حوادث انتحار تكشف انهيارا نفسيا داخل الجيش الاسرائيلي

الحرب على غزة لم تعد مجرد معركة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة داخلية تتآكل في عمق المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي.

القدس المحتلة – أفادت وسائل إعلام عبرية بأن جنديا إسرائيليا ثان أقدم على الانتحار جراء معاناته من اضطراب حاد في ما بعد الصدمة عقب مشاركته في الحرب على قطاع غزة. وذكرت صحيفة 'معاريف' مساء السبت أن الجندي نهوراي رافائيل بارزاني أنهى حياته بعد تدهور حالته النفسية، موضحةً أنه كان يعاني من صدمة نفسية عميقة خلّفتها مشاركته في العمليات العسكرية داخل القطاع.

وحادثة بارزاني ليست معزولة، فقد سبقها قبل أيام انتحار توماس إدزغوسكس (28 عاماً)، وهو ضابط احتياط في لواء "جفعاتي"، بعد صراع نفسي طويل. وتشير معطيات رسمية إسرائيلية نُشرت نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى تسجيل 279 محاولة انتحار خلال 18 شهرا، بينها 36 حالة انتهت بالوفاة وهو رقم غير مسبوق يكشف حجم الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود والضباط.

وتتواصل التداعيات النفسية للحرب الإسرائيلية على غزة في الظهور على نحو متصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي، فيما تعد الحادثة امتدادا لسلسلة من حالات الانهيار النفسي والانتحار التي تجتاح صفوف الجيش، ما يسلط الضوء على أزمة عميقة تهدد تماسك المؤسسة العسكرية ومناعة المجتمع الإسرائيلي.

وبحسب الصحيفة، عانى بارزاني من اضطراب نفسي حاد بدأ يتفاقم منذ مشاركته في الحرب، قبل أن يخرج لثلاثة أشهر خارج إسرائيل في محاولة للعلاج، لكنها لم تُجدِ نفعاً. ويعد انتحاره مؤشراً إضافياً على الضغوط الكبيرة التي خلّفتها الحرب، التي استمرت لعامين منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخلفت أكثر من 70 ألف قتيل و170 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، وفق المصادر الفلسطينية.

ويرى مراقبون إسرائيليون أن هذه حصيلة محاولات الانتحار داخل الجيش ليست إلا الجزء الظاهر من الأزمة، إذ تغطي الأرقام الرسمية فقط الحالات التي بلغت حد الانتحار، بينما يبقى عدد أكبر من الجنود يعاني بصمت من اضطرابات نفسية متفاوتة، بعضها لا يصل إلى القنوات الرسمية المخولة بتقديم العلاج.

وتكشف التقارير العبرية عن نقص حاد في عدد المعالجين النفسيين داخل إسرائيل، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الدعم النفسي من قبل الجنود العائدين من غزة. وتتحمل أقسام التأهيل النفسي التابعة لوزارة الدفاع عبئاً متزايدا يفوق قدراتها، في ظل محدودية الكوادر وازدياد شدة الإصابات النفسية المرتبطة ببيئات قتال شديدة العنف داخل القطاع.

ويشير متخصصون إسرائيليون إلى أن الحرب على غزة، بسبب كثافة القتال وخسائر الجيش والعمليات في مناطق مكتظة بالسكان، خلقت "بيئة صدمة مستمرة"، تسببت بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، ودفعت بعض الجنود إلى العزلة والانهيار النفسي.

ولا تنحصر الأزمة في بعدها الإنساني، بل تمتد إلى داخل البنية الاجتماعية الإسرائيلية، فتصاعد حالات الانتحار يفاقم النقاش الداخلي حول تكاليف الحرب وجدواها، ويفتح الباب أمام انتقادات حادة لإدارة الحكومة والجيش للملف النفسي للجنود.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الداخل الإسرائيلي انقسامات سياسية عميقة بشأن طريقة إدارة الحرب وتداعياتها، خصوصاً مع استمرار خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وما نجم عنه من مقتل 367 فلسطينياً وإصابة 953 في يوم واحد، وفق وزارة الصحة بغزة.

كما تتعرض الحكومة الإسرائيلية لانتقادات بسبب استمرارها في منع دخول الغذاء والدواء إلى غزة، ما فاقم الأزمة الإنسانية في القطاع الذي يعاني فيه حوالي 2.4 مليون فلسطيني من ظروف مأساوية، وهو ما يزيد الضغط الأخلاقي والنفسي على الجنود المشاركين في العمليات.

وتكشف حادثة انتحار الجندي بارزاني ومن سبقوه عن حقيقة قاسية: الحرب على غزة لم تعد مجرد معركة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة داخلية تتآكل في عمق المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي. ومع استمرار الحرب وتواصل الضغوط النفسية، تبدو إسرائيل أمام تحدٍّ متزايد يتعلق بقدرتها على احتواء الصدمات النفسية لجنودها، وحماية تماسك جيش بدأ يظهر عليه علامات الإنهاك والانهيار.