حكايات الإغتراب والعودة في 'الكويت في ذاكرة العُمانيين'

عبدالعزيز الصوري يوثق العلاقات بين بلدين العميقة والقائمة على وشائج إنسانية وثقافية، بدءاً من التواصل البحري ومروراً بموجات الهجرة في منتصف القرن العشرين بحثاً عن العمل والخدمات النوعية.

صدر حديثاً في الكويت، كتاب " الكويت في ذاكرة العُمانيين... حكايات الإغتراب والعودة"، لمؤلفه عبدالعزيز الصوري.

يُسلّط الكتاب الضوء على واحدة من حلقة مضيئة في التاريخ الخليجي والعربي، وهي العلاقات الكويتية العُمانية التي لم تقم 0 بحسب المؤلف - على أبعاد جغرافية أو مصالح ظرفية، بل تأسست على وشائج إنسانية وثقافية عميقة.  

وتتناول فصول وصفحات الكتاب، فترة البدايات الأولى للتواصل بين العُمانيين والكويتيين عبر البحر والتجارة، مروراً بموجات الهجرة في منتصف القرن العشرين، وصولا إلى عودة العُمانيين إلى وطنهم ليسهموا في النهضة الحديثة، لتتجلى هذه العلاقة في صورة ناصعة من التكامل والتبادل الخلاق.

ويوثّق الكتاب الدور الذي قامت به الكويت في محيطها الخليجي والعربي، ويستحضر صورة احتضان الكويتيين لأشقائهم من أهل عُمان.

الكتاب الذي توزّعت موضوعات على عشرة فصول، حمل عناوين عديدة تدور جميعها في فلك إقامة العُمانيين في الكويت، والعلاقات العُمانية الكويتية منها: "دوافع هجرة العمانيين إلى الكويت منتصف القرن الماضي"، و "ثورة زنجباري ونزوح العمانيين إلى الكويت"، وأعمال العمانيين في الكويت، مثل "العمل في المجال البحري وصناعة السفن"، و "حياة العمانيين في الكويت.. وتجماتهم ومساكنهم"، و"مشاهد من تكافل العمانيين في الغربة"، و"الطقوس والعادات العمانية حاضرة في الغربة"، كما يدوّن الكتاب "شهادات عمانيين عن تواضع الأسرة الحاكمة في الكويت".

ويؤكد المؤلف عبدالعزيز الصوري في مقدمة كتابه على أن العلاقات الكويتية العمانية ستظل نموذجا حياً للتواصل العربي والخليجي، إذ نشأت تلك العلاقات على أسس متينة من الأخوة والتعاون والمصالح المشتركة.

ويرى "الصوري" أن استحضار الكتاب لهذه التجربة ليس مجرد قراءة للماضي، بل هو أيضًا دعوة للتأمل في دروسه والتأكيد على أن العلاقات بين الكويت وعمان تحمل من العمق والصدق ما يجعلها نموذجًا يحتذى في العمل الخليجي المشترك، وتُبشّر بمستقبل يحمل المزيد من التكامل والتعاون بما يزيد استقرار المنطقة وازدهارها.

ونتعرف من الكتاب على أن منتصف القرن العشرين شهد حركة هجرة ملحوظة من العُمانيين إلى دولة الكويت، خاصة في خمسينيات وستيتيات القرن الماضي، وذلك نتيجة للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الكثيرين إلى البحث عن فرص أفضل للعيش والعمل، وكانت الكويت في تلك الفترة وجهة مفضلة للعُمانيين لما تميزت به من استقرار سياسي وانفتاح اجتماعي واقتصادي، خصوصا بعد اكتشاف النفط، وما تبعه من طفرة تنموية واسعة خلقت حاجة ماسة للأيدي العاملة وأسهمت في استقطاب أبناء المنطقة.

ويدلنا الكتاب على أن الكويت لم تكن مجرد محطة عمل للعُمانيين فحسب، بل شكلت بيئة جاذبة  يفضل ما وفرته من خدمات نوعية لمواطنيها والمقيمين على أرضها، من تعليم مجاني ورعاية صحية متطورة وخدمات اجتماعية متكاملة، ما عزز من استقرار الوافدين وفتح أمامهم أبواب الارتقاء العلمي والمهني،  وأن العُمانيين تأثروا بالبيئة الثقافية والفكرية التي عرفتها الكويت انذاك فاطلعوا على أجواء الانفتاح الثقافي والفني، وشاركوا في مجالات العمل والتعليم، واكتسبوا خيرات ومعارف أصبحت فيما بعد زادا ثمينا لهم عند عودتهم إلى وطنهم.

ويرصد الكتاب عودة العُمانيين الذين اقاموا في الكويت إلى وطنهم عندما تولى السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عام 1970، حيث بدأت مسيرة النهضة العمانية الحديثة ليساهموا في بناء دولتهم الجديدة.

ويُبيّن الكتاب أن هؤلاء العائدين من الكويت  كان لهم دور بارز في تأسيس المؤسسات العمانية المدنية والعسكرية، كما شاركوا بفاعلية في مجالات الثقافة والفنون والإعلام والرياضة، مستفيدين من خبراتهم وتجاربهم التي اكتسبوها خلال إقامتهم في الكويت، وأن هذا التفاعل العماني - الكويتي في تلك المرحلة شكّل رافداً مُهماً لنهضة عُمان، ورسّخ في الوقت ذاته روابط الإخاء والتعاون بين الشعبين الشقيقين.

يُذكر أن مؤف الكتاب عبدالعزيز الصوري، هو كاتب وإعلامي كويتي، نال درجتي البكالريوس والماجستير في الآداب والصحافة من إحدى الجامعات الأيرلندية في دبلن، عمل بالمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب، وانضم لأسرة تحرير مجلة العربي.