خيارات دول الطوق لكردستان.. هل تستطيع اجهاض حلم الاستقلال؟

في قراءة خاطئة للموقف الاميركي تحمست الحكومة العراقية خلال الايام الماضية لاتخاذ اجراءات رادعة ضد كردستان نتيجة الاستفتاء الذي اجري فيها في الخامس والعشرين من الشهر الماضي فأصدر العبادي قرار تعليق الرحلات الجوية الى مطارات كردستان ووضع المنافذ الحدودية بين كردستان وكلا من تركيا وايران تحت سيطرة حكومة المركز في بغداد، وترجمت هذه القرارات بمخاطبة سلطات الطيران العالمي وشركاتها بقرار التعليق، كما وسارعت بإرسال مسؤولين وضباط عراقيين الى تركيا وايران لتسليم المنافذ الحدودية الكردستانية بالتنسيق مع حكومتي الدولتين.

فهل ستتمكن دول الطوق الثلاث من الذهاب بعيدا في اجراءاتها ضد كردستان واجهاض حلم الاستقلال الذي ظل الكرد متمسكين به طوال قرن من الزمن؟

ان الموقف الاميركي لغاية اليوم هو موقف ضبابي ازاء استفتاء كردستان، ففي الوقت الذي تحاول فيه ابداء تحفظها عليه فانها تحذر الاطراف كلها من اللجوء الى الخيار العسكري فيه وتدعوهم للتهدئة. مع ذلك فان الموقف الاميركي هذا يمكن استغلاله من قبل كردستان لتراهن عليه في المضي في طريقها المرسوم.

لقد نجحت كردستان خلال السنوات الماضية في ربط مصالحها بمصالح الدول الكبرى (الولايات المتحدة والغرب) اقتصاديا، واستطاعت مؤخرا من جذب روسيا لسوق الطاقة فيها باستثمارات تقدر بخمسة مليار دولار، مما يجعل من هذا الجذب عاملا حاسما في مسار الاحداث في المرحلة القادمة. اضف الى ذلك ان الجغرافيا السياسية يمكن ان تعمل هذه المرة لصالح كردستان بعكس المرات السابقة بوجود الازمة السورية وتشابك المصالح الاقليمية والدولية فيها.

السؤال هنا.. هل بامكان العراق وحلفائه ايران وتركيا اجهاض استقلال كردستان من خلال الضغوطات السياسية والاقتصادية طالما ان اميركا ترفض اللجوء الى الخيار العسكري لاي جهة في هذه الازمة؟

سنلقي فيما يلي نظرة على خيارات ومحددات دول الطوق في التعامل مع استفتاء كردستان واستقلالها.

الموقف التركي

شكل استفتاء كردستان صدمة حقيقية لتركيا عبر عنها اردوغان في اكثر من مناسبة من خلال تصعيد اللغة السياسية للحكومة التركية، ولكن.. هل يمكن لتركيا تنفيذ هذه التهديدات على ارض الواقع؟

هناك اسباب كثيرة تمنع تركيا من اتخاذ مواقف اكثر تصلبا ازاء استقلال كردستان منها:

1 - بالنسبة للخيار العسكري فان على تركيا التفكير الف مرة قبل الاقدام على هكذا اجراء ضد كردستان وذلك للاسباب التالية:

اولا.. ستضع نفسها امام تحدي كبير لن يكون بمقدورها التغلب عليه بتشكيل جبهة كردية موحدة ضدها تتألف من كرد العراق وسوريا وتركيا، وهذا ما تتجنبه تركيا لاسباب كثيرة يطول شرحها.

ثانيا... التحذيرات الاميركية الواضحة لعدم تصعيد المواقف في هذه الازمة تمنع تركيا من التفكير بخطوة اجتياح عسكري لكردستان.

ثالثا.. الظروف التي تمر بها المؤسسة العسكرية التركية بعد الانقلاب الفاشل يضع الكثير من الشكوك حول امكانية الجيش التركي من تحقيق انتصار في اي اجتياح عسكري.

رابعا.. وجود تركيا في حلف الناتو يصعب عليها اجتياح كردستان العراق، فكردستان العراق لا يمثل جهة ارهابية يمكن لتركيا تبرير اجتياحها لها امام الناتو، اضف الى ان الاستفتاء ليس بالمبرر السليم لشرعنة هذا الاجتياح.

2 - ليس في وسع تركيا غلق الحدود مع كردستان لانها بذلك تغلق الحدود على نفسها وتتسبب في خسارتها مليارات الدولارات، كون كردستان تعتبر سوقا رئيسة لتركيا وممرا وحيدا لعبور بضاعتها الى العراق، كذلك الاستثمارات التركية في كردستان ليس من السهل التضحية بها بهذه السهولة.

3 - يشكل الموقف الروسي من استفتاء كردستان وكذلك تصريحاتها بانها تبحث عن وسائل اخرى في حال اقدمت تركيا على منع تدفق نفط اقليم كردستان عبر اراضيها عاملا مهما يمنع تركيا من الاقدام على هذه الخطوة. فالخيارات المتاحة امام روسيا عند ذلك هو السماح بمرور النفط الكردستاني عبر الاراضي السورية بوجود منطقة كردية واسعة في تلك الاراضي مما سيؤدي الى:

اولا... تعكير العلاقات الروسية التركية في الملف السوري بالضد من مصلحة تركيا.

