حين تغيب الإستراتيجية في التعامل مع تغلغل الفكر السلفي

كتاب رباب كمال الجديد يعتبر أن الوصاية الدينية هي الجائزة الكبرى لمن يملك صحيح الإسلام، والصراع على من يفوز بدور ظل الله على الأرض يبرز مع اختلاف الانتماءات المذهبية والتفسيرات الفقهية.
مزايدات بين السلطة المدنية والجماعات الدينية على صحيح الإسلام
الربيع العربي ساهم في زيادة مساحة تحرك السلفية
القوامة الدينية تحيل في خطاب دعاة إلى سلطة التأديب والتبعية والطاعة

وضعت أول انتخابات تشريعية أوزارها في مصر إبّان ثورة يناير 2011، وعشيّة الأول من يناير لعام 2012 أُعلِنت النتيجة بتصدّر "حزب الحرية والعدالة "حزب الإخوان المسلمين في مصر للانتخابات، بواقع 43% من المقاعد البرلمانية، بينما حصدت الكتلة السلفية المكونة من حزب النور وحزب الأصالة وحزب البناء والتنمية على 25% من المقاعد، مع العلم أنّ كل هذه الأحزاب أُنشِئت بعد الثورة، أي أنّها في أقل من عام استطاعت أن تحصد ربع المقاعد في مجلس النواب. 
تذكر الكاتبة رباب كمال في مقدمة كتابها "القوامة الدينية في خطاب السلفية" ذلك اليوم حيث سمعت بعض الإعلاميين يستهجنون ما آلت إليه الانتخابات، ويتساءلون: كيف استطاعت الأحزاب الإسلامية والكتلة السلفية تحقيق هذه النتائج؟ وكيف استطاعت الأفكار الدخيلة أن تنتصر على المجتمع؟.

إن القوامة، في تعريفها الشائع، هي مفهوم قوامة الرجل على النساء في مقابل الإنفاق عليهنّ، لكنّ رجال الدين أو شيوخه لا يقومون بالإنفاق على المسلمين مقابل الطاعة، فمن أين تأتي فكرة قوامتهم على المسلمين

وتقول "كان السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: السلفية دخيلة على المجتمع أم أنّ النخب انعزلت مجتمعياً إلى درجة الانفصال عن الواقع؟! انتصار السلفية الحقيقي في الانتخابات التشريعية لم يكن ناجماً عن قدرة الأحزاب على الانتشار السريع، بل يعود إلى انتشار الأفكار السلفية مجتمعياً، أي "تسلف المجتمع" في المجتمعات العربية. 
وتضيف في كتابها الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود ضمن سلسلة "الإسلام السياسي المفاهيم والتصورات" أن البعض يسأل: كيف سرق الإسلاميون الثورات؟ فالإجابة هي أنّ الأرضية المجتمعية كانت في صفّهم بشكل كبير، فالسلفية لم تسرق الثورة، لكن الثقافة العامة سادها "التسلف" الذي تحدّى مشاريع الحداثة المجتمعية. 

وترى كمال أن المد السلفي في البلاد العربية له جذور أقدم بكثير من الحقبة التي تُعرف باسم الصحوة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي، ولعل أفضل من عبّر عن هذا كان الشيخ أبوإسحاق الحويني، وهو أبرز شيوخ السلفية في مصر، حين استهجن استعجاب المثقفين من نتائج الانتخابات، فردّ عليهم متهكماً: يسألوننا أين كنتم من قبل؟ جوابنا لهم أنكم كنتم في زحل ولم تروا الناس في الأسفل. وقد سبقت الانتخابات التشريعية مظاهرةٌ حاشدة يوم الجمعة 29 يوليو 2011، في ميدان التحرير في القاهرة، عُرِفت باسم جمعة الشريعة بين أنصار السلفية، بينما عُرِفت بـ"جمعة قندهار" بين جموع التيار المدني.
