حملة اعتقالات جديدة تنبئ بحرب نفوذ في الجزائر

حملة اعتقالات ضد رجال أعمال نافذين في الجزائر تثير التساؤلات حول صراع محموم بين قادة الجيش ورموز نظام بوتفليقة في ظل رفض الشارع لجميع النخبة الحاكمة ومطالبة برحيلهم جميعا.


ربراب ينفي أمر اعتقاله للتحقيق معه في قضايا فساد


أمر بإيداع قائدي أهم منطقتين عسكريتين سابقًا السجن


المحتجون يستقبلون أحمد أويحي بهتافات مناهضة أمام المحكمة

الجزائر - أعلن التلفزيون الجزائري اليوم الاثنين عن توقيف خمسة مليارديرات جزائريين في إطار تحقيقات في قضايا فساد.

وقال أن الخمسة هم يسعد ربراب الذي يعتبر أغنى رجل أعمال في الجزائر وأربعة أشقاء من عائلة كونيناف التي يقال إنها مقربة من الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وعائلة كونيناف النافذة والتي أصبح مصدر ثرائها حديث الجزائريين منذ بداية الاحتجاجات في البلاد، أصدرت  النيابة العامة أوامر بمنع 3 من أفرادها السفر بداية شهر أبريل الجاري كتدبير احترازي.

لكن ربراب الذي يرأس شركة سيفيتال المملوكة لأسرته والتي تستورد السكر الخام من البرازيل وتصدر السكر الأبيض إلى تونس وليبيا ودول أخرى في الشرق الأوسط، سرعان ما كذب خبر توقيفه عبر صفحته على تويتر وقال إنه تنقل إلى مصالح الدرك بباب جديد في إطار التحقيقات حول العراقيل التي يتعرض لها مشروع كان ينوي إطلاقه في الجزائر.

وغرد ربراب على تويتر "في إطار العراقيل التي يتعرض لها مشروع إيفكون، توجهت من جديد هذا الصباح إلى فصيلة الدرك بباب جديد. سنواصل دراسة قضية المعدات المحجوزة في ميناء الجزائر منذ جوان 2018".

ويقاوم ربراب الذي لطالما يثير غموض ثروته تساؤلات بين الجزائريين، مواجهة شرسة بينه وبين السلطة منذ سنوات، لكن توزيع الرجل الذي يتمتع بنفوذ قوي في الأوساط السياسية، لاستثماراته في عدة دول في العالم جعلته يتحول إلى موقع القوة الاقتصادية الأولى بعد شركة سوناطراك النفطية الحكومية.

ولم تسلم الحكومات الأخيرة من انتقادات مالك مجمع "سيفيتال" واتهاماته لها بعرقلة مشاريعه الاستثمارية، إلا أن إطاحة بوتفليقة بالجنرال القوي محمد مدين (توفيق) من على رأس جهاز الاستخبارات في 2015 جعله أول ضحايا التوازنات الأخيرة في هرم السلطة.

ووصلت المواجهة بين رئيس الوزراء عبد المالك سلال وربراب في السنوات الأخيرة إلى الرأي العام عبر سلسلة اتهامات في وسائل الإعلام، أعقبتها إشاعات بإصدار مذكرة توقيف دولية في حقه.

ورغم تبرئه من التجاذبات السياسية في هرم السلطة في الجزائر، واصراره على أن ما يهمه هو المساهمة في خلق الثروة وفرص الشغل في البلاد، عبر ربراب بوضوح عن آرائه السياسية ومعارضته لإعادة انتخاب بوتفليقة في عام 2014.

وفي عام 2016، منعته السلطات من إنجاز حلمه ببناء إمبراطورية إعلامية عندما أوقفت محاولة شرائه واحدة من أكبر المجموعات الإعلامية في البلاد، "الأخبار".

ويمتلك ربراب حاليا صحيفة "ليبرتي" الناطقة بالفرنسية والداعمة للمعارضة.

من جهته وجد رئيس الوزراء السابق أحمد أويحي ووزير المالية محمد لوكال أمس الأحد مئات من المحتجين في استقبالهما أمام محكمة عبان رمضان قبل المثول أمام القضاء بتهم فساد تتعلق بإهدار المال العام.

