حكم سجن ماريا معلوف يعيد رسم حدود 'التطبيع' في لبنان
بيروت - يعيش لبنان على وقع تداخل حاد بين تعقيداته السياسية الداخلية والتحولات التكنولوجية العاصفة التي فرضتها العولمة، وهو ما وضع القوانين السيادية التاريخية أمام اختبار غير مسبوق. وفي قلب هذا المشهد، تبرز قضية الإعلامية اللبنانية ماريا معلوف كنموذج صارخ لكيفية تحوّل المنصات الرقمية والشاشات العابرة للحدود إلى ساحة للمواجهة القضائية والسياسية؛ مواجهة تعيد رسم الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمعارضة السياسية من جهة، ومفهوم "العمالة والتطبيع" والأمن القومي من جهة أخرى.
من التغريدة إلى الشاشة العبرية
لم يكن الحكم العسكري الصادر بحق الإعلامية ماريا معلوف وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمسار من المواقف الحادة التي اشتبكت مباشرة مع الثوابت القانونية والسياسية في لبنان. عُرفت معلوف بمعارضتها الشرسة لحزب الله والسياسات الإيرانية، لكن نقطة التحول الكبرى بدأت عام 2017 عبر تدوينة على منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، تساءلت فيها مستنكرة عن سبب امتناع إسرائيل عن استهداف أمين عام حزب الله آنذاك، حسن نصر الله، وهو ما اعتبره الادعاء العام اللبناني تحريضاً علنياً لعدو رسمي على اغتيال شخصية لبنانية، وإثارة للنعرات المذهبية.
تفاقمت الأزمة بشكل حاسم أواخر عام 2021، عندما أطلت معلوف في مقابلة مرئية عبر شاشة قناة "كان" الرسمية الإسرائيلية. وفي تلك المقابلة، دافعت عن خطوتها باعتبارها "انفتاحاً" لا عمالة، مصرحة بأن "إسرائيل لم تعد عدوة للبنان"، وموجهة انتقادات لاذعة لحزب الله بدعوى اختطافه للدولة اللبنانية. هذا الظهور العلني شكل خرقاً مباشراً للقوانين اللبنانية، ودفع النيابة العامة العسكرية إلى التحرك بناءً على شكاوى من حقوقيين وأسرى محررين، لتواجه اتهامات ثقيلة تتعلق بالتواصل مع العدو وإضعاف الشعور القومي. وبسبب إقامتها خارج البلاد، أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت حكماً غيابياً مشدداً بحقها يقضي بالسجن لمدة 15 عاماً مع الأشغال الشاقة وتجريدها من حقوقها المدنية.
التشريع التاريخي وتحديات العصر الرقمي
تفتح هذه القضية، وما رافقها من ظواهر، نقاشا قانونيا وثقافيا عميقاً في الداخل اللبناني حول مستويات التفاعل في الفضاء الرقمي والسياسي:
المرجعية القانونية والتشريع الصارم:
ستند القضاء اللبناني في ملاحقاته إلى قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، والذي يُجرّم بشكل قاطع أي اتصال مباشر أو غير مباشر، أو تعامل تجاري ومالي مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل. وتتسم الأحكام القضائية للمخالفين بالصرامة؛ إذ تتراوح العقوبة بين 3 و10 سنوات للأشغال الشاقة المؤقتة، وتصل إلى 15 عاماً في المحاكم العسكرية تحت بند "الاتصال بالعدو" أو "التحريض".
التحدي الرقمي والمواجهة الافتراضية:
رضت منصات التواصل الاجتماعي، مثل "إكس" وإنستغرام، تحدياً واقعياً جديداً تجسد خلال المواجهات العسكرية؛ حيث قام بعض المؤثرين والفنانين اللبنانيين — مثل الفنانة نادين الراسي — بنشر مقاطع فيديو أو تدوينات تتوجه بالحديث مباشرة إلى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي للاعتراض على إنذارات الإخلاء. هذا التفاعل، وإن كان بغرض الاحتجاج، دفع وزارة الإعلام اللبنانية إلى إصدار بيانات تحذيرية عاجلة ومشددة تمنع منعاً باتاً أي تفاعل رقمي مع حسابات المتحدثين الإسرائيليين مهما كانت الذرائع، معتبرة ذلك خرقاً واضحاً للقوانين يعرض صاحبه للمساءلة.
الانقسام بين "التطبيع الناعم" و"القمع السياسي":
رى قطاع واسع من المجتمع والسياسيين أن أي ظهور للبنانيين على شاشات عبرية أو نقاش مع مسؤوليها يصب في خانة "التطبيع الإعلامي النّاعم" واختراق الوعي القومي، مطالبين بتفعيل ملاحقة مكتب المقاطعة بوزارة الاقتصاد. وفي المقابل، يعتبر بعض الصحفيين والمحللين أن قوانين المقاطعة تخطتها التكنولوجيا والتعولمة، ويرون أن التضييق تحت مسمى "مكافحة التطبيع" يُستغل أحياناً كأداة سياسية لقمع المعارضين الذين يبدون مواقف مناهضة للمحور العسكري السائد في البلاد.
