الجهود الدولية والإقليمية من ملتقى الحوار السياسي في جنيف، إلى اجتماعات القاهرة وبوزنيقة وطرابلس لم تفلح أي من تلك المسارات في تحقيق توافق حول توزيع السلطة أو آلية تشكيل قيادة موحدة أو إدارة الموارد النفطية، التي تمثل العصب الاقتصادي للدولة.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز دعوة قائد الجيش الوطني الليبي إلى الحراك السلمي كخيار بديل لتجاوز حالة الشلل السياسي التي عطلت بناء الدولة وأفقدت المواطن الثقة في كل الأطراف. فبدلًا من انتظار تسوية خارجية، يطرح القائد العام رؤية تستند إلى إرادة الليبيين، وتعيد إلى الشعب موقعه في صنع القرار الوطني.
ويؤكد مراقبون أن الخطاب الجديد لحفتر يحمل ملامح تحول في استراتيجيته السياسية، من التركيز على القوة العسكرية إلى الرهان على قوة الإرادة الشعبية، في محاولة لإعادة توجيه دفة المشهد نحو مسار وطني جامع، يفتح الباب أمام بناء دولة موحدة قادرة على تجاوز الفوضى والانقسام.