المحتجون يطالبون برحيل جميع رموز النظام السابق
المحتجون مصرون على المطالبة برحيل جميع رموز النظام السابق 

وتأتي هذه الاعتقالات أيضا بعد يوم من صدور أمر من القضاء العسكري بإيداع جنرالين متقاعدين كانا يقودان أهم منطقتين عسكريتين في البلاد (الأولى والثانية)، السجن، بتهمة حيازة أسلحة وذخيرة حربية ومخالفة التعليمات العسكرية.
وقال قاضي التحقيق بالمحكمة العسكرية بالبليدة (جنوب العاصمة) في بيان أمس الأحد إن السلطات عثرت على أسلحة وذخيرة حربية مع "أشخاص غير مؤهلين لحيازتها (الجنرالان المتقاعدان)، إلى جانب مخالفة التعليمات العسكرية".
وأوضح البيان أنه قاضي التحقيق قرر "إيداع المدعو باي سعيد السجن والبحث عن شنتوف حبيب لإيداعه السجن"، مع حجز الأسلحة.
ولم يقدم البيان توضيحات أكثر حول طبيعة الأسلحة المحجوزة وعلاقة الجنرالين بها وأهداف حيازتهما لهذه الأسلحة.
يشار أن الجنرال شنتوف (قائد الناحية العسكرية الأولى سابقا) والتي تضم العاصمة، والجنرال سعيد باي (قائد الناحية العسكرية الثانية سابقا/ شمال غرب) تم إنهاء مهامهما الصيف الماضي من قبل الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.
وجاء القرار في حينه ضمن حركة تغييرات غير مسبوقة في قيادة الجيش، شملت قادة نواحي، وقائدي الشرطة والدرك الوطني، ومدير أمن الجيش (أقوى جهاز مخابرات في البلاد).
وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أمر قاضي التحقيق العسكري بالبليدة، بإيداع الجنرالين الحبس المؤقت في قضايا فساد برفقة قادة عسكريين آخرين، لكن بوتفليقة أفرج عنهما في انتظار محاكمتهم.

والثلاثاء الماضي اتهم قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح رئيس المخابرات الأسبق محمد مدين "توفيق"، بمحاولة عرقلة مساعي حل الأزمة في البلاد، وحذره من "اتخاذ إجراءات قانونية صارمة" ضده، كما توعده بأن هذا "آخر إنذار له".
ومطلع أبريل/ نيسان الجاري، نفى الجنرال "توفيق" الذي لا يزال يعتبر واحدا من أكثر الشخصيات نفوذا في الجزائر، مشاركته في اجتماع مع الرئيس السابق للجهاز بشير طرطاق، ورئيس البلاد الأسبق اليامين زروال، وبحضور عناصر من مخابرات أجنبية، للتآمر ضد الجيش.
وقبل أيام، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إقالة رئيس المخابرات اللواء بشير طرطاق، وإلحاق الجهاز بوزارة الدفاع بعد أن كان قد اخضع عام 2015 لرئاسة الجمهورية. 
وبعد استقالة بوتفليقة دعا قايد صالح القضاء بتسريع التحقيقات في ملفات فساد شهدتها البلاد في العقدين الأخيرين (خلال حكم بوتفليقة).

وتأتي هذه الاعتقالات تزامنا مع انطلاق الجلسة الوطنية التشاورية التي دعت إليها رئاسة الجمهورية قبل أيام وسط رفض من جانب عدد من أحزاب المعارضة.

وقال الأمين العام لرئاسة الجمهورية حبة العقبي، في تصريح صحفي، إن الجلسة التشاورية التي تعقد اليوم الاثنين في العاصمة الجزائرية، "تشهد مشاركة كل الفاعلين في البلاد منها أحزاب المعارضة والموالاة والمجتمع المدني والخبراء، حيث ستتم أساسا مناقشة الدستور والمخرجات القانونية للأزمة الراهنة بالبلاد".

وأكد العقبي أن المبادرة "خصصت لعرض مشروع الأرضية التشاورية لإنشاء هيئة مستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات الرئاسية المقررة في تموز/ يوليو المقبل".

وكانت المنظمة الوطنية لأبناء الشهداء أعلنت، عدم المشاركة في اللقاء التشاوري إلى جانب كل الأحزاب السياسية المعارضة الكبرى بالبلاد الذين اعتبروا رئيس الدولة عبدالقادر بن صالح "مرفوض شعبيا ولا يملك شرعية تنظيم أو الدعوة لجلسة وطنية".

ولم يفلح رحيل بوتفليقة في إرضاء الكثير من الجزائريين الذين يريدون الإطاحة بجميع رموز النظام القديم ومعاونيه. ويريد المحتجون رحيل النخبة الحاكمة التي تضم محاربين قدامى شاركوا في حرب الاستقلال عن فرنسا، كما يطالبون بحل الحزب الحاكم وإنهاء حكم القلة وبإصلاحات ديمقراطية شاملة.