ولعل أهم ما قيل في جمعة الشريعة جاء على لسان أحد المتظاهرين، الذين مروا أمام الشاشة الناقلة للتظاهرة، فقال:"نحن القوامون"، وهي عبارة - وإن صدرت عفوياً-لا يُستهان بها، لأنّها تحمل في طياتها الفكر المؤسس للسلفية في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية. 
وتلفت إلى اللفظ ليس بغريب، حيث سبق له أن تردد على مسامعنا من خلال ما كتبه أحمد يوسف، وهو القيادي في حماس من خلال كتابه "الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران"، وقد "أشاد" فيه بالإمامين حسن البنا والخميني على اعتبارهما أئمة الإسلام السياسي، ثمّ استطرد قائلاً: نأمل في ظهور جمهورية أخرى للقرآن والسلطان في المستقبل، لتتحقق لأمتنا مكانة القوامة على الناس.
وتوضح كمال أن القوامة من الألفاظ الشرعية التي ارتبطت ذهنياً لدى العامة بقوامة الرجال على النساء، ويستند هذا المعتقد الراسخ إلى الآية رقم (34) من سورة النساء "الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ". وعلى الرغم من أنّ لفظ القوامة ارتبط ذهنياً بعلاقة الرجال والنساء في الإطار الشرعي، سواء أكان هذا الإطار الشرعي زيجة أم ملك يمين، لفظُ القوامة له مدلولٌ أكثر شمولاً. 
وتقول إن القوامة، في تعريفها الشائع، هي مفهوم قوامة الرجل على النساء في مقابل الإنفاق عليهنّ، لكنّ رجال الدين أو شيوخه لا يقومون بالإنفاق على المسلمين مقابل الطاعة، فمن أين تأتي فكرة قوامتهم على المسلمين؟ هنا يمكننا القول: إنّ طاعة المشايخ والأئمة هي الطريق إلى الفردوس الأعلى، والعتق من جهنم في نظر الجماهير من العوام. وهنا يتخذ مفهوم القوامة الدينية في خطاب بعض الدعاة شكلًا كهنوتياً بدرجات متفاوتة، على حسب التأثير المجتمعي والتأثير في صياغة القوانين المدنية، قد يصل هذا التأثير في بعض البلاد -ذات الأغلبية الإسلامية- إلى سلطة التأديب، في حالة اعوجاج المجتمع، تماماً كما يؤدّب الرجل نساءَه في حالة اعوجاجهنّ "بحسب تفسير الطبري"، أو يصل إلى حدّ التسلط على المجتمع، تماماً كما الحال بالنسبة إلى الرجل الذي يحقّ له أن يكون مُسلطاً على تأديب نسائه "بحسب تفسير البغوي". وهنا مقاربة واضحة، فالقوامة الدينية هي قوامة الفقيه على المسلمين، تماماً كما يكون الرجل قواماً على نسائه، فالقوامة فكرة ترتكز على التبعية والطاعة. 
وتضيف "هكذا تشكّل وعي الجمهور بأنّ الفقية قوّامٌ على المسلمين في دار الإسلام، ومن هنا كان العقل الجمعي للجماهير يتساءل دائماً عن رأي الدين "طلب الفتوى" في أبسط أمورهم الحياتية منذ قديم الأزل حتى الألفية الثالثة، وهذا الرأي الديني ليس استشارياً بالضرورة، بل يُصبح في بعض الحالات شرطاً لتمرير التشريعات المدنية في مجالس النواب في البلاد الإسلامية، فحين ُتناقش قوانين للأحوال الشخصية من زواج وطلاق وتنظيم للنسل مثلاً، أو قوانين تتعلق بالعلوم والطب والتجارب السريرية... إلخ، تُناقش في إطار عدم مخالفتها للنص الديني، قبل مناقشتها في إطار احتياجات المجتمع وتطوره، فيتم تطريز القوانين بما لا يخالف رداء الشريعة. 
