خرائط التجمعات الهشة أكثر عرضة لتهديدات كورونا

محمد عز العرب يضع رؤية متكاملة لخريطة الفئات المجتمعية الهشة بالشرق الأوسط في مواجهة فيروس كورونا.


السجون ومراكز الاحتجاز تعد أحد أكبر الأماكن نقلاً للعدوى بين الأفراد نظرا لاكتظاظها بأعداد كبيرة


أعداد المهاجرين الموجودة في إيطاليا والمنحدرة معظمها من الدول الإفريقية تتحول إلى تجمع جديد يتفشى عبره الفيروس

أعادت جائحة كورونا تشكيل الجغرافيا السياسية للدول لتتضح التباينات بين المناطق القابلة للسيطرة في مواجهة تفشي الفيروس والنقاط الرخوة التي تضم فئات مجتمعية هشة أكثر عرضة لتهديدات الإصابة، وتتمثل أبرز تلك الفئات الأكثر ضعفا في المحبوسين في السجون، ومخيمات اللاجئين ومناطق النزوح، والمدنيين والعسكريين بمناطق الصراعات المسلحة، والعالقين في المطارات والمنافذ الحدودية والمناطق العشوائية.
وفي هذا الإطار، جاءت الدراسة التي أعدها د.محمد عز العرب رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وأصدرها "المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة" بأبوظبي بعنوان "جغرافيا الانكشاف: خرائط التجمعات الهشة في الشرق الأوسط خلال جائحة كورونا"، حيث رأت أن تضرر عدد من الفئات الهشة مجتمعيا من مضاعفات فيروس كورونا أدي إلى العديد من الانعكاسات سواء على مستوى الأوضاع الداخلية أو التفاعلات البينية في الشرق الأوسط، ومنها: دعم شرعية النظم السياسية الحاكمة بعد الجدية في مواجهة كورونا، وتعزيز اتجاه التعاون في العلاقات العربية والإقليمية البينية بعد قيام دولة مثل الإمارات بإجلاء رعايا دول أخرى، مع التكفل بعلاجهم في المدينة الإنسانية بأبوظبي، واستمرار التأزيم في علاقات بعض الدول العربية مع إيران، وبروز خيار المساومة في العلاقات الإقليمية وتعبر عنه السياسة التركية بتوظيفها ملف اللاجئين.
يضع د.عز العرب رؤية متكاملة لخريطة الفئات المجتمعية الهشة في مواجهة فيروس كورونا، والسياقات الحاضنة الداخلية والخارجية لتأثرها بالمرض مقارنة بالفئات المجتمعية الأخرى، خاصة في ظل معوقات هائلة تتعلق بإغلاق الحدود وحظر الطيران وفرض الحجر الصحي على المستوى العالمي، والسياسات التي اتبعتها الحكومات والمنظمات الدولية الرسمية والمنظمات الدولية الإغاثية غير الحكومية لتقليص تأثر المهمشين بالفيروس. 

الســيطرة علــى معــدلات الإصابــة والوفيــات في مراحــل مبكــرة مــن خــلال إجــراءات وقائيــة تســتهدف التعامــل الاســتباقي مــع انتشــار الفـيـروس، بالتــوازي مــع إجــراءات المواجهــة في مراحــل الانتشــار في البــؤر الأكثر تضررا من تفشي فيروس كورونا

