دار الشعر بمراكش تحتفي باليوم العالمي للشعر

معرض للإصدارات الشعرية والنقدية، لوحات تشكيلية، فقرات موسيقية وندوة تستقصي آليات دعم الكتاب والمبدعين وأسئلة القراءة والثقافة في الجهة.


الشاعر عبدالرفيع جواهري يوجه نداء في اليوم العالمي للشعر 


الشعرُ منِّي إليَّ يلتجئُ ** لا ينتهي إلَّا حيثُ يبتدئُ

مراكش (المغرب) ـ اختارت دار الشعر بمراكش، ضمن تقليدها الثقافي الجديد "ملتقيات شعرية جهوية"، أن تطلب من شاعر(ة) مغربي كتابة كلمة خاصة احتفاء باليوم العالمي للشعر، 21 مارس/آذار. وهكذا، خص الشاعر المغربي عبدالرفيع جواهري، أحد رواد القصيدة المغربية الحديثة الدار، بشهادة عميقة تنتصر لحقنا في الحياة والعيش المشترك. النداء، الذي كان مفتتحا لفعاليات الدورة الأولى، من الملتقى الشعري الجهوي، لجهة مراكش أسفي، ضمن تظاهرة "ست جهات.. ستة ملتقيات شعرية"، يومي 20 و21 بمقر دار الشعر بمراكش (المركز الثقافي الداوديات).
وأكد الشاعر المغربي عبدالرفيع جواهري، أن "مع انبثاق الوردة الأولى للربيع في الواحد والعشرين من مارس/آذار، تحتفل البشرية كل سنة باليوم العالمي للشعر الذي هو في ذات الوقت، احتفال أيضا بالشعراء رجالا ونساء، الذين كرسوا إبداعهم للدفاع عن قيم الجمال والحب والسلم والحرية، وكل القيم النبيلة التي تجعل الحياة ممكنة". ليدعو الشعراء إلى تجاوز طرق وأشكال إيصال الشعر إلى العموم، فهو يرى "أن الشعر المسجون في أقفاص الدواوين الورقية لم يعد يغري بالمتابعة، ولعل هذا ما جعل منظمة اليونيسكو تدعو إلى إحياء التقاليد الشفوية للشعر بإنشاده في الفضاء العمومي عن طريق الأمسيات". ليختتم صاحب "روائع القصائد التي تغنت بها الأغنية المغربية"، دعوته إلى تحرير "الشعر من التقليدية الورقية ولننشده فوق الركح، ولم لا في الساحات العمومية.. فلنكن مع شعرية القرب ليستعيد الشعر وهجه وجمهوره.."، مجددا نداءه للشعراء والشواعر "بنسج علائق بين القصيدة والموسيقى والغناء".
استعادة منجز الشاعر والعلامة أحمد الشرقاوي إقبال
تظاهرة "ملتقيات الشعر الجهوية"، اختارت أن تسم دورتها باسم الشاعر والعلامة أحمد الشرقاوي إقبال، (1421-1346ه/ 2000-1927)، أحد الرموز الشعرية والثقافية في المشهد الثقافي المغربي والعربي. يعتبر الشرقاوي إقبال مربيا للأجيال، ومرجعا لا محيد عنه بالنسبة للدارسين في مجال اللغة العربية. ويعد هذا الباحث من أصدقاء الشاعر محمد بن إبراهيم (شاعر الحمراء) والشيخ المختار السوسي، حيث خلف عن الأول عدة أعمال من أبرزها: كتاب "شاعر الحمراء في الغربال"، الذي يعتبر باكورة مؤلفاته، وعن الثاني مراسلات كان قد تبادلها معه خلال سنوات الخمسينيات، وله مؤلفات أخرى في مناحي مختلفة من ميادين العلم والمعرفة. والشرقاوي إقبال من المؤلفين غزيري الإنتاج، وانشغل بالتأليف والفهرسة والتحقيق، وربطته علاقات مع أدباء وشعراء عصره. توج الشرقاوي إقبال بجائزة محمد السادس التنويهية التكريمية، تقديرا لإنتاجاته المتميزة في الميدان الثقافي والعلمي. وخلال شهر يوليو/تموز 1995، حصل هذا العلامة على جائزة الاستحقاق الكبرى بالمغرب، وقد منحت له هذه الجائزة عرفانا بالمجهودات التي قام بها من أجل المساهمة في إشعاع الثقافة المغربية.
سحر القوافي 
انطلقت الدورة الأولى لهذه التظاهرة، في ظل الظرفية الصحية التي يمر منها العالم، لذلك حرصت دار الشعر بمراكش على احترام تام لكافة التدابير الاحترازية، المنصوص عليه في هذا الشأن. وتراهن على تأسيس أفق هذا التقليد الثقافي مستقبلا، على أساس أن تكون الدورة الثانية، قادرة على ترجمة الأفق الذي رسمته الدار لهوية الملتقى ولطموحه. واحتضن فضاء دار الشعر بمراكش، صباح السبت 20 مارس/آذار، فعاليات التظاهرة، والتي افتتحت بمعرض خاص بالإصدارات الشعرية والنقدية لشعراء ونقاد الجهة (مراكش أسفي) إلى جانب منشورات دائرة الثقافة الشعرية والنقدية للمتوجين بجائزة الإبداع العربي وضمنهم إصدارات المتوجين المغاربة.
جلسة القراءات الشعرية، الأولى، والتي تألقت في تقديمها الشاعرة يسرى قشبو (من مرتفقات ورشات الكتابة الشعرية لدار الشعر مراكش)، شهدت مشاركة الشعراء: أيوب كوماوي، رضوان صابر، وعلي بادون، فيما كان الفنان عزالدين دياني والفنانة فاطمة الزهراء نظيفي في المصاحبة الموسيقية. الشعراء الثلاثة، اختاروا بعضا من قصائدهم القريبة من وجدان الشاعر، وأخرى تنصت لحركة العالم وشجونه. 
يقول الشاعر رضوان صابر (من مواليد قلعة السراغنة)، في استدعاء لهذه العلاقة الأبدية بين الشاعر ونصه الشعري، وبينه وبين عوالمه المتشظية:
الشعرُ منِّي إليَّ يلتجئُ ** لا ينتهي إلَّا حيثُ يبتدئُ
أما الذينَ اهتدَوْا لمنبعِـهِ ** لو شربوا منهُ نالهمْ ظَمَأُ
أجتازُ دربَ المَجَازِ مُنْتَشِيًا ** حتَّى كأنِّي عليهِ أَتَّكِئُ

