"حماس" والحاجة الى التواضع

ربحت "حماس" الانتخابات من دون خوضها، بفضل قصر نظر السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة.


خطفت حماس ثورة أهل القدس وحيّ الشيخ جرّاح تحديدا


يُفترض في حماس ان تتواضع وتقبل قيام حكومة وحدة وطنيّة تمثّل القوى الوطنيّة الحية

تصالحت السلطة الوطنية الفلسطينية مع "حماس" ام لم تتصالح. ليست تلك المسألة. المسألة مرتبطة بكل بساطة بمضمون المصالحة وما الذي ستفعله "حماس". استطاعت "حماس" الغاء السلطة الوطنيّة المترهّلة من جهة والاستفادة من حال التراجع التي تعاني منها "فتح" من جهة اخرى. يستهدف استخدام كلمة التراجع، وهي كلمة مهذّبة، تفادي وصف وضع "فتح" بما هو أسوأ من ذلك. هذا ما ظهر بوضوح في مرحلة ما قبل تأجيل الانتخابات التشريعية التي تنافست فيها ثلاث لوائح لـ"فتح"... كانت قائمة اللجنة المركزية التي على رأسها محمود عبّاس (أبو مازن) اضعفها!

خطفت "حماس" ثورة اهل القدس وحيّ الشيخ جرّاح تحديدا، وهي ثورة كشفت وحدة الشعب الفلسطيني. اطلقت صواريخ بعيدة المدى من غزّة. ادّى ذلك الى شعور فلسطيني بالقوّة والقدرة على الحاق الأذى بإسرائيل. لا شكّ انّ "حماس" لعبت اوراقها بطريقة جيّدة، خصوصا انّ القرار الذي اتخذه "أبو مازن" والقاضي بتأجيل الانتخابات الفلسطينية كان اكبر خدمة تُقدّم لها. حال هذا القرار دون معرفة ما حجم "حماس" في الشارع الفلسطيني وحقيقة ما تكنّه أكثرية الفلسطينيين في الضفّة وغزّة تجاهها. ربحت "حماس" الانتخابات من دون خوضها، بفضل قصر نظر السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة...

لا شكّ ان الفلسطينيين يشعرون حاليا بعاطفة تجاه "حماس" وبتعاطف معها، لكن على المرء ان يكون على الأرض ليكتشف حجم الدمار في غزّة، إضافة بالطبع الى البؤس الذي يعاني منه أهلها في ظلّ العيش في "امارة اسلاميّة"، تحت الحصار. لم يكن من هدف من إقامة هذه الامارة، التي شكّلت اساءة لنضال الشعب الفلسطيني ووجهه الحضاري، سوى تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني، وهي طبيعة منفتحة اصلا... إضافة بالطبع الى امساك الاخوان المسلمين بالسلطة في القطاع!

استطاعت مصر لعب الدور الابرز في التوصل الى اتفاق لوقف النار بين إسرائيل و"حماس". ساعدها في ذلك وجود إدارة أميركية، برئاسة جو بايدن، غير مستعدة لتغطية مزيد من الوحشية الإسرائيلية في التعاطي مع غزّة. سمحت إدارة بايدن للاسرائيليين باستخدام القوّة المفرطة ولكن ضمن حدود معيّنة لم تسمح بتجاوزها.

جاء الفلسطينيون الى القاهرة للتفاوض في ما بينهم والدوران مجدّدا في حلقة مقفلة. لم يعد مطروحا ما الذي ستفعله السلطة الوطنيّة التي فوتّت عليها الانتخابات التي كانت مقرّرة في السادس والعشرين من ايّار – مايو الماضي بحجة واهية هي منع إسرائيل اهل القدس من المشاركة في الانتخابات. المطروح ما الذي ستفعله "حماس"؟ هل صار لديها برنامج سياسي واضح مقبول من المجتمع الدولي ام ستبقى أسيرة شعاراتها والقوى المرتبطة بها في مقدّمها ايران؟

سيكون مفيدا اذا اعتمدت "حماس" اجندة فلسطينية بديلا من الكلام العام عن انّ "فلسطين من البحر الى النهر وقف إسلامي" او ان غزّة يمكن ان تكون منطلقا لتحرير كلّ فلسطين. في النهاية، غامرت "حماس" في اطلاق صواريخها التي يبدو ان الهدف منها كان استرضاء ايران وإظهار قدرتها، عبر أداة محلّية، على قصف داخل إسرائيل، بما في ذلك تل ابيب واللد. كانت المغامرة ناجحة على الرغم من المآسي الفلسطينية في غزّة تحديدا.

