حقوق الإنسان بين السماء والأرض

بقلم: إبراهيم الهطلاني

يشكل مفهوم حقوق الإنسان وتطبيقاته بأبعاده السياسية والقانونية والاجتماعية عقبة ومشكلة مزمنة في طريق تطبيع العلاقات بين الحاكم والمحكوم في الوطن العربي ولعل هذا الوضع الحقوقي المتأزم هو نتاج وإفراز طبيعي لإشكالية السند الشرعي أو القانوني المقبول لأصل النظام والحكم في المنطقة العربية بأسرها.
مع وجود محاولات لبعض الأنظمة العربية لإضفاء الشرعية على الأمر الواقع عن طريق إجراء انتخابات أو استفتاءات لاحقة على عملية الاستيلاء على الحكم و من خلال القبول ببعض المفاهيم الدولية أو عن طريق إعطاء بعض الحقوق للمواطنين تبقى بعض الأنظمة العربية بعيدة عن المشهد السياسي الواقعي محاولة الصمود أمام المتغيرات الدولية رافضة للتغير والإصلاح لان أصحاب القرار يعتقدون أن الإصلاح والتغيير سيؤدي حتما إلى فقدهم كثيرا من المكتسبات السياسية والمالية التي غنموها أثناء فترة حكمهم وربما فُتحت عليهم أبواب الحساب والعقاب لذلك هم يفضلون أسلوب المنح والتدرج في التطوير الشكلي بدون إعطاء ضمانات أو تحديد وقتي أو خطة زمنية للإصلاح أو التغيير، إن هذه الأنظمة وهذا حالها لا تأخذ أمر وضرورة الإصلاح والتغيير بجدية كاملة فالقضية لديها عبارة عن مناورة وكسب للوقت والذمم.
ومن ابرز الأعذار والممانعات التي تبديها بعض الأنظمة العربية لرفضها القبول أو التصديق على أكثر أو ابرز المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان بشكل عام هو تعارضها مع نصوص وأحكام دينية (إسلامية) معتمدة في ذالك البلد.
وهنا يحق لنا سؤال طالما تردد في الصدور وفشلت الأصوات الوطنية عن إعلانه إما خوفا من عقاب أو تجنبا لسوء ظن وهو هل منطلق هذا العذر أو الممانعة أساسه مبدئيا صادقا يهدف إلى حماية الدين وأتباعه أم هو مصلحة سياسية يتخذها النظام مستخدما مؤسساته الدينية وبعض الأصوات المتمرسة في هذا المجال لإسكات المطالبات ووضع العراقيل أمام الإصلاح وصد رياح التغيير رغبة وإصرارا في استمرار الهيمنة والسيطرة على مقدرات وحقوق الشعب؟ للإجابة على هذا السؤال لابد لنا من استعراض ولو بشكل مختصر لبعض ما ورد في المصنفات الفقهية والتاريخية وهي أكثر من أن تحصى لتثقيف أنفسنا ومعرفة الحقوق الواجبات ولنتمكن من تحديد معالم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وحقوق كل منهما على الآخر ومن ثم إنزالها على ارض الواقع لنصل إلى حقيقة ومطابقة الأقوال والتصريحات بالأعمال والوقائع.
ولو أن باحثا متخصصا أجرى دراسة فقهية وتاريخية في أوجه التقارب والاختلاف بين حقوق الإنسان بشكل عام والمسلم بشكل خاص في أحكام الدين الإسلامي وبين قواعد ومفاهيم حقوق الإنسان في المعايير والقوانين الدولية الحديثة لوجد أن التقارب بشكل عام كبير ومتأصل إلا في بعض المعايير الفرعية وهي قليلة لان الهدف لكلا المعيارين الإسلامي والمدني أو الوضعي الحديث هو الإنسان وكرامته.
ومشكلتنا في العالم العربي بشكل عام ليست في وجود القوانين أو المرجعيات الفقهية والأخلاقية الدافعة والمحرضة لاحترام حقوق الفرد في مجتمعاتنا بل المشكلة الرئيسة تكمن في عدم قناعة بعض الأنظمة العربية بأهمية وضرورة الأخذ بهذه المعايير سواء الأخلاقية أو الدينية وتطبيقها بشكل جازم وحازم، فهناك بعض الأنظمة العربية ليست جادة في هذه القضية ولم تحقق أي خطوات ملموسة في تحقيق العدالة الإنسانية في مجتمعاتها وهمها الأساس هو تحقيق الأمن للنظام الحاكم متمسكة بأسلوبها القديم في ممارسة الحكم بطريقة قبلية فيها السادة والعبيد والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هو العنف والإرهاب. مفهوم حقوق الإنسان الحق في اللغة هو الأمر الثابت الصحيح وجمعه حقوق وهو كل ما قام على العدل والإنصاف وعكسه الباطل وهو ما قام على الظلم والافتراء، وقد ورد في القران بعدة معاني وقد سمى الله نفسه بالحق ووصف كلامه بالحق.
