خلاف مصر وإثيوبيا يمتد إلى منافذ البحر الأحمر
اديس أبابا – عاد الجدل بين القاهرة وأديس أبابا إلى الواجهة بعد اتهامات إثيوبية للقاهرة بمحاولة عرقلة مساعيها للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، في وقت تؤكد فيه أن استمرارها كدولة حبيسة لم يعد خياراً مقبولاً بالنسبة لدولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، حيث تطمح إلى لعب دور اقتصادي وإقليمي أكبر في شرق أفريقيا.
وترى إثيوبيا أن مصر تستخدم نفوذها الإقليمي للضغط عليها سياسياً واقتصادياً من أجل "محاصرتها"، على خلفية أزمة سد النهضة التي بدأت منذ سنوات، إذ تسعى أديس أبابا إلى الحصول على منفذ بحري مستقل أو شراكات طويلة الأمد مع الدول المحيطة بها، من أجل تقليل اعتمادها على موانئ جيبوتي.
من جهتها، لا تفرض القاهرة أي قيود على وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، إنما سعت ضمن مصالحها الاستراتيجية لتعزيز علاقاتها مع دول مثل الصومال وإرتيريا، اللتين تعتبر علاقاتها مع أديس أبابا معقدة إلى حد ما.
وتنظر مصر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءاً أساسياً من أمنها القومي، نظراً لارتباطه المباشر بقناة السويس التي تعد أحد أهم الممرات التجارية العالمية ومصدراً رئيسياً للإيرادات المصرية. ولذلك تتابع القاهرة بحذر أي ترتيبات سياسية أو عسكرية قد تؤثر على توازنات المنطقة أو تغير خريطة النفوذ على ضفتي البحر الأحمر.
ويأتي هذه الموقف في سياق توترات إقليمية بشأن الوصول الى البحر الأحمر، حيث تؤكد إريتريا على مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار وعلى الحلول الثنائية أو الإقليمية المبنية على الاحترام المتبادل للسيادة.
وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقاء جمعه الأسبوع الماضي مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في العاصمة أسمرة، على دعم مصر للرؤية الإريترية بشأن إدارة البحر الأحمر والتأكيد على وحدة وسيادة الدول المطلة عليه. وأضاف أن أمن وحوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مشددا على رفض مصر انخراط أي أطراف غير مطلة على البحر في ترتيبات تخصه.
وتدعو إريتريا إلى تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول المشاطئة فقط مع التركيز على مكافحة التهديدات المشتركة مثل القرصنة، التهريب، والتدخلات الخارجية، دون السماح بقواعد عسكرية أجنبية دائمة على أراضيها.
وتتوافق هذه الرؤية مع الموقف المصري مما يعزز التنسيق بين البلدين في مواجهة أي محاولات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
في المقابل، تؤكد إثيوبيا أن مطالبتها بمنفذ بحري لا تستهدف أي دولة ولا تمثل تهديداً لجيرانها، بل تنطلق من اعتبارات اقتصادية وتنموية بحتة. وتقول أديس أبابا إن دولة بحجمها السكاني والاقتصادي تحتاج إلى تنويع منافذها التجارية وتقليل اعتمادها على ميناء واحد، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
ويصر المسؤولون الإثيوبيون على أن بلادهم تسعى لتحقيق هذا الهدف عبر الوسائل السلمية والاتفاقيات الثنائية والتعاون الاقتصادي، وليس من خلال فرض الأمر الواقع أو استخدام القوة العسكرية.
ولا يقتصر الخلاف على مصر وإثيوبيا فقط، بل يرتبط بتنافس أوسع على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر التي أصبحت ذات أهمية متزايدة للقوى الإقليمية والدولية. فالموقع الاستراتيجي للموانئ والممرات البحرية في المنطقة يجعلها محط اهتمام دول الخليج وتركيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها من القوى الفاعلة.
كما أن اضطرابات الملاحة البحرية مؤخرا، دفعت العديد من الدول إلى البحث عن ترتيبات جديدة لحماية طرق التجارة وتأمين حركة البضائع والطاقة، ما زاد من أهمية الموانئ الواقعة على البحر الأحمر وخليج عدن.
ورغم التصعيد الإعلامي والتراشق السياسي بين الجانبين، لا تزال المؤشرات ترجح استمرار الخلاف ضمن الأطر الدبلوماسية والسياسية. فمصر تدرك أهمية استقرار القرن الأفريقي لأمنها القومي، بينما تحتاج إثيوبيا إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع جيرانها لضمان نجاح مشاريعها الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ومع ذلك، فإن استمرار غياب التفاهمات الإقليمية حول مستقبل البحر الأحمر، وتداخل ملف الوصول إلى البحر مع الخلافات القائمة بشأن المياه والأمن الإقليمي، قد يزيد من حدة التوتر ويجعل هذا الملف أحد أبرز نقاط الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا خلال السنوات المقبلة.
وكان البلدان اختلفا منذ عام 2011 حول سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل، لا سيما مع رفض أديس أبابا وضع أي قيود على إدارتها للسد الأضخم في البلاد.
في حين أكدت القاهرة مراراً وتكراراً أن مسـألة السد تتعلق بأمنها القومي المتعلق بالمياه.
وأكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أن بلاده لا تواجه أي إشكالية مع أثيوبيا، وأن مطلبها الوحيد هو عدم المساس بحقوقها في مياه النيل، والتوصل إلى اتفاق قانوني وملزم بشأن السد الإثيوبي، مشيرا إلى أن سياسة مصر ثابتة وتقوم على عدم التدخل في شؤون الدول وعدم زعزعة استقرارها.
ولفت السيسي إلى أن مصر -رغم خلافها مع إثيوبيا- لم توجه أبدًا أي تهديد لها، إيمانًا منها بأن الخلافات تُحل عبر الحوار والحلول السياسية. وتابع إن مصر تؤمن بأهمية العمل المشترك لتحقيق الاستفادة العادلة والمنصفة من الموارد المشتركة العابرة للحدود، بما في ذلك الموارد المائية المشتركة، ومن ثم فلا مجال لأي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بحقوق الدول المتشاطئة في الأنهار العابرة للحدود، أو تقويض فرص التعاون وتحقيق المنفعة المشتركة.
وأشار إلى أن مصر دعمت مؤخرًا عددًا من المشروعات في إطار مبادرة حوض النيل، وأطلقت آلية تمويلية لدعم المشروعات المائية ومشروعات البنية التحتية في دول حوض النيل الجنوبي انطلاقًا من إيمانها بالحق المشترك لكل شعوب دول الحوض في التنمية مع عدم إحداث ضرر لدول المصب.