حليمة مظفر تؤكد أن السينما السعودية قادمة كمنافس عربي ودولي

الفنانة السعودية: نحن مجتمع ثري جدا بسيدات وفتيات مبدعات على مختلف المستويات وفي مجالات متنوعة.


رسالة الماجستير الخاصة بحليمة مظفر كانت أولى الدراسات الأكاديمية التي تمت مناقشتها في المسرح السعودي على مستوى الجامعات السعودية


الثقافة وآدابها وفنونها ذات دور اقتصادي في رؤية 2030 السعودية

تتمتع الناقدة والإعلامية حليمة مظفر بحضور فاعل ومتميز داخل المشهد السعودي خاصة والخليجي عامة، حيث لا ينصب اهتمامها بالنقد المسرحي فقط، فهي تهتم بالكتابة الصحفية والمجال الإعلامي والتأليف الأدبي، وتقدم رؤاها وأفكارها وقراءاتها بعمق ووعي شديدين بتجليات المشهد الثقافي عامة والمشهدين المسرحي والتشكيلي والأدبي خاصة، وتشارك في العديد من الفعاليات الثقافية المحلية والدولية، فضلا عن اختيارها لتولي مسئوليات في هذه الفعاليات، وعضويتها في أكثر من ملتقى ثقافي وجائزة نسوية سعودية. وقد كانت دراستها حول المسرح السعودي أول دراسة أكاديمية متخصصة تؤرخ وتتبع تطورات هذا المسرح.
لمظفر ثلاث مجموعات شعرية "عندما يبكي القمر"، "هذيان"، و"حبة عنب"، وكتاب نقدي "المسرح السعودي.. بين البناء والتوجس"، وكتابان أدبيان "ما وراء الوجوه" كتاب من جزأين، و"رجال منقبون.. نساء سافرات". 
وتعمل مظفر الآن مُديرة إدارة الفنون الجميلة في وكالة وزارة الإعلام للشؤون الثقافية، وفي هذا الحوار معها تضيء الكثير من تجليات المشهد السعودي الحالي والمستقبلي الذي تأمله.
انطلاقا من مشروعها النقدي الذي رصدتْ من خلاله التجربة المسرحية السعودية وتطوراتها، قالت مظفر "اشتغالي كان على مفهوم نظرية الدراما في نطاقها الكلي وتتبعها تاريخيا منذ المسرح الإغريقي وحتى المسرح الحديث بمختلف المدارس الفكرية؛ ثم اشتغلت بها في النص المسرحي السعودي وتحليله دراميا خلال ربع قرن من العهد السعودي، وكانت رسالة الماجستير أولى الدراسات الأكاديمية التي تمت مناقشتها في المسرح السعودي على مستوى الجامعات السعودية عام 2007، ولا أكذب عليك كان تحديا كبيرا بالنسبة لي؛ فقد كان أكثر من يقابلني حين يعرف موضوع دراستي يسخر: وهل لدينا مسرح؟! فأجيب: "نعم لدينا وسيكون أفضل" وهذا ما يتحقق اليوم.

لا أجيد تسويق ذاتي أدبيا، كما أني لا أقبل دعوات المؤسسات الأدبية للمشاركة في أمسيات شعرية منذ سنوات

