حكومة العدالة والتنمية وأيديولوجية التضليل

الحقائق ضاقت بسبب تلك الأيديولوجية التي اختلقها النظام الحاكم ولم يعد في إمكان المرء أن يدرك وجود الصراع بين الثراء الفاحش لدى البعض والجوع المؤلم لدى البعض الآخر. ليس هذا فحسب بل رسخ في يقين المواطنين، أو هكذا بدا لهم أن الفقير صار فقيرا لأنه كان عاثر الحظ.

بقلم: علي رضا كلنج

يُخطئ كل من يعتقد أن العاصفة الرملية في طريقها إلى السكون. لأن الأمور كانت، على العكس مما يتمنى الجميع، تزداد غموضاً وتعقيداً. لايزال المواطن التركي يئنّ تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، ويشعر بآثارها بداية من الخبز الذي يأكله وصولا إلى الجوارب التي يرتديها. ومن ناحية أخرى، لا يزال الصحفيون والمثقفون والكُتَّاب والأكاديميون وغيرهم ممن رفضوا الخضوع يتعرَّضون للتهديد والترويع، أو يُزجّ بهم في غياهب السجن. ومن الغريب أن نرى رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، بعد كل هذا، يخرج علينا ليقول إننا نعيش في دولة الحريات؛ حيث يمكن للجميع التحدث بحرية دونما أي محاذير، أو مصادرة على رأي أحد! ورأيناه أيضا، وهو يتغنّى بالحرية المزعومة ويقول إن قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن صلاح الدين دميرطاش غير ملزم لنا ليُحمِّل تركيا بذلك المسؤولية السياسية لتعسفه في مجال القضاء والقانون.

صار المواطن التركي، في خضم هذا التضليل، تائهاً لا يعرف أين الحقيقة. ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد بل تحوَّل إلى ظاهرة خلقت الضغينة والكراهية بين طبقات المجتمع المختلفة. وعلى الجانب الآخر، التزمت الدول الأوروبية، بآلتها الإعلامية، الصمت على الرغم من علمها بما يجري في تركيا؛ لأن لغة المصالح كانت هي الحاكمة دائما.

كانت حملة تغييب الوعي التي تديرها الحكومة التركية الحالية من القوة بحيث أثّرت في وسائل الإعلام المؤيدة لها، وأبعدتها، في تناولها للمعلومة عن المعايير الأخلاقية، حتى إن تحرَّت بعضاً من هذه المعايير فسوف يكون في بعض الموضوعات التي لا تمت بصلة بالسلطة الحاكمة. رأينا هذا واضحاً بعد زيارة أردوغان لبرلين عندما غيَّرت مجموعة من كبار الصحف التركية موقفها تماما تجاه ألمانيا؛ فتحولت مقالاتها كُليةً من الانتقاد الحادّ إلى ما يشبه النسيم العليل.

والواقع أن هذا السلوك إنما ينسجم مع فكرة النفعية التي اعتدنا عليها خلال مراحل التاريخ المختلفة. لقد اتخذت السلطة الحاكمة اليوم نهجاً استندت فيه إلى بعض المبادئ التي تصبّ في النهاية لصالح تحقيق أهدافها فقط.

هذا أمر تكرر في نماذج مختلفة عبر التاريخ؛ حيث اعتادت الحكومات على وضع قيمها الخاصة التي تتوافق بالضرورة مع ما تراه ضرورياً لإحكام قبضتها على البلد الذي تحكمه. وفي تركيا وجدنا أن حزب العدالة والتنمية الحاكم قد تستّر، في حكمه، خلف الدين والخطب الدينية الرنّانة واتخذ منها شعاراً له. لم يتردد النظام الحالي، للحظة واحدة، عن استغلال الدين في أي منعطفٍ تاريخي صعب مرت به حكومته. واستطاع أن يخلق هوية أيدولوجية وثقافية خاصة به لتلائم الزمان والمكان الذي يحكم فيه. وكان الأكراد هم الفئة التي عانت بشكل أكبر من هذه الأيديولوجية بعد أن سقط منهم مئات المدنيين نتيجة العمليات العسكرية التي تتعرَّض لها مدنهم وقراهم. وجاء بعدها التدخل العسكري في مدينة عفرين داخل الأراضي السورية، وكان من الطبيعي أن تقوم الآلة الإعلامية، هذه المرة أيضاً، باختلاق الأسباب الأخلاقية التي برّرت هذا العدوان، لهذا لم ينبث أحد ببنت شفة عندما كان النظام الحالي يُنكِّل بأي شخص يعارض تلك الأيديولوجية، أو القيم الأخلاقية الخاصة بها التي تقتضي وضع المعارضين لها تحت الرقابة الشديدة، أو التحقيق معهم، أو حتى الزجّ بهم في السجون. ومن ناحيته لم يتعدّ الموقف الأوروبي مجرد الإعراب عن القلق إزاء السلوك التركي في سوريا؛ لأن لغة المصالح المشتركة كانت هي الحاكمة من جديد؛ لذا غضَّت دول أوروبا الطرف عن هذه الأيديولوجية المشينة.

