حكومة يوسف الشاهد أمام الاختبار

عندما يلتئم اليوم جمع أعضاء البرلمان في باردو للتصويت على حكومة يوسف الشاهد الثانية قبل أن تبدأ مهامها في مواجهة استحقاقات المرحلة القادمة فان الأرجح وحسب أغلب المتتبعين والملاحظين الذين يواكبون المشهد السياسي في تونس هو أن تحظى حكومة الشاهد بالثقة. قد يسبق التصويت حالة غليان غير مسبوقة من مختلف الأحزاب الائتلافية سواء المؤيدة أو المعارضة لحكومة يوسف الشاهد وستشهد قاعة البرلمان حالة من الاحتقان ربما لم تشهدها من قبل على مدى السنوات التي تلت الثورة. ولكن لغة الأرقام والحسابات السياسية ولعبة المصالح بين أكبر الأحزاب المتحكمة في الخارطة السياسية منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2014 وهي النهضة والنداء، تبدو على توافق تام بشأن حصول حكومة الشاهد الثانية على الثقة الأخيرة وضمان حصول كل من الوزراء المعينين الـ 109 صوتا المطلوبة لتولي الحقيبة الوزارية التي تنتظره. وبحسب البيان الصادر عن حركة النهضة وتصريحات زعيمها راشد الغنوشي فان الموقف يتجه الى منح حكومة الشاهد الثقة دون تحفظ والامر ذاته مع حركة المشروع المنفصلة عن نداء تونس وبقية الأحزاب الموقعة على وثيقة قرطاج باستثناء الوطني الحر الذي انسلخ عن وثيقة قرطاج وأعلن بالأمس نيته عدم التصويت على منح حكومة الشاهد الثقة. و يذلك سيكون الوطني الحر الى جانب الجبهة الشعبية والحراك في صفوف الأحزاب المعارضة التي لا يمكن أن تقف دون حصول حكومة الشاهد بعد التحوير الواسع الذي شمل أربعة عشر وزيرا وسبعة كتاب دولة على ورقة العبور الى السلطة.

على أن الأكيد أيضا أن خلف الهدوء الغريب والرضاء المعلن لحركة النهضة لتركيبة الحكومة الجديدة التي سجلت عودة قوية لاربعة وزراء على الأقل من وزراء بن علي. والامرلا يتعلق بالوزير عبدالكريم الزبيدي الذي سبق له تحمل الحقيبة ذاتها في عهد الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي قبل الانسحاب بعد أزمة غزوة السفارة الاميركية لكن يتعلق كذلك برضا شلغوم وزير المالية ومبروك كورشيد وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية وحاتم بن سالم وزير التربية الذي تسلم الخطة ذاتها في حكم بن علي. وربما كان تعيين هذا الأخير في وقت سابق سيثير معارضة شرسة كما حدث مع حكومتي محمد الغنوشي الأولى والثانية ثم مع الحبيب الصيد لاحقا.

فهل كان لتصريحات الرئيس الباجي قائد السبسبي في حديث المطول لصحيفة الصحافة وانتقاداته اللاذعة لحركة النهضة الى حد الاعتراف بسوء تقدير مدى استعداد الحركة لتكون حزبا مدنيا دوره في تهيئة الأرضية لضمان دعم حركة النهضة لحكومة الشاهد الثانية؟

والأرجح أن الرئيس الباجي قائد السبسي اختار أن يستبق الحديث الذي يمكن اعتباره الأهم منذ دخوله قصر قرطاج وبعد خطابه في عيد المرأة في 13 أوت أغسطس الماضي الذي دعا فيه الى احداث لجنة لاعادة النظر في مسألة المساواة في الإرث والغاء المنشور 73 المتعلق بزواج التونسية من غير المسلم وهو الخطاب الذي سجل غياب زعيم حركة النهضة عن مواكبة احتفاليات قرطاج بعيد المرأة. ولم تسجل حركة النهضة موقفا صريحا إزاء ما أعلنه الرئيس التونسي رغم الجدل الذي أثارته تلك التصريحات في تونس وفي العالم العربي والإسلامي بما في ذلك الازهر.