وتتساءل كمال أن مفهوم القوامة الدينية، وهو مفهوم أقرب إلى وصاية رجال الدين على المجتمعات. لكن من يملك القوامة الدينية في الخطاب الإسلامي؟ وتتابع "القوامة أي الوصاية الدينية في الخطاب الديني الإسلامي هي الجائزة الكبرى لمن يملك صحيح الإسلام، ولكل فئة من رجال الدين صحيح إسلام مختلف عن صحيح الآخرين، بحسب الانتماءات المذهبية والتفسيرات الفقهية، ومن هنا ينشأ الصراع على من يحظى بدور ظل الله على الأرض، وهو مبدأ كهنوتي بصبغة إسلامية، ويُعدّ من الخطأ أن نعتقد أنّ النزاع على صحيح الإسلام قاصر على رجال الدين والمشايخ، بل امتد إلى السلطة في الحكومات المدنية، التي تتخذ من الإسلام مرجعية تشريعية، ولهذا فإنّ البحث في خطاب القوامة الدينية على المجتمع وخطاب القوامة الدينية في خطاب السلفية بشكل خاص، يجب ألا يتم دون فهم آليات البيئة السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها. فكثيراً ما تُمارس القوامة الدينية على المجتمعات الإسلامية في إطار تعاون واضح بين السلطة الحاكمة والمؤسسات الدينية الحكومية التابعة لها أو الجماعات الإسلامية المداهنة لها. وفي حالات أخرى، تسعى بعض الجماعات الدينية إلى مناطحة السلطة واتهامها بأنّها لا تطبق صحيح الدين. ومن هنا تبدأ المزايدات بين السلطة المدنية والجماعات الدينية على صحيح الإسلام، والصراع على احتكار صحيح الإسلام ليس انتصاراً للدولة المدنية، بل هو انتصار لفكرة الخلافة الإسلامية. 
تقسم كمال كتابها إلى أربعة أبواب: أولها الفكر المؤسس للسلفية، ثانيها السلفية في ميزان الصحوة الإسلامية، ثالثها السلفية المعاصرة ومبدأ المواطنة الطاغوتية، وآخرها السلفية الجهادية وتطويع الألفاظ القرآنية لخدمة الغزوات المعاصرة. 
وتشدد كمال على أن خطاب السلفيّة يستند إلى مفهوم القوامة الدينية على المجتمع، ويصنع من نفسه ظلاً لله على الأرض، سواء أكان خطاب ولاة أم خطاب معارضة للسلطة، لذا تسيطر على أدبيات السلفية ذهنية ديار الإسلام، أي أنّ حقوق غير المسلمين مرهونة بقواعد ديار الإسلام، كما أن حقوق المرأة مرهونة بالقواعد ذاتها. السلفية المسالمة في عقل جموع الجماهير هي السلفية التي تحتكم إلى ضوابط التكفير وتتركها في يد أولي الأمر. أما السلفية الجهادية فتأخذ بزمام المبادرة لتنفذ الأحكام. إلا أنّ كليهما يتمسّك بفلسفة محاربة الطواغيت ويشرّعان أحكام الردة، لكنهما يختلفان في منهجية التطبيق. التيارات السلفية لا تواجه المجتمعات المدنية أو الحكومات العربية وحدها، ولكنّها تواجه التيارات السلفية المنافسة، كلٌّ يتنافس على صحيح السلفية ليتبوأ مكانة الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية.
وتشير إلى أنه ربما تختلف السلفية المؤيدة للسلطة والمعارضة لها، بحيث ترى الأولى أن الحكام ليسوا من الطواغيت، وعلى العامة طاعة أولي الأمر منهم، بينما ترى الثانية أن الحاكم بغير أمر الله يعيد إلى أمة الإسلام زمن الجاهلية، إلا أن بينهما قاسماً مشتركاً، ألا وهو رؤيتهما للمجتمع الذي لابد ألا يترك لهواه، ومواقفهما من المفكرين أو المدافعين عن الدولة المدنية تكاد تكون متطابقة. وتستغل السلفية المؤيدة لأي سلطة عربية حزمة القوانين التي تتيح لها فرصة تحريك القضايا القانونية مثل قضايا ازدراء الأديان ضد الأدباء والمفكرين والفنانين، متسلحين بشحذ همم العامة من الجماهير بهدف نصرة الإسلام، وغالباً ما توائم السلطة مصالحها مع التيارات السلفية المؤيدة لها التي لا تخرج عن دورها أو الحدود التي لا يجب أن تتخطاها. سواء أكان ذلك في بلد تحكمه السلفية بشكل مباشر كما السعودية أم بلد تحكمه الشريعة الإسلامية برؤية مختلفة عن السلفية مثل مصر والمغرب، فمصر تعلن كثيراً عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، وتؤكد على دور المثقف في هذا الإطار، إلا أنّ المثقف قد يواجه بقانون ازدراء الأديان من السلطة ذاتها التي تدعوه لتجديد الخطاب الديني والاجتهاد في تنوير العقول. 
