حين تسود الصورة وتختفي الحقيقة
الشو والتريند الإعلامي المزيف في مصر: حين تصنع الصورة وهماً وتخفي الحقيقة
في السنوات الأخيرة، تحولت مصر إلى ساحة تضج بالضوء والصور والهاشتاغات. كل مؤسسة، وكل مسؤول، وكل شركة أو مدرسة، باتت تسعى لتكون في دائرة "التريند" الإعلامي؛ لا فرق بين منجز حقيقي وآخر مزيف، فالمهم هو الظهور لا الجوهر.
تسيّدت ثقافة الشو الإعلامي المشهد، حتى صار الإعلام — في كثير من جوانبه — مرآة مصقولة تعكس بريقاً زائفاً أكثر مما تكشف حقيقة.
الشو كأداة لتجميل الواقع
لم يعد الشو الإعلامي مجرد استعراض شكلي، بل صار استراتيجية للهروب من الواقع.
في المصالح الحكومية نرى المسؤول يتفقد المكاتب وسط عدسات الكاميرات، يبتسم، ويتحدث عن "التحول الرقمي"، بينما المواطن العادي يقف في طوابير الانتظار الطويلة بلا تغيير يُذكر.
تُنشر الصور على الصفحات الرسمية، تُزخرف بالكلمات المنمقة، وتُحوَّل الزيارة الروتينية إلى "إنجاز وطني" يستحق التصفيق، بينما الحقيقة مؤجلة إلى إشعار آخر.
المدارس: تعليم عبر الكاميرا لا عبر الوعي
تغرق صفحات التعليم في مصر كل عام بصور الاحتفالات والمهرجانات والمعارض، لكن خلف هذه الصور الزاهية يقف معلم منهك، وطالب لا يجد مقعداً، وفصل بلا وسائل تعليم.
تحولت المدارس إلى مسارح دعائية تُرفع فيها الشعارات أكثر مما تُرفع العقول.
"المدرسة النموذجية" التي نراها في الصور ليست دائماً سوى ديكور إعلامي يخفي خللاً حقيقياً في جودة التعليم والانضباط.
إنه تعليم للتصوير لا للتفكير.
الشركات والمصالح الخاصة: تسويق الوهم
أما في الشركات والمؤسسات الخاصة، فالوضع لا يختلف كثيراً.
حملات ضخمة تروّج لمشاريع "عالمية"، ومؤتمرات مصوّرة تُعرض كأنها انتصارات اقتصادية، لكن وراء الكواليس نجد أداءً عادياً وربما متعثراً.
بعض الشركات أصبحت تصنع التريند قبل أن تصنع المنتج، فالأولوية ليست للجودة أو الالتزام، بل لـ"الشكل الذي يبيع".
وهكذا، باتت الدعاية تحلّ محل الكفاءة، وأصبحت الصورة أكثر قيمة من المضمون.
ثقافة المظهر بدل المضمون
أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تغرس في وعي الناس قيماً مقلوبة:
فمن يُتقن التجميل والظهور يُكافأ، ومن يعمل في صمت يُهمَّش.
أصبح النجاح يُقاس بعدد المشاهدات لا بنتائج العمل، والترقي في المناصب يعتمد على العلاقات العامة لا على الكفاءة.
تحوّل الإعلام إلى مرآة زائفة تُظهر الواجهة البراقة وتُخفي التصدعات خلفها.
نتائج كارثية على الوعي العام
المواطن فقد ثقته في كل ما يُعلن؛ لأنه يرى الفجوة بين الصورة والواقع.
المؤسسات تُنفق الملايين على الدعاية بدلاً من تطوير خدماتها.
الشباب يتعلم أن الظهور أهم من الإتقان، وأن الصوت الأعلى هو من ينتصر لا من يعمل أكثر.
ومع الوقت، يتحول المجتمع كله إلى عرضٍ طويل من التمثيل اليومي، حيث تُدار المصالح بمنطق "اللقطة" لا بمنهج الرؤية.
الخاتمة: حين يُصبح الضوء ستاراً
الشو والتريند الإعلامي المزيف ليس مجرد خلل في الأداء الإعلامي، بل هو مرض ثقافي يعكس انشغالنا بالسطح عن العمق، وبالمشهد عن الحقيقة.
لن يُصلح الواقع هاشتاغ ولا كاميرا، بل العمل الصامت النزيه، والإعلام الصادق الذي يعرض الواقع كما هو — بلا تزييف ولا بهرجة.
فالصورة قد تلمع للحظة، لكن الحقيقة وحدها هي التي تبقى.