ثم جاء الإعلان عن التحوير الوزاري الأربعاء الماضي والذي تعاملت معه النهضة أيضا بكثير من الهدوء على الأقل ظاهريا ولم يصدر عن صقور النهضة مواقف تنم عن رفض قطعي أو معارضة قطعية أو حتى مشروطة لعودة رموز النظام السابق الى المواقع ذاتها التي سبق لها تقلدها.

وبالعودة الى التحوير الذي أقدم عليه يوسف الشاهد والذي استوجب نحو أربعة أشهر من المحادثات والمفاوضات والحسابات منها ما تسرب للرأي العام ومنها ما لم يسرب وسيتضح أن الشاهد كان طوال هذه المرحلة كمن يتدرب على المشي على البيض بين محاولات إرضاء نداء تونس والنهضة والائتلاف الحاكم والنقابات المهنية سواء الاتحاد أو منظمة الأعراف. وقد حافظت الحركة تقريبا على مواقعها في الحكومة الجديدة مع تغيير المقرات الوزارية دون تغيير في الأسماء حيث وستسجل بقاء كل من زياد العذاري وعماد الحمروني اللذين سيغيران المواقع فحسب. وفي الوقت ذاته سيسجل نداء تونس الفائز في الانتخابات التشريعية والرئاسية 2014 مواقعه ويفرض بذلك مطالب رئيسه التنفيذي حافظ قايد السبسي ابن رئيس الجمهورية.

من الغباء الاعتقاد أن الشاهد توصل الى التحوير بدون السبسي

وسيكون أيضا من الغباء الاعتقاد أن يوسف الشاهد كان سينجح في المهمة بدون دعم رئيس الدولة الباجي قائد السبسي الذي تبدو بصماته بوضوح على تشكيلة الحكومة الجديدة لا فيما يتعلق بوزارات السيادة فحسب ولكن بأكثر من ذلك. ولان السياسة تظل لعبة المصالح فانها لا تخضع للصدفة. ولا شك أن في استباق الباجي قائد السبسي الإعلان عن التحوير الوزاري بالحديث المطول الذي تعرض فيها لعدد من القضايا الساخنة في علاقة بمستقبل النظام السياسي الذي وصفه بالشاذ ولكن أيضا في وصفه بالعلاقة مع حركة النهضة الحليف الاستراتيجي في الحكم منذ 2014 والذي سيسجل معه سقوط الشعار الانتخابي الذي رفعه الباجي بأن النهضة والنداء خطان متوازيان لا يلتقيان. قايد السبسي دعا صراحة في الحديث الى تقييم المنظومة الدستورية الحالية وتدارك نقائصها وتجاوز المطبات التي تضمنها الدستور. وهو ما اعتبره البعض دعوة صريحة للاستفتاء بشأن النظام السياسي وقال قايد السبسي في ذلك ردا على سؤال حول ما اذا كان يرغب في تعديل الدستور "لست أنا مَنْ يقول ذلك، الجميع يؤكّد أنّ النظام السياسي المنبثق عن الدستور الحالي يشكو هنّات عدّة وهو نظام شَلَّ العمل الحكومي أو يكاد وطابعه الهجين لا يساعد الحكومة ـ أيّ حكومة ـ والسّلطة التنفيذية عموما على القيام بواجباتها في تسيير الدولة وتحقيق التنمية في اطار مجتمع ديمقراطي تتحقّق فيه قيم الحريّة والكرامة".