ثانيا.. سيؤدي الى تقارب كردي كردي في العراق وسوريا وهذا لا يصب في صالح تركيا.

ثالثا... ستخسر تركيا اموالا طائلة تحصل عليها من خلال وجود هذا الخط في اراضيها.

رابعا... ستخسر ورقة ضغط عل اقليم كردستان قد تتمكن من استعمالها في ازمات مستقبلية.

4 - الحفاظ على الامن القومي التركي كما تدعي الحكومة التركية لا يكون من خلال الوقوف ضد استقلال كردستان، بل العكس تماما، فالحفاظ على الامن القومي التركي ياتي من خلال القبول باستقلال كردستان، لا بل وتبنيه كي لا تتحول كردستان الى خصم سياسي قد يتمكن بسهولة من تهديد الامن القومي التركي مستقبلا.

الموقف الاميركي

دائما قلنا بان اميركا تمثل لكردستان قدرا وحليفا لا بد منه، واميركا تعرف ذلك جيدا ولذلك فانها تعمل جاهدة على بقاء كردستان ضمن العراق لضمان رجحان الكفة لصالحها مقابل الكفة الايرانية المتمثلة بالاحزاب الشيعية، لكن اذا ما تأكدت اميركا بان الكرد جادون في الاستقلال، فستضطر للقبول بالامر الواقع خوفا من فقدان هذا الحليف لصالح المنافس الروسي الذي يبحث له عن حلفاء في المنطقة. وستعمل اميركا بعد ذلك على ترتيب اوراقها في العراق الجديد (العربي) بالاعتماد على الحليف السني وتقويته.

الموقف الايراني والعراقي

من خلال دراسة الموقف الدولي والاقليمي الايراني فان ايران لن تتخذ اجراءات خاصة بها بل ستلجأ للغطاء العراقي والتركي للتحرك من خلاله، كما تفعل في سوريا من خلال التحرك ضمن الغطاء الروسي، وذلك كي تتجنب المواجهة المباشرة مع المجتمع الدولي، ولذلك فيمكن اعتبار الموقف الايراني والعراقي مكملين لبعضهما حول كردستان.

في قراءة عراقية خاطئة للموقف الاميركي حيال استفتاء كردستان تحمست حكومة العبادي وصعدت من سقف الاجراءات التي اتخذتها بتعليق الرحلات الجوية في مطارات كردستان، وبدأت بالتنسيق مع دول الطوق، تركيا وايران، لخنق كردستان اقتصاديا في السيطرة على المنافذ الحدودية لكردستان مع الدولتين، وكادت ان تنجح في مسعاها لولا الاشارات الاميركية التي جاءت سريعا برفض اي تصعيد خاصة العسكري منها. وهكذا بقيت خطوة تعليق الرحلات الجوية في مطارات كردستان هي الخطوة العملية الوحيدة التي استطاع العراق تحقيقه، بينما ذهبت احلام استلام المنافذ الحدودية لكردستان ادراج الرياح، لتستعيض عنها باقامة نقاط جمركية داخل الاراضي التركية والايرانية، لحفظ ماء الوجه فقط امام شعبها، مع ان وضع نقاط جمارك في اراضي دول اخرى يمثل بحد ذاته عارا لاي حكومة تحترم كيانها. اذا ما عدا هذين الإجراءين لا تمتلك حكومة بغداد اية اوراق ضغط اخرى ضد كردستان، وما بيان المرجع السيستاني الذي صدر قبل ايام الا محاولة لانقاذ حكومة العبادي من الوضع المزري الذي وضعت نفسها فيه.

ازاء كل هذا الهرج والمرج ما تزال حكومة اقليم كردستان تمارس سياسة امتصاص الصدمة التي تسببت بها خطوة اجراء الاستفتاء لدول الطوق الثلاث، ونجحت في تهدئة الاجواء رغم المواقف التصعيدية لهذه الدول في الايام التي تلت الاستفتاء. ورغم هذا الهدوء فان كردستان تحتفظ بورقة ضغط مهمة قد تلجا اليها في حال اضطرت لذلك وهي ورقة الانسحاب من حكومة بغداد بكافة مؤسساتها، مما سيعني نهاية العملية السياسية التي تعتمد عليها الاحزاب الشيعية في بغداد وايقاف العمل بالدستور وبنوده، مما يستوجب تشكيل حكومة طواريء لن تكون بنفس صلاحيات الحكومة الحالية، هذا الانسحاب سيضع العراق امام مفترق طرق وخيارات مفتوحة لا تحمد عقباها.

اسوأ ثلاثة انظمة في المنطقة تحاول منع شعب متحضر متدمن من الاستقلال. نظام الاخواني اردوغان ونظام ولاية الفقيه الشيعية في ايران ونظام الفوضى الاسلامية في العراق تحارب كردستان لمنعها من التحرر من فوضى تلك الانظمة.