وكون مظفر تهتم بقضايا المرأة وتمكينها، وحيث إنها عضوة في اللجنة العليا لجائزة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن للتميز النسائي، قالت عن رؤيتها لامرأة السعودية اليوم بعد رؤية 2030 "كما تراها اليوم باتت في أعلى المناصب، وأصبح لدينا سفيرة سعودية ونائبة وزير ووكيلة وزارة ومديرات إدارات في وزارات الدولة وأتشرف أني إحداهن؛ ولم يتبقَ لنا سوى تعيين وزيرة، وهو ما أتوقع حصوله قريبا؛ فنحن مجتمع ثري جدا بسيدات وفتيات مبدعات على مختلف المستويات وفي مجالات متنوعة، وكان تعطيلها في السابق خسارة للمجتمع لأنها شريكة مهمة في عجلة التنمية واستثمار دورها بات واقعا اليوم، وهذا كله يعود فضله لله تعالى إلى حكمة لوالدنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي ازدهر في عهده دور المرأة السعودية وإلى رؤية 2030 التي يقودها أميرنا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والذي نعتبره مُلهما لنا جميعا ومكّن المرأة السعودية بل كل السعوديين من رفع توقعاتهم وطموحاتهم لتكون عنان السماء".
وأكدت مظفر أن الثقافة وآدابها وفنونها ذات دور اقتصادي في رؤية 2030 السعودية، وأضافت "إننا اليوم وفق رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير الملهم والقدوة لنا الأمير محمد بن سلمان نتوجه إلى تعدد مصادر الدخل الوطني والاستثمار في الجانب التكنولوجي وطموحنا يصل عنان السماء حيث مدينة "نيوم" ومدينة "القدية" وغيرها مما هو محطة للاستثمار السعودي المستقبلي؛ وبذات الوقت لا يقل الاستثمار في الثقافة وأطيافها أهمية عن الاستثمارات التكنولوجية والنفطية وغيرها، إننا في السعودية نتمتع بمخزون ثقافي وتراثي تاريخي وأدبي عظيم وثري بثراء المناطق السعودية المختلفة؛ واستثمار ذلك سيدر أرباحا مادية ومعنوية كبيرة؛ وكما تعرف هناك العديد من الدول التي تنهض في دخلها القومي على السياحة الثقافية وهناك الكثير من الأفكار والمبادرات الثقافية التي أعلنتها الاستراتيجية الثقافية ونطمح لها كمثقفين سعوديين سيتم استثمارها بما يحقق رؤية 2030".
وأبدت مظفر تفاؤلا لخلق نهضة مسرحية وسينمائية بملامح وخصائص سعودية، وأشارت إلى أنها "متفائلة جدا بعد إعلان استراتيجية وزارة الثقافة التي تم تدشينها مؤخرا؛ فمن مبادراتها إقامة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي وسينطلق العام القادم 2020 إن شاء الله وسيرأسه محمود صباغ وهو مخرج سينمائي سعودي لديه تجربة ثرية في هذا المجال؛ وأيضا هناك مبادرة أخرى وهي تأسيس الفرقة الوطنية للمسرح؛ إننا نشعر بسعادة كبيرة لما يحصل عليه المسرح والفنون من اهتمام حكومي، فهو يحتاج إلى الكثير من الجهد والمثابرة حتى يخرج من فوضى الاجتهادات والهواة والسمة التجارية التي تجعله سطحيا أحيانا، أما اليوم فقد أصبح كل من المسرح والسينما من مشاريع الدولة الثقافية وهذا بحد ذاته سيؤدي إن شاء الله إلى نهضة وتطوير يخرجهما لنا بخصائص المجتمع السعودي الغني والثري ثقافيا خاصة أن لدينا الكثير من المواهب وكانوا ينتظرون هذه الفرصة لإخراج طاقاتهم النابعة من بيئتهم السعودية الغنية بتفاصيلها المدهشة والتي إذا ما تم تصويرها دراميا سواء مسرحيا أو سينمائيا سيكون لها صدى معرفي وثقافي واسع دوليا وليس عربيا فقط".
ورأت مظفر أن الانفتاح الحاصل الآن في السعودية سيساهم في خلق نهضة مسرحية سعودية، ولفتت إلى أن "المسرح السعودي والمسرحيين العاملين فيه استطاعوا تجاوز الكثير من التحديات والعقبات خلال السنوات السابقة وحقق بعضهم جوائز في العديد من المهرجانات المسرحية خارجيا على المستوى الخليجي والعربي؛ وطبيعي في ظل تأسيس وزارة الثقافة واستراتيجيتها الوطنية التي تولي المسرح اهتماما أن يشهد تطورا للإمكانات والجهود والكوادر مما يساهم في نهضة مسرحية سعودية؛ خاصة إذا ما تم ابتعاث المواهب للدراسة خارجيا إلى أن يتم تأسيس معاهد متخصصة".
وحول تراجع دور المسرح بشكل عام كمؤثر ومحرض على التنوير، قالت "طبيعي أن يتراجع دور المسرح اليوم كمؤثر عن السابق؛ فحين اتخذته أوروبا مصدرا للتنوير وكان له تأثير كبير في ترويج الأفكار الجديدة لم يكن هناك غيره؛ لا سينما ولا تلفزيون ولا إذاعة ولا شبكة عنكبوتية جعلت العالم قرية صغيرة، كان المسرح وحده من يلعب هذا الدور؛ أما اليوم فكل هذه المستجدات جعلت الضوء ينحسر عن المسرح شيئا فشيئا".