هل تصمد حكومة يوسف الشاهد حتى موعد الانتخابات القادمة؟

وحدها الاحداث القادمة يمكن أن تجيب عن هذا السؤال وقد استبق قائد السبسي الامر بالقول "انها الفرصة الأخيرة ". قائد السبسي أعتبر أن التحوير الوزاري القادم هو فرصة الأمل الأخير مِنْ أجل وضع الأمور في نصابها والابتعاد عن السلوك المغامر وهو ما يستوجب في نظره تشكيل حكومة تمتلك القدرة على الحركة ومسنودة مِنْ أغلب الطّيف السّياسي. قايد السبسي أرجع التحالف مع النهضة الى افتقار لأحزاب التي كانت تصنّف مدنية للوعي السياسي بدقّة المرحلة والتقاط الفرصة من أجل سدّ الطريق أمام مَنْ كان يسعى على الدوام الى شَكْلٍ مِنْ أشكال الرِدّة المجتمعية. وخلص الى أن النهضة قبلت التحالف ولكن ليس بشروطها. وأعترف السبسي بالخطأ في تقييم تصنيف انضمام النهضة الى خانة المدنية.وهو أيضا ما قرأه الكثيرون على أنه بداية نهاية التوافق بين شيخ العلمانيين وشيخ الإسلاميين. وهو ما تصر حركة النهضة على التقليل من شأنه اذ حرصت الحركة على اعلان تأييدها لحكومة الشاهد وللتحوير الوزاري كما أعلنت أن المصالحة الوطنية ستجد طريقها الى الحل. الأكيد أنه عندما يهدأ صخب الجلسة البرلمانية الاستثنائية ستبقى الملفات العالقة وهي كثيرة ومعقدة ولا تفيد معها الثرثرة. وبين الازمات الاقتصادية وتفاقم الديون وضغوط المؤسسات المالية وتراجع قيم العمل وجمود الإنتاج تطل ميزانية 2018 مذكرة بثقل النفقات وغياب ثمار الإصلاحات كل ذلك فضلا عن مختلف استحقاقات المرحلة والاستعدادات للعودة المدرسية ومطالب الاف العاطلين. وطبعا ستكون الانتخابات البلدية واحدة من أعقد الملفات وأكثرها حساسية وكما أن تأجيل الانتخابات سيكون إشارة سلبية للديموقراطية فان تنظيمها أيضا يعد اختبارا صعبا في ظل عدم توفر المناخ المطلوب من قوانين تنظم الانتخابات البلدية وسد للشغورات.

بقي في كل ذلك أيضا مسألة مهمة تتعلق باحتمال دخول حافظ قابد السبسي المدير التنفيذي للنداء مجلس النواب ممثلا للتونسيين المقيمين في ألمانيا بعد التحاق عن النائب المنتخب دائرة ألمانيا للحكومة. مرة أخرى ليست الصدفة المسؤولة عن هذا الامر الذي اذا تحقق معه لابن الرئيس ما يتطلع اليه من اتساع لنفوذه وسلطاته في المشهد السياسي فانه سيكرس لدى التونسيين القناعة بشأن عودة التوريث الى تونس. وهو أيضا ما سيكون النداء في حاجة كبيرة فيه لدعم حركة النهضة. فقد بدأ زعيم الحركة يدرك عمق التحولات الإقليمية والدولية مع تراجع دور حركات الاسلام السياسي التي بدأ يضيق الخناق من حولها في أغلب دول الربيع العربي. وربما يكون لخطاب الرئيس ترامب في الذكرى السنوية لهجمات 11 سبتمبر وإصرار الإدارة الاميركية على إعادة تصنيف الجماعات المتطرفة كجماعات إرهابية ما أقنع ربما زعيم حركة النهضة بتوخي البراغماتية والانحناء أمام العاصفة تجنبا لمزيد الصفعات وهو ما قد يجيب أيضا على المواقف الجديدة للرئيس الباجي قائد السبسي إزاء حركة النهضة.

على أنه سيكون من السابق لاوانه الحديث عن تحول في المشهد السياسي التونسي قبل أن تعترف الأحزاب المدنية الحداثية بحجمها في المشهد وتدرك أنه لا مجال لقلب المعادلة بدون توحيد الصفوف والتخلي عن حسابات الزعامة المفرطة والحسابات الضيقة وعقلية الغنيمة التي فتكت بها. وعدا ذلك سيظل النداء والنهضة يتصدران المشهد فيما ستبقى بقية الأحزاب تسبح في فلكهما.