في السياق نفسه، لجأ الحكام إلى بسط سيطرتهم وهيمنتهم بوضع ما يبغون في شكل قوانين، أو فرمانات مكتوبة، كانوا هم من أشرفوا على وضعها. وبذلك صار أولو الأمر في العالم الحديث مثل الآلهة التي نأت بنفسها عن عابديها. وأصبح هناك من يعمل بالنيابة عن هذه الآلهة مقابل أجور عالية للغاية.

من هنا كان المأجورون في العالم الحديث في مواجهة مستمرة في كل يوم وكل دقيقة مع العدو الذي يرون أنه يُلحق الضرر بهذا العالم الخاص بهم، ولم يكن من قبيل المصادفة أن نسمع تصريحات في هذا الإطار لأناسٍ يدورون في نفس الفلك.  ولعل نائب رئيس جامعة صباح الدين زاعم البروفيسور "بولنت أري" هو من هذا الصِنف من الناس. 

كان تصريح "أري" في أحد البرامج التلفزيونية بأنه يثق بشكل أكبر في الشعب الجاهل، الذي لا يقرأ، انعكاسًا آخر على التوجه العام لدى الدولة تحت حكم حزب العدالة والتنمية الذي يؤمن بضرورة إخضاع عملية انتاج المعلومات وتداولها لرقابة صارمة، ولن يمكنه تحقيق هذا إلا عبر التلاعب بالإعلام في تركيا.

يكفي أن تذهب إلى أي محل لبيع الكتب لتعرف ما هو الحل لهذه المشكلة؛ ستصطدم بالحقيقة إذا ذهبت إلى أي مكتبة عادية للغاية في برلين، سترى هناك الكثير من الإعلانات واللافتات المُبهرة التي تُنوِّه بالكتب الأكثر مبيعًا، وستجد هذه الكتب، وقد تراصت على الأرفف، وهذا شيء نراه في تركيا أيضا. ولكن الفارق بين الاثنين في أن النتاج الثقافي الفردي في أوروبا الذي يمكن تصنيفه تحت اسم "حرية الفرد، أو الفكر الحر" نراه مجسدا في الحياة اليومية هناك أيضاً. أما هنا، فيتم تحويل وسائل الإعلام الاجتماعية، التي أصبحت بالفعل مصدراً لإنتاج الفردية والأنانية، إلى آلية جديدة للاستغلال تتخطى هدف المعرفة.

في السياق نفسه، يتعرض جيل الشباب إلى هذا النوع من الاستغلال أيضاً في العديد من قطاعات الخدمات، لا سيما في فن الطهي ووسائل التواصل الاجتماعي واللغة والقطاعات الفنية الأخرى، التي يتم إنشاؤها في المشاريع الكبيرة والصغيرة، والمشاريع التي يطلق عليها اسم "المهن الحرة".

لقد ضاعت الحقائق بسبب تلك الأيديولوجية الحمقاء التي اختلقها النظام الحاكم، ولم يعد في إمكان المرء أن يدرك وجود الصراع بين الثراء الفاحش لدى البعض والجوع المؤلم لدى البعض الآخر. ليس هذا فحسب بل رسخ في يقين المواطنين، أو هكذا بدا لهم، أن الفقير صار فقيرا لأنه كان عاثر الحظ، لا خير فيه، متردداً، غير كفء، أمّا الغني فهو شخص محظوظ، وموهوب كما لو أنه لا يوجد ثمة علاقة بين تضخم ثروة شخص ما وفقر شخص آخر في هذا العالم الزائف الذي نعيش فيه.

نشر في أحوال تركية