حوراء المرهون مغرمة بضجيج الألوان المتناقضة

أعمال الفنانة التشكيلية السعودية تعكس حالة صادقة لتجليات رؤاها الجمالية النابعة من الذات وتطلعاتها.


بدايات متأرجحة يغلبها العمل بهدوء والرغبة في التحليق في فضاءات اللون ودهشته


الفن الذي لا يتطور ولا يتمرد ولا يضيف لذاته من مرحلة إلى أخرى، هو فن عقيم وزائف

تعكس أعمال الفنانة التشكيلية السعودية حوراء المرهون حالة صادقة لتجليات رؤاها الجمالية النابعة من الذات وتطلعاتها، حيث تحفل تعبيرات خطوطها وألوانها وتشكيلاتها الفنية بالحيوية والتدفق والبساطة المفعمة بالحلم، فثمة رومانسية وجرأة في تلك الأعمال تسعى إلى إطلاق جمال المرأة وروحها التي تتوق إلى الحرية، وذلك بأسلوب يجمع ما بين الانطباعي والتعبيري. 
في هذا الحوار معها نتعرف على انطلاقتها وتطورات رؤاها وأفكارها.
تقول حوراء المرهون: متأرجحة هي بداياتي يغلبها العمل بهدوء والرغبة في التحليق في فضاءات اللون ودهشته، ومحاولات كان الهدف منها خلق صداقة بيني وبين الألوان القوية، ليصبح الرسم الأكسجين الذي به أحيا، ورغم أن هذا البدايات لم تتجاوز بعض المشاركات الخجول، إلا أنها كانت ملاذي لأنجو من غربة نفسي التي باتت متعطشة زادها الاطلاع على الفنون من حولي وحضور المعارض، فتلونت تجاربي بالنضج واتساع الأفق، ومهما كانت تلك البدايات ببساطتها أو عفويتها فطعمها يبقى أثره ولا يغادر الذاكرة، تمنح الفنان طاقة يتزود بها بين حين وآخر، أين كان وكيف كان وكيف أصبح، تكسبه الحافز والتحدي، فالبدايات هي حالة حلم ما أن يتعمق تكبر معها الأحلام، بداياتي تمثلت في المشاركة في فعالية قافلة الفن التراثي، رسم مباشر والناس تتبع خطواتنا بدءا من التخطيط إلى التلوين، ثم تبعتها مشاركات أخرى لم تخل كذلك من الرسم المباشر، ولا أخفي عليك ما أكسبني الرسم المباشر من الاستمراريه والثقه بذاتي.

وتؤكد أن الفن الذي لا يتطور ولا يتمرد ولا يضيف لذاته من مرحلة إلى أخرى، هو فن عقيم وزائف، لأن الفن انعكاس للعمق والبساطة، للحب، للأمل، للشغف، ولكل هذا تجليات متصلة بروح الفن والفنان. الفن إن لم تعطِه وقتك، واهتمامك، لن يبادلك العطاء، وقد كان لفوزي ببعض جوائز المسابقات المحلية دافعا لتحقيق نقلة فنية جميلة عززت من ثقتي بريشتي، وكان من اعمالي لوحة "صمت" التي حازت إعجاب الكاتبة معصومة الجارودي لتكون غلافا لكتابها الشعري "لحظة تشبهني".
وتكشف المرهون سر ارتباطها بالوجوه فتقول: في لوحاتي ستجد الوجوه متجلية، منذ صغري وعلاقتي مع الوجوه قائمة، تحاورني بصمت وكأنها تستنجدني لتنطق بألوان متناقضة تخبرك بالتمرد تارة والقوة والغضب والحب وبصيص الأمل تارة أخرى، رسائل ملونة لا تخلو من الحنين للماضي، أنا مغرمة بضجيج الألوان المتناقضه، ومثقلة بحنين للماضي القديم.  

