خرائط الأعماق وشرايين البر... الشرق الأوسط في مهب الاستقطاب الصامت

الشرق الأوسط لم يعد مفعولاً به بل تحول إلى لاعب يمتلك أوراق ضغط نوعية في الجغرافيا والطاقة.

شهدت العاصمة الصينية بكين فصلاً جديداً من فصول الصراع الدولي المكتوم في قمة ثنائية جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، ورغم مساعي التهدئة وصفت التقارير الاستراتيجية اللقاء بقمة الجمود المستمر، معلنةً دخول النظام الدولي مرحلة تثبيت الحرب الباردة الاقتصادية الجديدة.

لقد جاء اللقاء بغرض إدارة النزاع وشراء الوقت لا لحل الأزمات الهيكلية كحرب أشباه الموصلات وملف أمن تايوان وعقد الرسوم الجمركية. هذا الجمود يمثل زلزالاً جيوسياسياً يعيد رسم خرائط النفوذ وسلاسل التوريد عبر العالم وصولاً إلى تفاصيل الشرق الأوسط الحيوية في الخليج، وتركيا، وثنايا التوازن الدستوري والاقتصادي بين بغداد وأربيل.

كشفت كواليس قمة بكين عن عجز كامل في زحزحة الخطوط الحمراء وتحول النزاع إلى معركة صفرية حول السيادة التكنولوجية المطلقة والنفوذ الجيوسياسي في محورين، أولهما حرب العقول الإلكترونية، حيث تقف القيود الأميركية الصارمة على تصدير الرقائق المتقدمة وأدوات الذكاء الاصطناعي إلى الصين في مواجهة سياسة حمائية صينية مضادة تقيد تصدير المعادن النادرة الحيوية للصناعات الدفاعية الغربية، وثانيهما الاستقطاب الإجباري حيث تسعى كل قوة لفرض نظامها الحمائي مما يضع القوى الناشئة أمام معضلة اختيار وجودية إما الانخراط في البنية الرقمية وشبكات الجيل الخامس الصينية الرخيصة أو الالتزام بالمنظومة الأمنية والمالية الغربية.

يتجلى الفشل الأبرز للقمة في العجز الأميركي عن حلحلة العقدة الإيرانية، إذ باءت محاولات واشنطن لتوظيف السحر الصيني كركيزة ضغط بكبح طهران بالفشل أمام تمسك بكين بحلفائها وتواجه واشنطن مأزقاً يقلص مناورتها نتيجة تداخل المصالح وتمدد النفوذ الصيني-الروسي المشترك، المدفوع بأربع ركائز صينية صلبة لدعم طهران.. أولها فخ التطويق الجيواقتصادي لقناعة بكين بأن استهداف إيران يمهد لتطويق الصين وعزلها عن مصادر الطاقة، وثانيها الأمن القومي المتشابك لإدراك الصينيين أن أي تغيير في موازين القوى الإقليمية يمس أمنهم القومي مباشرة، وثالثها الاعتماد الاقتصادي المتبادل لحاجة التنين الصينية الماسة لقطاع الطاقة الإيراني كمورد مستقل بعيداً عن الهيمنة والمقاصة الأميركية، ورابعها رغبة الصين في حماية تدفق خطوط تجارتها الدولية. وفي هذا السياق تلعب بكين دور الحارس الصامت لأمن الملاحة في مضيق هرمز مستغلة الانكفاء الأميركي لتقديم نفسها كبديل عبر مشاريع طريق الحرير الرقمي المائي في مياه الخليج وبحر العرب في المقابل تضغط واشنطن لمنع عواصم المنطقة من منح بكين موطئ قدم استخباري في عصب الاتصالات العالمي تحت الماء واضعة الأمن السيبراني كشرط أساسي لاستمرار التعاون العسكري المشترك.

لم تعد دول المنطقة تنظر إلى علاقاتها الدولية من منظور أحادي بل تتبنى استراتيجيات قائمة على التوازن الحذر وعقيدة الواقعية النفعية، ففي المحيط الخليجي تتقاطع المصالح مع الغرب في الضمانات الأمنية وصفقات السلاح وحماية كابلات الأعماق الرقمية ومع الشرق في استيعاب الصادرات النفطية والاندماج في طريق الحرير البحري والتقني وتكمن خطورة هذا الموقف في المفاضلة المفروضة بين تكنولوجيا الصين ودعم أمريكا العسكري والاستخباراتي، وعلى المقلب الآخر تمثل الدولة التركية عقدة جغرافية فريدة تتلاقى مع الغرب في الحفاظ على الهوية الأطلسية الناتو وتأمين أسواق التصدير كشريان طاقة بديل ومع الشرق في جذب الرساميل والاستثمار في البنى التحتية دون شروط سياسية وتبرز خطورتها في احتمالية التعرض لعقوبات ثانوية أمريكية إذا تجاوزت الخطوط الحمراء في التسهيلات المالية لتخفيف الضغط عن المسارات الخاضعة للعقوبات.