ويرى أن السجون ومراكز الاحتجاز تعد أحد أكبر الأماكن نقلاً للعدوى بين الأفراد نظرا لاكتظاظها بأعداد كبيرة، ويقول "تتصاعد المخاوف من انتشار مرض كورونا في السجون داخل بؤر الصراعات المسلحة العربية، ومنها ليبيا واليمن وسوريا. فعلى سبيل المثال، يواجه المعتقلون في السجون التي تقع تحت سيطرة ميليشيا الحوثي في اليمن خطر الإصابة بكورونا في ظل تدهور القطاع الصحي وغياب الرعاية اللازمة للسجناء. حيث تشير بعض التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية إلى أن ميليشيا الحوثي تدير 203 سجون، بينها 78 سجنا رسميا، و125 معتقلا سريا، إضافة إلى استحداث سجون سرية خاصة في بدرومات المؤسسات الحكومية، كما أنها حولت مقرات النقابات المهنية والأندية الرياضية إلى معتقلات تحتجز فيها خصومها السياسيين والاعلاميين والنشطاء الحقوقيين.
وتتبع د.عز العرب ما قامت به نظم كل من سوريا وليبيا والعراق والمغرب وتونس وإيران وتركيا من عمليات إطلاق سراح لبعض السجناء والمحكومين، لافتا إلى أن حزب العدالة والتنمية في تركيا وحليفه حزب الحركة القومية قدم في 31 مارس/آذار 2020 حزمة تعديلات قانونية تستهدف الافراج عن 90 ألف نزيل بالسجون، ووضعهم قيد الاقامة الجبرية في منازلهم، في إطار التدابير التي تتخذها الحكومة التركية لمواجهة تفشي فيروس كورونا، حيث إنه يوجد نحو 300 ألف سجين في 375 مركز إصلاح في جميع أنحاء تركيا وهو ما يفوق قدراتها الاستيعابية، حيث تضاعفت أعداد السجناء عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016.
وأشار إلى أن أعداد المهاجرين الموجودة في إيطاليا والمنحدرة معظمها من الدول الإفريقية، وبصفة خاصة ليبيا؛ معرضة بشكل خاص لأن تتحول إلى تجمع جديد يتفشى عبره الفيروس، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه يسافر نحو 82% من المهاجرين إلى أوروبا عبر الممر البحري بين ليبيا وإيطاليا، ووصل إلى إيطاليا 492841 لاجئا ومهاجرا بالزوارق بين يناير/كانون الثاني 2015 ومارس/آذار 2020، ونظرا لحد تفشي الفيروس في إيطاليا، ثمة تخوف من أن تكون الشرائح السكانية الضعيفة هي الأكثر تضررا منه. ومن ثم يصبح المقيمون في ملاجئ إيطاليا أكثر عرضة لخطر الإصابة بكورونا من سواهم، وهو ما يمكن إرجاعه إلى تدهور الظروف المعيشية لهم، إذ قد يعيش ما يقرب من عشرة أشخاص في الغرفة الواحدة في أحد مراكز اللاجئين، وخاصة في جنوب البلاد، وهو ما يستحيل معه تطبيق تدابير السلامة الصحية والتباعد الاجتماعي الموصي بها، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك ًنقصا في المياه الجارية والمواد المعقمة في تلك المراكز. وقد دفعت تلك الظروف وزيرة الداخلية لوتشيانا لامورجيزي إلى المطالبة بخطة تشمل إعادة توزيع هؤلاء على المراكز المختلفة المنتشرة في إيطاليا، كمحاولة لتخفيف الضغط على مراكز الإيواء المتواجدة عند الخطوط الأمامية.
وأضاف عز العرب أن القاطنين في مخيمات اللاجئين داخل سوريا أكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا، فوفقا لممثل منظمة الصحة العالمية في سوريا فإن عددا كبيرا من السكان مهدد في مخيمات اللاجئين والمناطق العشوائية على مشارف المناطق الحرية الكبيرة، وأنه في حال أخذ السيناريو الذي حدث في الصين أو حتى إيران؛ فإنه من المتوقع اكتشاف عدد كبر من الحالات.
وقال إن الأمر يتضح جليا في مخيمات اللاجئين السوريين بلبنان، ومخيم الزعتري للاجئين بالأردن، الذي يضم حوالي 80 ألف سوري، ومخيم الأزرق، وقد واجه المخيمان تحديا خلال فترة ما بعد تفشي كورونا في كيفية إيجاد مسافة فاصلة خلال طوابير الانتظار لتوزيع المواد الغذائية اليومية. وقامت السلطات اليونانية، بعزل مخيمي "مالاكاسا" و"ريتسونا" للاجئين بالقرب من العاصمة أثينا، بسبب اكتشاف حالات إصابة بفيروس. وفي هذا السياق، يمكن القول إن كورونا يفاقم أزمة اللاجئين في إدلب شمال غرب سوريا والجزر اليونانية، بشكل خاص، وهو نتاج الحرب السورية، لا سيا في ظل نقص حاد في المخيمات ذات التدفئة المناسبة والمياه، والمرافق الصحية، والأغذية، والحماية من الهجمات، فضلا عن مشكلة الازدحام المفرط، وعدم كفاية الوصول إلى الخدمات الطبية، والرعاية النفسية والاجتاعية، وهنا، قد يتعايش اللاجئون السوريون مثلاً مع المخاطر التي يتعرضون لها بما فيها احتمال الإصابة بكورونا.