Fine Arts
أتمنى أن أحظى بفرص المشاركة 

وحول تأثرها بمدرسة فنية بعينها، تضيف المرهون: الاهتمام بالتفاصيل يسكنني، تفاصيل الوجوه والأماكن والطبيعة وما تحمله من أسرار، ومنذ بداياتي خلقت علاقة حب بين ميولي والمدرسة الواقعية، لكن الاطلاع الفني والتعمق يعني أن تبحر أكثر، أن ترسم ما تشعر به لا ما ترى، أن لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن، ومن هنا أخذني اللون إلى متنفس آخر أعبّر فيه عن انفعالاتي، لأصبح عالقة بين الواقعية والشغف بفن التجريد الذي أتمنى لتجاربي اللونية أن ترى النور قريبا. 
من المشاركة في جمعية حياة إلى تقديم الورش للأطفال في الفعاليات المصاحبة للأنشطة بمستشفى بابطين للقلب وغيرها، تتنقل المدهون لخلق عالم فني شفيف سعيا للتخفيف من أوجاع وهموم المرضى والأصحاء على السواء، تقول عن هذه التجربة: الفن عطاء ولأني فنانة أجد في الفن فلسفة لونية من شأنها غسل أرواحنا المرهقة المثقلة بالألم والوجع، لتتسلل الإبتسامة والأمل في قلوبهم الصغيرة، من هنا جاءت مشاركاتي في جمعية حياة، فعاليات تخللتها رسم الجداريات الكرتونيه بمشاركة الأطفال المرضى المصابين بالأورام السرطانية بمستشفى الملك فهد التخصصي، وعدة ورش فنية مختلفة ضمن الأنشطة المصاحبة للفعاليات المقدمة من قبل مستشفى بابطين للقلب ومشاركة جمهور الصغار برسم وتلوين اللوحات التوعوية، لأنه مهما كان عطاؤك صغيرا يكفي أن ترى في وجوههم الإبتسامة فتعلم أن للعطاء قيمة.
تشكل أعمال المرهون الأخيرة صورة الفتاة الصامتة بنظرات قلقه وتكاد الألوان الأحمر والأزرق والأبيض تهيمن في جميعها، لماذا الإصرار على الصمت؟ وما السر في هذه الألوان؟ تقول: لوحات الفنان مرآة للأحاسيس والانفعالات الكامنة بداخله، تعكس رغباته الدفينة وحالته النفسية، فيخلق لونا يشبهه، يتغير بتغير الفصول بداخله، أشبه بهمزة وصل بينه وبين من حوله في إيصال ما يمكن وما لا يمكن الحديث عنه، وهي كذلك في أعمالي الأخيرة تستطيع أن تقول إنها حالة مؤقته تمثل الظروف التي أمر بها، تمثل عدم مقدرتي على البوح والتظاهر بأن الأمور بخير، وألواني ترجمان لتلك الحالة من الانفعالات المكبوته، مزيج من التصادم والتنافر؛ غضب، قوة، رغبة، تمرد، لكن غالبا ما يتوسطها الأبيض يتسلل كالنور، يمنح بصيص الأمل والتوازن الذي أتمسك به.
وترى المرهون أن الوضع السعودي تغير عما كان عليه في فترات سابقة، حيث أصبح الحراك الفني هنا يواكب الحراك في مجتمعات أخرى سبقتها إليها، والفنان بطبعه التأثر، ويجري هذا التأثر في لوحاته وأساليبه وأدواته وطريقة عرضه ليصبح المشهد الفني بحلة معاصرة، لا تخلو لوحاتي من المحاولات مادام الفن بداخلي يتنفس. 