الضغوط الدبلوماسية وأجندات السلام:
تتزامن هذه الإجراءات الصارمة داخلياً مع محادثات السلام والترتيبات الأمنية برعاية أميركية. وتُشير التقارير الدبلوماسية إلى وجود ضغوط تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على الوفد اللبناني المفاوض لإلغاء أو تعديل بنود قانون المقاطعة لعام 1955 لتسهيل آليات التواصل المستقبلي، وهو ما يواجه برفض داخلي شديد من حزب الله وأنصاره الذين يمسكون بالملف من زاوية عقائدية وأمنية.
بين مؤيد لمعاقبة "التطبيع" ومندد بـ"التسييس"
أحدث الحكم الغيابي الصادر عن المحكمة العسكرية بسجن الإعلامية ماريا معلوف هزّة في الأوساط الإعلامية والسياسية، مسبباً انقساماً حاداً وجدلاً واسعاً تفجّر على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض؛ حيث تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة اشتباك سياسي وإيديولوجي عابر للحدود يعكس عمق الانقسام في الشارع اللبناني والعربي تجاه قضايا الأمن القومي وحرية التعبير.
المدافعون عن الحكم والمطالبون بالمحاسبة
وقد تمثلت الجبهة الأولى في المدافعين عن الحكم والمطالبين بالمحاسبة الجنائية، والذين ينتمون في الغالب إلى البيئة السياسية والإعلامية المقربة من محور المقاومة وحزب الله وحركة أمل، بالإضافة إلى ناشطين حقوقيين؛ حيث اعتبر هذا التيار أن الحكم يمثل انتصاراً صارخاً للقانون اللبناني وحماية ضرورية للأمن القومي ضد ما وصفوه بـ "العمالة العلنية". وركزت تدويناتهم على أن خطوة معلوف بالظهور على شاشة إسرائيلية والدفاع عن الكيان لم تكن يوماً "وجهة نظر" أو مجرد "حرية تعبير"، بل هي خيانة موصوفة تسقط معها أي حصانة إعلامية، مؤكدين أن العمالة ليست انفتاحاً والظهور على شاشات العدو يعد طعنة في ظهر الشهداء والجرحى. ومن الناحية القانونية، شدد حقوقيون ومحامون مؤيدون على أن الحكم تطبيق سليم ومتأخر لنصوص قانون مقاطعة إسرائيل الصارم، وأن العقوبة يفرضها الواجب الوطني لحماية المجتمع من "التطبيع الناعم" واختراق الوعي الجماعي.
جبهة المعارضين للحكم والمنددين بالقضاء العسكري
وفي المقابل، شكل المعارضون للحكم والمنددون بالقضاء العسكري جبهة مضادة شنت هجوماً لاذعاً على القرار وخلفياته، وضمت سياسيين وإعلاميين من المعارضة اللبنانية والتيارات السيادية المناهضة لحزب الله والنفوذ الإيراني؛ إذ اعتبروا المحكمة العسكرية أداة طيعة لتصفية الحسابات السياسية، مستنكرين سرعة تحرك القضاء العسكري لمعاقبة الإعلاميين على آرائهم السياسية، في حين يقف عاجزاً أو متجاهلاً أمام ملفات وطنية كبرى كقضايا الاغتيالات وتفجير مِرفأ بيروت. وتضامناً مع هذا الطرح، رأت جمعيات حقوقية مستقلة ومنظمات تدافع عن حرية الصحافة، مثل مركز "سكايز" لحريات الإعلام والثقافة، أن محاكمة المدنيين والإعلاميين أمام القضاء العسكري تمثل انتهاكاً صارخاً للدستور والقوانين الدولية، معربين عن مخاوفهم الجدية من استغلال شعار "مكافحة التطبيع" كفزاعة وقناع لقمع معارضي المحور العسكري السائد وتدجين الأفواه الحرة.
أما على صعيد ردود الفعل المباشرة، فقد اختارت ماريا معلوف عدم التراجع أو الانكفاء أمام الحكم، بل خاضت مواجهة رقمية عبر حسابها على منصة "إكس"، حيث أعادت نشر رسائل التضامن معها وهاجمت المنظومة القضائية اللبنانية، واصفة الحكم بأنه صادر عن محكمة تابعة لحزب الله، ومؤكدة أن مواقفها نابعة من قناعة بنشر السلام والانفتاح في المنطقة ضمن مناخ "اتفاقيات إبراهام"، وأنها لا تعترف بشرعية محاكمات تعاقب على الرأي السياسي وتحمي في المقابل السلاح غير الشرعي.
تحوّلت قضية ماريا معلوف والجدل القانوني المثار حول فضاء الإنترنت إلى مرآة تعكس أزمة الهوية والسيادة في لبنان المعاصر. وبينما يقف القانون التاريخي لعام 1955 سداً منيعاً في وجه أي اختراق تقوده الأدوات الرقمية الحديثة أو تفرضه ضغوط المفاوضات الدولية، يبقى التحدي الحقيقي كامناً في قدرة الدولة اللبنانية على التمييز بدقة بين صيانة أمنها القومي ضد التطبيع، وبين حماية التعددية السياسية وحرية التعبير داخل مجتمع يعيش على فوهة انقسامات إقليمية ومحلية لا تهدأ.