وفي ذات الدائرة يرتبط العراق وإقليم كردستان بالغرب في ملفات الدعم الأمني والاستقرار الدستوري وضمان سلامة المنظومة المصرفية من العقوبات، بينما تمثل الصين المشتري الأول للنفط والمقاول الأكبر لمشاريع الإعمار والاتصالات الرقمية مما يهدد بتحويل الساحة لحلبة تصفية حسابات تضغط فيها واشنطن بالدولار وتستحوذ بكين فيها عيناً على التجارة.

يقف العراق بخصوصيته الاستراتيجية في قلب هذا الصراع، فالصانع القرار في بغداد يواجه معضلة خانقة حيث تعد الصين المستهلك الأكبر لنفطه والمهيمنة على قطاع البناء، بينما تمسك الخزانة الأميركية بمفاتيح النظام المصرفي وحسابات الدولار مما يجعل أي اندفاع غير مدروس شرقاً سبباً لعقوبات مالية مدمرة تخنق الدولة مالياً.

على الجانب الآخر، يمتلك إقليم كردستان في هذه اللحظة قوة استراتيجية كامنة، فمع عسكرة المضائق البحرية: باب المندب وهرمز وتراجع البدائل الإيرانية نتيجة العقوبات والتمسك الصيني الحمائي، تبرز خطوط الأنابيب البرية في الإقليم نحو تركيا كأحد أهم الشرايين السيادية البديلة لأمن الطاقة الأوروبي، مما يمنح أربيل ثقلاً ديبلوماسياً كلاعب موثوق دولياً.

إلا أن هذه القوة الجيوسياسية تواجه تحدي الهشاشة الفنية متمثلاً في القيود القانونية والمالية لبنود الموازنة في بغداد حيث إن حل معضلة أجور نقل النفط والشركات العالمية في الإقليم ليس تفصيلاً فنياً بل معركة حقيقية للحفاظ على هذه القوة الكامنة وتوظيفها لتعزيز الاستقرار الاقتصادي للبلاد بدلاً من تعطيل الثروات في توقيت دولي حرج.

بناءً على معطيات قمة بكين، تبرز ثلاث سيناريوهات للمرحلة المقبلة:

سيناريو الصمود والافتراق المرن، وفيه تنجح دول الخليج وتركيا ومعادلة بغداد-أربيل في الحفاظ على شعرة معاوية عبر استخدام التحوط الجيواقتصادي، بحيث يتم تسييل النفط برياً والاحتفاظ بالمنظومة التقنية الغربية في المؤسسات السيادية الحساسة لتجنب المقصلة الأميركية.

سيناريو الانزلاق والاستقطاب الصِفري، وفيه تضغط واشنطن بحدة عبر سلاح الدولار والعقوبات الثانوية، مما يجبر عواصم المنطقة على الاختيار الصارم، وهو ما قد يؤدي إلى شلل مشاريع الطاقة البرية في العراق وتركيا إذا ما صُنفت كمسارات تسهل الالتفاف المالي لصالح الشرق.

سيناريو الممرات الإجبارية المرجح، وفيه تفرض الجغرافيا البرية للإقليم وتركيا نفسها كطوق نجاة دولي متبادل؛ فالغرب سيغض الطرف عن التحركات الاقتصادية الإقليمية مع الشرق شريطة تسييل أمن الطاقة برياً صوب أوروبا، مما يمنح أربيل وبغداد فرصة ذهبية لفرض خصوصيتهما الدستورية والسياسية كشريان عالمي لا يمكن الاستغناء عنه.

خلاصة القول، تثبت القراءة الفاحصة أن الشرق الأوسط لم يعد مفعولاً به بل تحول إلى لاعب يمتلك أوراق ضغط نوعية في الجغرافيا والطاقة، إن نجاح دول المنطقة في الصمود أمام إعصار الحرب الباردة الاقتصادية يعتمد كلياً على صياغة مفهوم السيادة المرنة، وهي السيادة التي لا تبيع الأمن للغرب ولا ترهن الاقتصاد للشرق بل تصنع من جغرافيتها وممراتها البرية طوق نجاة دولي يجبر الكبار على احترام خصوصيتها الدستورية والسياسية مهما بلغت حدة الصراع الصفرية بين البيت الأبيض والمدينة المحرمة.