خلاف حول رئاسة المفوضية يفاقم أزمة ليبيا السياسية

الخلاف حول رئاسة المفوضية ليس سوى حالة من أعراض أزمة أعمق، تتعلق بطبيعة النظام السياسي المنشود وبغياب إرادة حقيقية لتغليب منطق الدولة على منطق النفوذ.

طرابلس - دخلت الأزمة السياسية الليبية فصلاً جديدًا من التعقيد، مع تصاعد الخلاف بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب حول رئاسة مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في بلد لم يغادر مربع الانقسامات منذ إسقاط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، ولا يبدو أنه في طريقه القريب إلى تسوية شاملة، في ظل استمرار هيمنة منطق الغنيمة والنفوذ على حساب منطق الدولة المدنية والمصالح العليا لليبيين.

وأعاد تصويت المجلس الأعلى للدولة، لاختيار صلاح الكميشي رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، الجدل مجددًا حول مستقبل العملية الانتخابية ومسار خريطة الطريق السياسية، فقد حصد الكميشي 63 صوتًا مقابل 33 لمنافسه العارف التير، في جولة ثانية شارك فيها 103 أعضاء من أصل 107، في خطوة اعتبرها أنصار المجلس الأعلى للدولة إجراءً قانونيًا يندرج ضمن صلاحياته، بينما رأى فيها خصومه تعميقًا لحالة الانقسام المؤسسي القائم.

ويشغل الكميشي حاليًا منصب مدير إدارة العمليات بالمفوضية، وسبق له تولي إدارة مكتب التخطيط والمتابعة، ما يمنحه، وفق داعميه، خبرة فنية وإدارية في إدارة الاستحقاقات الانتخابية، غير أن هذه الحجج لم تقنع مجلس النواب الذي عبّر رئيسه عقيلة صالح عن رفضه الصريح لتغيير رئيس المفوضية الحالي عماد السائح، معتبرا أنه "لا مبرر" لهذا الإجراء في هذه المرحلة الحساسة.

وأكد صالح، في تصريحات تلفزيونية أن رئيس وأعضاء مجلس المفوضية يتمتعون بخبرة كافية، مستشهدًا بما وصفه بنجاح المفوضية في تنظيم الانتخابات البلدية خلال العام الماضي ومشددا على ضرورة الحفاظ على استقرار المؤسسات القائمة بدل الدخول في تغييرات من شأنها إرباك المشهد وزيادة حالة عدم اليقين. كما ربط موقفه بالخلاف الأوسع حول خريطة الطريق السياسية، معتبرًا أن أي تغيير أحادي الجانب يمثل تجاوزًا للتوافقات السابقة.

وأعاد صالح التذكير باتفاق بوزنيقة، معتبرا أنه جرى تعطيله رغم التنازلات التي قدمها مجلس النواب "من أجل مصلحة البلاد"، ومن بينها السماح بتولي منصب محافظ المصرف المركزي من غرب ليبيا خلال أزمة أغسطس/اب 2024، رغم أن المنصب كان من نصيب الشرق.

وشدد على ضرورة تنفيذ الاتفاق كاملا كما هو، أو الإبقاء على المؤسسات الموحدة الحالية إلى حين تجاوز المرحلة الراهنة، في إشارة إلى رفض أي مقاربة انتقائية للتفاهمات السياسية.

ويعكس هذا الخلاف حول المفوضية عمق الأزمة الليبية، حيث لم تعد المؤسسات مجرد هياكل إدارية، بل تحولت إلى أدوات صراع سياسي بين مراكز قوى متنافسة، فالمفوضية، بوصفها الجهة المعنية بإدارة الانتخابات، تمثل بوابة أساسية لإعادة تشكيل الشرعية، وهو ما يفسر شدة التنازع حول قيادتها وتوقيتها، في ظل غياب توافق وطني جامع حول قواعد اللعبة السياسية.

على الصعيد الدولي، أعادت المبعوثة الأممية إلى ليبيا التذكير، مع تصاعد الخلاف بين المجلسين منذ الثلاثاء الماضي، بما ورد في إحاطتها أمام مجلس الأمن بتاريخ 19 ديسمبر/كانون الأول، مؤكدة عزمها طرح "آلية بديلة" في حال فشل المجلسين في التوصل إلى توافق بشأن استحقاقات خريطة الطريق.

ويعكس هذا الموقف تنامي القلق الدولي من تعثر المسار السياسي، ومن احتمال انزلاق البلاد إلى مرحلة جديدة من الجمود، أو حتى التصعيد غير المحسوب.

غير أن الرهان على آليات بديلة لا يخلو من مخاطر، في ظل حساسية المشهد الليبي ورفض قطاعات واسعة لأي حلول تُفرض من الخارج دون توافق داخلي. كما أن استمرار الانقسام بين مجلسي النواب والدولة وتوظيف الخلافات القانونية والمؤسسية في الصراع السياسي، يضعف فرص إجراء انتخابات تحظى بقبول واسع، ويكرّس حالة الانتقال الدائم التي أنهكت الدولة والمجتمع.

ولا يبدو الخلاف حول رئاسة المفوضية سوى عرض من أعراض أزمة أعمق، تتعلق بطبيعة النظام السياسي المنشود، وبغياب إرادة حقيقية لتغليب منطق الدولة على منطق النفوذ. وبين مؤسسات منقسمة، وخارطة طريق متعثرة، وضغوط دولية متزايدة، تبقى ليبيا أسيرة حلقة مفرغة من الأزمات، يدفع ثمنها المواطن الليبي الذي ما زال ينتظر دولة موحدة، وانتقالًا سياسيًا ينهي أكثر من عقد من عدم الاستقرار.