وفيما يتعلق بالنازحين من البؤر الموبوءة ومناطق الصراعات المسلحة قال د.عز العرب: يواجه النازحون قسرا من المناطق المنتشر بها الفيروس، أو الفارون من نيران الصراعات المسلحة، مشكلات لا أول لها من آخر فيا يتعلق بالحصول على الرعاية الصحية اللازمة. ومن يعبر عن هذه الفئة نازحو شرق الفرات في شمال شرق سوريا، خاصة القاطنين في مخيم واشوكاني، الذي يبعد نحو 12 كم غرب مدينة الحسكة وتقوم الإدارة التابعة لقوات سوريا الديمقراطية عبر مكبرات الصوت بحملات توعية للتحذير من كورونا. وعلى الرغم من وجود حظر داخل المخيم، فإن دورات المياه تتسم بعدم النظافة. وتمثل أيضا منطقة إدلب الحدودية ً الصغيرة المكتظة بالسكان في سوريا، والتي تضم الآن مئات آلاف المشردين النازحين داخليا مع مأوى غير مناسب، بيئة محفزة لانتشار كورونا.
وأضاف: أيضا من بين أكثر الفئات تعرضا للإصابة بالعدوى قاطنو المناطق العشوائية وتشمل هذه الفئة العشوائيات في قلب العواصم المركزية وعلى أطراف المدن، حيث تفتقد الأخيرة البنية التحتية والخدمات الأساسية، وخاصة ما يتعلق بالرعاية الصحية والتحصين ضد العدوى. وتنتشر بهذه المناطق التجمعات البشرية والأسواق الشعبية بما يجعلها مكانا لنقل العدوى، بخلاف المناطق التي تشتهر بفرز وتجميع القمامة والنفايات المنزلية، الأمر الذي يشير إلى تعرض جامعي القمامة الهواء والملامسة المباشرة للأجسام الملوثة، وبسبب صمود وبقاء الفيروسات على الأسطح الصلبة لساعات طوال وحتى لعدة أيام كما ذكرت بعض الدراسات العلمية.
ولفت عز العرب إلى ازدياد المخاوف من إصابة القاطنين في بؤر الصراعات المسلحة، وخاصة في الشرق الأوسط، على نحو يتضح جليا، في ليبيا واليمن وسوريا، نظرا لانعدام الشفافية من قبل الأطراف المسيطرة أو الميليشيات المسلحة أو مجالس الحكم المناطقية في بيانات المنظمات الصحية التابعة لها حول تفشي الوباء بمناطق سيطرتها، حيث تتعمد إرسال بيانات غير دقيقة لمنظمة الصحة العالمية، وقد يعود ذلك إلى عدم القدرة من قبل الحكومات على الوصول لتلك الفئات في مناطق إقامتها، فضلا عن الانشغال بتفاعلات الصراع في البؤر المسلحة بما يؤدي إلى تراجع الانشغال بهاجس الإصابة بمرض كورونا، لأن أقصى مدى يمكن أن يصل إليه الآخر هو الموت الأمر الذي يتعرض له لحظيا الليبيون سواء ضمن الأطراف المسلحة أو القوى المدنية.
ورأى د.عز العرب أن صعود اتجاهات المساومة في السياسة الخارجية للقوى الإقليمية عبرت عنه سياسة الحكومة التركيــة بتوظيفهــا أوضــاع اللاجئــين العالقيــن بالمناطــق الحدوديــة لتعزيــز المخــاوف لــدى دول الاتحــاد الأوروبي مــن المخاطــر الصحيــة التــي قــد تتعــرض لهــا. وعلــى الرغــم مــن أن ذلــك التوجــه كان نهجــا ثابتا خــلال الســنوات العشــر الماضيــة، خاصــة بعــد أن تحولــت الثــورات إلى صراعــات مســلحة ممتــدة؛ إلا أنــه تزايــد بعــد تفشــي فــيروس كورونــا، حيــث يســعى النظــام الحاكــم في أنقــرة للحصــول علــى مكاســب سياســية وماليــة، لا ســيما وأن الاتحــاد الأوروبي يــرى أن تركيــا تمثــل دولــة التحكــم في نقــاط الدخــول الرئيســية للهجــرة غــر النظاميــة إلى الاتحــاد.
وخلص د.عز العرب إلى أن سياســات التعامــل مــع تهديــدات فـيـروس كورونــا المتزايــدة للفئــات والقطاعــات المجتمعيــة الهشــة كشفت عــن اتجاهــات التكامــل بــين المؤسســات الرســمية والمنظــمات غــر الحكوميــة والمنظــمات الدوليــة الحكوميــة لحمايتهــم مــن تفشــي الفــيروس، والســيطرة علــى معــدلات الإصابــة والوفيــات في مراحــل مبكــرة مــن خــلال إجــراءات وقائيــة تســتهدف التعامــل الاســتباقي مــع انتشــار الفـيـروس، بالتــوازي مــع إجــراءات المواجهــة في مراحــل الانتشــار في البــؤر الأكثر تضررا من تفشي فيروس كورونا.