ربحت "حماس" رهانها. انبهرت بها، لايّام قليلة الجماهير العربيّة الساذجة، في معظمها طبعا. جانب من تلك الجماهير ما زال مصدّقا انّ "حماس" صارت ندّا عسكريا لإسرائيل وان الطريق الى القدس صارت سالكة!

لا بدّ في الوقت الحاضر، من العودة الى الواقع. هذا يعني، بين الأفكار المطروحة، وجود حاجة الى حكومة وحدة وطنيّة فلسطينية تضمّ شخصيّات مستقلّة على علاقة بما يدور في العالم وليس بحملة شعارات ينتمون الى "حماس" وتنظيم "الجهاد الإسلامي" التابع كلّيا لإيران. لا معنى لحكومة وحدة وطنيّة فلسطينية اذا لم تعن اوّلا شخصيات تمتلك كفاءة قادرة في الوقت ذاته على التعاطي مع الواقع والاستفادة من عاملين مهمّين.

العامل الاوّل حاجة "فتح" الى قيادة جديدة تنبثق عنها سلطة وطنيّة من نوع مختلف. امّا العامل الثاني، وهو الاهمّ فيتمثل في المأزق الإسرائيلي. في أساس هذا المأزق حشر إسرائيل نفسها في العقدين الماضيين في زاوية ضيّقة هي زاوية الاستيطان. لا وجود في إسرائيل لاي طرح سياسي في تعاطيها مع قضيّة تحتاج اوّل ما تحتاج الى مثل هذا الطرح. لا حلّ مع الفلسطينيين من دون طرح سياسي. جرّب بنيامين نتانياهو كلّ أنواع الاستيطان وكلّ أنواع الحلول العسكرية. وجد امامه في النهاية قضيّة اكبر منه هي قضيّة شعب موجود على ارضه. ما الذي تستطيع إسرائيل عمله مع الوجود الفلسطيني؟ هناك سبعة ملايين ونصف مليون فلسطيني بين البحر والنهر، بين البحر المتوسّط ونهر الأردن. هل في استطاعتها اذابة هذه الكتلة البشرية بدل البحث عن مخرج سياسي معقول ومقبول يحظى بدعم المجتمع الدولي؟

يُفترض في "حماس" ان تتواضع وتقبل قيام حكومة وحدة وطنيّة تمثّل القوى الوطنيّة الحيّة في الشعب الفلسطيني بعيدا عن الفصائل المتمثّلة في منظمة التحرير الفلسطينية. هذه فصائل باتت عبئا على الشعب الفلسطيني نظرا الى انّها لا تمثل أحدا بمقدار ما انّها تريد العيش على بطولات الماضي والارتكابات التي حصلت في الأردن ولبنان، على وجه الخصوص.

لا مجال امام "حماس" سوى التواضع، في حال تريد البناء على الانتصار الذي حقّقته وخدمة الشعب الفلسطيني بدل بقاء هذا الشعب رهينة لإيران لو لتركيا وعقد رجب طيّب اردوغان. يبدأ التواضع بالاتفاق داخل الحركة على برنامج سياسي محدّد يغني عن البقاء في اسر الأوهام و"الامارة الاسلاميّة" في غزّة. لم تكن هذه الامارة في يوم من الايّام سوى فشل ذريع عاد بالويلات على القطاع الذي كان يمتلك الى ما قبل سنوات قليلة مطارا!

من هنا، يبدو الدور المصري اساسيّا. تعرف مصر تماما ما حلّ بغزة نتيجة استخدام إسرائيل القوة المفرطة لايّام قليلة. تعرف مصر ان على "حماس" استعادة رشدها وانّ فيها شخصيات لديها ولاء لفلسطين وليس لإيران وتركيا وغيرهما. يفترض في هذه الشخصيات الدفع في اتجاه قيادة جديدة وحكومة جديدة تعرف كيف يكون التعاطي مع العالم ومع أي تسوية يمكن ان تطرح مستقبلا بفضل مصر والأردن والإدارة الأميركية الجديدة وأوروبا، في طبيعة الحال.