وأوضحت مظفر أن "هناك عوامل عديدة أثرت في المسرح العربي وجعلته يعاني وحولته من مسرح جماهيري إلى مسرح مهرجانات في أغلب الوقت بجانب قلة الكتابة الدرامية ذات المستوى الجيد لصعوبتها، أهمها تحويله لسلعة تجارية هدفه الربح لا الإثراء الفكري؛ مما أدى إلى وجود مسرح تجاري أقرب إلى التهريج والتسطيح؛ أيضا كما أشرت وجود وسائل أخرى تؤدي الدور الدرامي كالسينما والتلفزيون والإذاعة؛ ولا ننسى الحروب والصراعات الطائفية وتدهور الجانب الاقتصادي الذي عانت منه بعض الدول العربية وما أفرزته الثورات العربية من تدهور سياسي أنتج الصراع الأيديولوجي والحزبي، وأدى إلى تلوث المسرح بالتعصب، كل ذلك جعل المسرح العربي متراجعا يعزف عنه الجمهور؛ فكلما تدهورت الثقافة واتجهت الآداب إلى التسطيح تراجع معها المسرح؛ كونه مرآة تلك المجتمعات وإفراز طبيعي لثقافة مفكريها وثقافتها".
وحول اهتمام الدولة السعودية على المستوى الثقافي اليوم بالسينما وافتتاح دور لها وتأثير ذلك على الصناعة السينمائية خاصة وأن الاهتمام جاء متأخرا، أكدت أنه حتى وإن كان الاهتمام بالسينما في السعودية جاء متأخرا؛ فما يهم الآن أنه أصبح واقعا ملموسا؛ والحديث في الماضي يُهدر الوقت ولا داعي له؛ والسينما تعتبر من أهم وسائل الإعلام الثقافية وليست فقط ترفيهية وهي من عناصر القوة الناعمة، وصناعتها أمر بالغ الأهمية؛ وكما تعرف العملية الدرامية تتسلل إلى اللاوعي لدى المتلقي وتجعله يمر بعملية التطهر التي تحدث عنها أرسطو منذ أكثر من ألفين سنة، فتحقق التأثير النفسي والمعرفي الذي يتماهى معها بمشاعره ثم تفكيره؛ هكذا عرف العالم أميركا كقوة عالمية من خلال ما تنتجه هوليود؛ لقد غزت العالم ثقافيا وروجت لسلعها الاقتصادية؛ فحققت لها مكاسب معنوية ومادية. 
ورأت أن السينما بعد الاهتمام السعودي بها من خلال وزارة الثقافة سيجعل من السينما السعودية منافسة عربيا بل دوليا، وأضافت "التجارب السينمائية التي تم إنتاجها سابقا قبل الاهتمام الحكومي الحالي، نحو فيلم "وجدة" الذي أخرجته هيفاء المنصور؛ وفيلم "بركة يقابل بركة" الذي أخرجه محمود صباغ وأيضا فيلم "بلال" وهو كرتوني ثلاثي الأبعاد لأيمن جمال من التجارب الناجحة جدا وقد دخلت منافسات ليست خليجية فقط بل دولية وحازت على جوائز وترشيحات عالية المستوى؛ كما أن هناك تجارب سينمائية سعودية حديثة خرجت مع تجربة مهرجان الأفلام السعودية في الشرقية والذي ترعاه جمعية الثقافة والفنون، وقد اطلعت