fine arts
صحوة فنية للفن التشكيلي السعودي 

وتشير المرهون إلى أن كل فنان يسعى أن تخلد أعماله وأن يرتبط اسمه بمعارض ذات صوت رنان تضيف لمسيرته الفنية قيمة، والمعارض الخاصة خطوة مهمة يحتاجها الفنان ترفع هذه القيمة، يصنع من خلالها تاريخا لنتاجه الفني، لحصيلة ثماره، وجهده وتعبه، وانشغالي بمسؤوليات أخرى ونقص الدعم لدي يجعلني مقلة في أعمالي وهو طبع أكرهه بي، فليست الرياح تجري بما تشتهيه السفن. هل سيبزغ معرضي النور قريبا؟ ربما.
 وتلفت إلى أن المشاركات الخارجية تعني سعي الفنان للعالمية، لتوسيع أفقه ومداركه، وهي تمنح الفنان الشعور بالإنجاز والشعور بثقل المسئولية، إن المشاركة الخارجية تشكل حدثًا مهما في مسيرته الفنية كونه سيمثل بلده وينقل فنه إلى فكر مختلف، فالمشاركة ببلد آخر يعني أن يكون سفيرا لبلده برسائل ملونه في قالب فني، وهنا يكون التحدي؛ تحدي الفنان مع نفسه فكلما اتسعت دائرة الفن اتسع معها الطموح والرغبة والفرص واختصار المسافات، طرق الوصول للضفة الأخرى. وكغيري أتمنى أن أحظى بفرص المشاركة هنا وهناك، وأن انتقل بريشتي، بألواني إلى عالم آخر، أحلّق بها إلى محطات تعانق أحلامي وتماثلها، فالأمنيات لا تتوقف والسعي لتحقيقها قائم. لقد تأخرت كثيرا لوجود العوائق الكثيرة من حولي ولاهتمامي بالمستوى ونضج الرؤية لدي، قناعات أنتمي لها وتمثلني، متأخرة كثيرا لكني مازلت متمسكة بأحلامي فربما أعوض قريبا ما فات. 
وتؤكد المرهون أن هناك صحوة فنية للفن التشكيلي السعودي وولادة جاليريهات خاصة ببعض المناطق، وهناك مراكز أعطت الفن التشكيلي اهتماما خاصا، واهتمام بعض الفنانين بتنوع العروض ودمجها بالتقنيات، محاكاة لتجارب عالمية لتواكب التيارات الفنية المعاصرة بمطارح أخرى، كل ذلك بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في الحراك الفني من نقل التغطيات الفنية وقت حدوثها بشكل مباشر واهتمام بعض المتذوقين بنشر كل ما يتعلق بالفن، لتشكل كل تلك الأمور حلقة وصل بين الفن والمتلقي ورفع الذائقة الفنية لدى أفراد المجتمع السعودي.
وتلفت إلى أنه من غير الممكن أن يتقدم الفن بخلو الفنان من الثقافة الفنية وغياب صالات العرض ذات المستوى العالمي إلا البعض منها، وافتقار جمعيات الثقافة للدعم الحقيقي وقلة المقتنين للأعمال الفنية، واقتصار المعارض ذات الصيت على أسماء معينه مكررة، هنا مازلنا بحاجه إلى تكثيف المتاحف الفنية وإقامة البيناليات الدولية. القائمة تطول لكن بوادر التغيير تبشر بأن الوضع الفني سيكون غدًا أفضل للفن والفنان التشكيلي في السعودية.
وحول وجود حراك نقدي تشكيلي يشجع ويدعم الفنانين، وتضيف المدهون: لا زلت أردد أن على الفنان أن يكون ناقدا لنفسه قبل كل شيء، أن يعرف مواطن الضعف والقوة بلوحاته، أن يمتلك عينا ثالثة يقرأ من خلالها لوحاته من زاوية مختلفة. إن الأقلام التي تكتب عن النقد لدينا قليلة وبعضها يعتريها الشوائب فيمزج بين رأيه الشخصي وتجاربه وما يميل إليه فيرفع فنانا ويهبط بآخر من غير أسس صحيحة للنقد الفني، والبعض الآخر تجد في كتاباته الرؤية واضحه قائمة على أسس ومعرفة ودراسة. 

وختمت المرهون بقولها: أحلم أن تعانق تجربتي السماء وأن لا تشيخ أبدا ولا تتوقف عن الرقص يوما، أن أصل بها لفضاءات مختلفة بمستويات عالمية، تأخرت كثيرا وسبقني الكثير، لكني لن أتردد بالعودة وتعويض ما فات متى ما سنحت لي الفرصة.