حول مصير التدخل الأجنبي في سوريا

تبدو سوريا اليوم مسرحا مكشوفا للقوى العالمية والاقليمية، ويبدو الشعب السوري فاقدا للقدرة على تقرير مصيره، فروسيا تكتب له دستوره، وتقرر شكل دولته المستقبلية، وأميركا وان كانت تغض النظر عن التدخل الروسي، وتظهر شيئا من الابتعاد عن الصراع الدائر في سوريا لكنها تعمل بنشاط لبناء قواعد عسكرية وسياسية لها في المنطقة الشرقية وتمنح بسخاء قوات سوريا الديمقراطية الأسلحة والدعم السياسي وبالتالي تتكشف استراتيجيتها السورية عن الاكتفاء بتقسيم سوريا وتركيز نفوذها في المنطقة التي تحتلها قوات سوريا الديمقراطية اضافة لجنوب سوريا المحاذي لدولة الكيان الصهيوني، وتوشك تركيا على وضع يدها على شمال حلب ومحافظة ادلب، أما ايران الطامحة للتحكم في سوريا كلها كما العراق فتجد نفسها اليوم محصورة في مناطق النظام.

وفي العمق فان كل واحد من تلك الاحتلالات يزداد افتقاده لمبررات وجوده مع الزمن، وتزداد العقبات أمامه، فتناقضات الأهداف والسياسات التي كانت تخفيها وتؤجلها المصلحة المشتركة في قتال داعش، قد بدأت اليوم في الظهور، وما فعله التدخل التركي في ادلب بغض النظر عن الموقف منه هو سحب ذريعة آخر معركة كبرى لانهاء وجود جبهة النصرة والتي ينظر لها كفرع للقاعدة في سوريا، حيث تولى الجيش التركي بطريقته الخاصة مهمة احتواء ذلك التنظيم وربما اذابته لاحقا قاطعا الطريق على معركة شبيهة بمعركة الرقة كان يجري التحضير لها معلنا – واقعيا – نهاية المعارك الكبرى في سوريا، وبدء مرحلة جديدة عنوانها مصير سوريا.

لكن مصير سوريا تعترضه التدخلات الأجنبية التي يعتقد كل واحد منها أن له الحق في تقرير ذلك المصير أو في وضع بصمته عليه، وهو حق يظن أنه مكتسب بفعل مساهمته في الصراع المسلح بشكل او بآخر.

والحقيقة التي تختفي اليوم خلف غبار المعارك تتمثل في أن السوريين بمجموعهم الساحق معارضة وموالاة (فيما عدا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ومؤيديه) قد سئموا تلك التدخلات، وحين تتلاشى أصوات المدافع ويقتنع الجميع أن الحرب قد انتهت ولم يعد من خطر حقيقي يهدد فئة اجتماعية فلن يقبلوا بأي وجود أجنبي مهما كانت ذرائعه ومبرراته.

ربما كان التدخل الايراني المرشح الأول للانسحاب من سوريا، فهو غير مرغوب به لامن أميركا ولا من روسيا ولا من تركيا، كما يثير حساسية جميع مكونات الشعب السوري.

فاذا اتحدت اليوم ارادة كل من أميركا وروسيا وتركيا على اخراج ايران من سوريا فسيكون من الصعب على ايران التي تفتقد أي قاعدة شعبية لها في سوريا البقاء، ويصبح الخيار العقلاني لها في استبدال الوجود العسكري بوجود سياسي وثقافي لا يلامس حساسية السوريين.

أما الولايات المتحدة فعمر وجودها العسكري والأمني في سوريا من عمر التمدد العسكري لقوات سوريا الديمقراطية.

لقد أسفر تحرك الجيش العراقي والحشد الشعبي نحو كركوك وسائر المناطق المتنازع عليها عن تدمير حلم كردستان العراق بالانفصال في دولة مستقلة، فبدون كركوك لا توجد مقومات لدولة معزولة في الجبال بين أعداء مصممين على خنقها حتى النهاية.

وبتدمير حلم الانفصال لكردستان العراق تم توجيه ضربة قاسية جدا ولو بصورة غير مباشرة لحلم روج آفا. فاذا لم تستطع كردستان العراق التي تمتعت بحكم شبه مستقل لعقود مديدة منذ فرضت الولايات المتحدة الحظر الجوي عليها مانعة الجيش العراقي من الاقتراب منها أواخر شباط 1991، أن تمضي قدما في مشروع الانفصال بل كان الاستفتاء الذي أجرته للتمهيد لاعلان الانفصال كارثة عليها، فكيف سيستطيع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشياته التي خلقت على عجل ونفخت فيها الولايات المتحدة الروح أن تقف على أقدامها لتعلن روج آفا وهي محاصرة من الشرق بالجيش العراقي ومن الغرب والشمال بالجيش التركي ومن الجنوب بالجيش السوري والميليشيات المتحالفة معه؟

سيحتاج الأمر لقادة بدون عقل للمضي قدما في مشروع دولة روج آفا المزعوم، قادة لا يقرأون ما يجري حولهم ولا يقيمون وزنا لموازين القوى، ومثل اولئك القادة لن يسيروا سوى نحو الكارثة لهم ولمن يسير خلفهم.

وذلك يعني بالتحديد أن فقاعة قوات سوريا الديمقراطية مصيرها الانكماش والتلاشي لاحقا ساحبة معها التدخل العسكري الأميركي.

أما التدخل العسكري الروسي فهو بدون شك غير مرحب به على نطاق واسع بالغرب، وانما جرى غض النظر عنه لمرحلة محددة للقضاء على داعش وعلى المعارضة السورية المسلحة ذات الصفة الاسلامية، وطالما أن ذلك الهدف قد تحقق فلن يكون التدخل العسكري الروسي موضع قبول أو صمت غربي بعد اليوم، وستزداد الضغوط المتعددة الطرق والاساليب التي يجيدها الغرب لاخراج روسيا من سوريا.

وتوحي تصريحات وزير الدفاع الروسي عن اقتراب انتهاء الدور العسكري الروسي في سوريا بوعي روسيا لضرورة تقليص وجودها العسكري وتثبيت نفوذها السياسي ومصالحها الاقتصادية.

أما تركيا فوجودها العسكري لن يكون له أي معنى اذا تم انهاء الوجود العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وطويت نهائيا اسطورة روج آفا.

تناقض الأهداف والمصالح لمختلف التدخلات الأجنبية سيجعل وجودها المشترك في سوريا مصدر قلق لها، كما سيجعل تمدد أي منها محكوما بالآخرين، وسيحتاجون جميعا للعودة لأصحاب الأرض الذين لم يستشيروهم في التدخل، وحين ذاك سيفاجئهم أصحاب الأرض أن وجودهم جميعا غير مرغوب فيه.

الوطنية السورية الجديدة سوف تخلق وتتغذى من رفض السوريين جميعا لوصاية أي طرف أجنبي أو تدخله في الشأن السوري، مثلما تكونت الوطنية السورية سابقا من رفض الاحتلال الفرنسي من كل فئات الشعب، لكن الوطنية السورية الجديدة سوف تحمل معها أيضا رائحة الحرية والكرامة والنزوع لدولة المواطنة دولة كل السوريين في استعادة تدريجية لأهداف الثورة السورية السلمية.