وتنبه كمال إلى أن ما يعرف باسم الربيع العربي ساهم في زيادة المساحة التي تتحرك فيها السلفية، فانتقلت بعض التنظيمات السلفية من العمل الدعوي إلى العمل السياسي، وعلى جانب آخر ازدادت شوكة السلفية الجهادية في المناطق التي تأثرت أمنياً إبان موجة الثورات العربية. وقد تعامل الإعلام العربي - دون تعميم - مع السلفية تباعاً من منطلق ظاهرة الفقاعات، أي عَدّها ظاهرة حديثة غير مؤصلة، وسيطرت على الإعلام مصطلحات تنم عن القراءة السطحية، مثل عبارة الهجمة الوهابية على البلاد العربية، دون التأصيل والنظر إلى جذور السلفية في الفكر الإسلامي أو مدى انتشارها الفعلي بين القواعد الجماهيرية. فهذه الجذور مثلت البيئة الحاضنة التي سمحت للمد السلفي التوحيدي الوهابي بشق طريقه، بما توافر له من أموال الفورة النفطية، أي أنّ البيئة في نواتها الأولى كانت مهيأة. المعضلة الأكبر للسلفية هي القواعد الجماهيرية ذات الهوى السلفي، وتختلف هذه القواعد من بلد إلى آخر، لهذا نجد أنّ السلفية تنشط كلّما وجدت ظهيراً شعبياً يؤازرها. 
وتخلص كمال إلى أن تناول الإعلام والنخب المثقفة - دون تعميم - مسألة السلفية بشيء من التمنيات بالزوال، وخاصة في مصر، بعدما سيطر الجيش على سدة الحكم من جديد. لم تهتم كثيراً تلك النخب - دون تعميم - بمشكلة تسلف الثقافة والتعليم والمؤسسات الحكومية بل تسلّف بعض منظمات المجتمع المدني. كما رأت هذه النخب أنّ المواجهة المباشرة مع السلفية من خلال المناظرات التلفزيونية هو سبيلها للمواجهة، وبكلّ تأكيد استفادت البرامج التلفزيونية والمدونات الرقمية وصفحات التواصل التنويرية، التي تسعى لنشر ثقافة التعددية الثقافية والدينية، من التحولات التي أتاحها الإعلام الرقمي، إلا أنّ الاستراتيجية في التعامل مع تغلغل الفكر السلفي في القواعد الجماهيرية مازال غائباً عن المجتمع المدني بداية من تطويع القوة الناعمة انتهاءً بتبني المشاريع التنموية، حتى لا تنفصل تلك النخب عن القواعد الجماهيرية، ودون أن يغيب عنها أنّ الاقتصاد هو من المحركات الأولى للشعوب. وعليه قد تتبنّى هذه النخب، في إطار مواجهتها للسلفية، بعض القضايا التحررية التي لا تهم القطاعات العريضة من الجماهير. هذا لا يعني التخلي عن قضايا الحقوق والحريات والمساواة، فهذا أمر لا مفرّ منه، لكن يعني احتياج النخب إلى رسم خطوط متوازية للعمل والاشتباك الجماهيري في مسائل تنموية على مستوى أكبر. وهو ما قد يتطلّب عقوداً طويلة ليأتي بمردوده.