وقد عرف مصطلح حقوق الإنسان بعدة أشكال تتفق في الغاية العامة و تختلف في الألفاظ والسياق بحسب منطلق التعريف أو البحث.
وقد عرف الدكتور احمد الرشيدي في كتابه "حقوق الإنسان دراسة مقارنة" بأنها مجموعة الاحتياجات أو المطالب التي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأشخاص، وفي أي مجتمع، دون أي تمييز بينهم سواء لاعتبارات الجنس أو النوع أو اللون أو العقيدة السياسية.
وقد قمت بتعريف حقوق الإنسان بأنها "كل ما صححه وأثبته الدين أو القانون للإنسان من مصالح وتصرفات و مادية أو فكرية أو معنوية بما لا يتعارض مع الثوابت الشرعية والمعايير الدولية المنصوص عليها."
وقد قسم القانونيون الحقوق إلى عدة أقسام نختار منها الإجمال التالي:
1- حقوق سياسية تتعلق بالممارسات والعلاقات الأفقية (حقوق المواطنين فيما بينهم) أو المتعلقة بالعلاقات الرأسية (حقوق المواطنين على الحاكم والعكس) وتشمل كل أشكال الممارسات والمشاركات السياسية للمواطنين بما فيها حرية الرأي والتعبير.
2- حقوق غير سياسية وتنقسم إلى قسمين عامة وخاصة:
أ‌- الحقوق العامة كحق الإنسان في التنقل والزواج والفكر.
ب‌- الحقوق الخاصة وتتعلق بالحقوق المالية والذهنية والأسرية.
وقد أكد التشريع الإسلامي على أهم ركائز حقوق الإنسان ألا وهي كرامة الإنسان وحث على احترامها وحفظها من النقص والعبث وقد تعامل الإسلام مع الإنسان على انه كائن مكرم على كثير من الخلق والكائنات وخصه بعدة تكاليف وحدد له حقوقه والزمه بواجبات تجاه خالقه وتجاه بقية المخلوقات لكي تستقيم التصرفات والمعاملات ويسير الكون بنظام محدد بحيث لا يطغى كائن على الآخر.
ولقد ورد التوجيه بحفظ كرامة الإنسان بشكل عام أو ما يطلق عليها:
1- الكرامة العامة: وتشمل كل البشر بصرف النظر عن جنسياتهم أو معتقداتهم أو ألوانهم وقد وردت بعدة إشارات في القران الكريم مثل ( يا بني ادم) أو الإنسان أو الناس ومثال ذلك قوله تعالى في سورة الحجرات( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) وقوله في سورة الإسراء (ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).
2- الكرامة الخاصة: كما أن هناك كرامة خاصة لليهود في كتبهم وكرامة خاصة للنصارى في كتبهم أيضا، جاء الإسلام بتوجيهات وإرشادات وأحكام يختص بها المسلمين ويتعاملون على أساسها فيما بينهم بشكل خاص ومع أتباع الدينات والشعوب الأخرى بشكل عام.
وما يهمنا هنا هو كرامة وحقوق الإنسان في البلاد العربية والإسلامية حيث الحاجة ماسة إلى قانون مكتوب يعرف المواطن من خلاله ماله وما عليه إضافة إلى انعدام الآلية الواضحة والفعالة التي تضمن للمواطن حقوقه من دون خوف من أمير أو مسئول امن. المساواة أمام الحق اهتم علماء السلف بتبيان وتحديد الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم على أساس العدل بين الناس والمساواة أمام الحق بلا محاباة لشريف أو أمير وقد ورد في الحديث النبوي تحذير من الظلم والجور في الأحكام بدافع المجاملة أو المحاباة لقريب أو صديق حيث قال عليه الصلاة والسلام (إنما اهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). حقوق الأمة على الحاكم في الإسلام 1- حفظ الضرورات الثلاث الدين والمال والنفس ووضع القوانين الدائمة والمنظمة لذلك والتقييد بها وإخضاع الجميع لها بلا تمييز.
2- تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود الشرعية بلا تمييز أو محاباة لشريف ولا استثناء لأمير.
3- الدفاع عن البلاد وإعداد القوة اللازمة من سلاح ورجال وتدعيمها بما يحفظ امن البلاد.
4- سد حاجة المستحقين والمحتاجين بالعدل و بما يحفظ لهم كرامتهم بدون تخصيص لقريب أو مسئول.
5- تولية العاملين على شؤون العامة وتصريف أمور الدولة من أهل الكفاية والأمانة بلا تمييز لقريب أو مجاملة لصديق. حقوق الحاكم على أمته إذا أدى الحاكم ما عليه لرعيته وقام بما يتوجب عليه اتجاه أمته فله حقان:
1- الطاعة في المعروف (ما لم يتغير حاله بجرح في عدالته أو نقص في عقله وإدراكه) وعدم الخروج عليه.
2- النصرة على الأعداء ومؤازرته في الشدائد.
(ولمن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليقرأ على سبيل المثال كتاب الأحكام السلطانية للمواردي أو السياسية الشرعية لابن تيمية). إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com