على عدد من هذه الأفلام، وتم عرض بعضها في معرض الرياض الدولي للكتاب 2019؛ والحقيقة أنها تجارب ناجحة أظهرت مستوى عاليا في الإخراج والأداء التمثيلي؛ وأنا متفائلة جدا بتطور تجربة الصناعة السعودية السينمائية خلال السنوات القليلة القادمة لتكون قادرة على المنافسة بإذن الله، خاصة وأن لدينا مواهب طموحة في هذا المجال.
وأشارت مظفر أن تعدد اهتماماتها من النقد المسرحي والكتابة الصحفية والمجال الإعلامي إلى التأليف الأدبي، مرده إلى فضل كبير جدا من الله تعالى "الذي أكسبني عددا من المهارات وأحاطني بأسرة وأب عظيم، استوعب شغف ابنته، وكل ما كان عليّ هو صقل هذه المهارات والعمل بجد حتى بتَّ هذا الكائن المتنوع؛ فالكتابة الصحفية أعشقها وأمارسها كرسالة نبيلة لتكون صوت الناس وأفكارهم وطموحاتهم؛ وعملي السابق في الصحافة والتلفزيون أكسبني الكثير من التجارب الإنسانية وقربني للناس وحكاياتهم؛ في ذات الوقت تخصصي الدراسي في الأدب والنقد العربي واشتغالي على المسرح والأدب جعلني أدرك جيدا بأن الكتاب الذي تؤلفه هو ما سيبقى بعد أن تطوى صفحات العمر في المعرفة الإنسانية والحمد لله هذا فضل من الله تعالى. 
وأشارت إلى أن معرفة الناس بها كإعلامية أكثر من كونها أديبة راجع إلى أن "أعمالي الصحفية والتلفزيونية كانت الأبرز للناس إعلاميا، بظلّ انشغالي بواجباتي الوظيفية والأسرية جعلني ذلك لا أجيد تسويق ذاتي أدبيا، كما أني لا أقبل دعوات المؤسسات الأدبية للمشاركة في أمسيات شعرية منذ سنوات، مع العلم أن هناك باحثات وباحثين دكتوراه وماجستير تناولوا نصوصي الشعرية بالدراسة في أطروحاتهم ضمن شعر الشاعرات آخرها رسالة ماجستير لمشاعل الحجلان في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.
وعن نشاطها في الفنون التشكيلية الذي برز أخيرا ختمت مظفر بالقول "شخصيا ومنذ سنوات أعتبر نفسي متذوقة للفنون التشكيلية والموسيقية وكتبتُ عنها مسبقا وتربطني علاقات صداقة مع بعض الفنانين، ولا تنس أن المسرح الذي اشتغلت عليه دراسة هو أبو الفنون؛ لهذا أكن احتراما كبيرا للفنان وألوانه؛ وكمتذوقة ومحبة اتحد ذلك مع واجب منصبي الوظيفي الذي تسلمته منذ عدة أشهر كـ "مديرة لإدارة الفنون الجميلة" في وزارة الإعلام؛ وهذا تكليف كبير أشعر معه بمسؤولية خرجت عن التذوق للفنون إلى مُبادرة وداعمة لتنشيط حراك الفنون الجميلة السعودية بأطيافها وكافة المناطق وأن أخدم الفنانين والفنانات بقدر ما أملكه من صلاحيات إدارية".