وعن وجع الشاعر وانجراحاته الدفينة، صدح صوت الشاعر أيوب كوماوي (من مدينة اليوسفية)، بقصائد تلملم بعضا من تفاصيل "عزلة الشاعر" في هذا الالتباس المرير:  
لا الليل.. لا وجع الصباح/ ولا غد ** ستسافر الغيمات زادك موعد
شجر الغياب تجاه حزنك زاحف ** والأمنيات العشر حولك معبد
وحدي ألوح للحمام براحة ** بيضاء أبطأها عليه المشهد
مقهى حضوري والغياب جريمتي ** وأنا المحاصر في الغياب مقيد
واختار الشاعر علي بادون (من اولاد تايمة)، أن يسافر عبر القصيدة إلى آفاق الكتابة، وأسئلتها، وفي ترحال إلى دواخل الشاعر صدى لأثر اللحظة، وما خلفته من ظلال، يقول في إحدى قصائده:
من سدرة الحب، رايات تلوح لي ** أن الذي  صار في الأحشاء ما كانا
بعض من الغبش المغروس في لغتي ** قامت تؤطره الأشواق تبيانا
في النوم في الصحو؛ لا غيم يظللني ** "بانت سعاد" وعيبي اليوم مابانا
ندوة الملتقى 
وتواصلت الفعاليات عصرا، في مقاربة جديدة تستقصي البعد الإبداعي والنقد الشعري بالجهة. ندوة خصصت لتدارس وضعية النشر والكتاب، من خلال الإصدارات الشعرية والنقدية بالجهة، مع رصد بيبلوغرافي وتجميع لعناوين شعراء وشاعرات وإصدارات بحثية في النقد الشعري والدراسات البيبلوغرافية، وتجميع لتوصيات من أجل تشجيع آلية الدعم الخاصة بالإصدارات الشعرية نقدا وإبداعا، وعرفت هذه الندوة، مشاركة الباحث والناشر عبدالقادر عرابي (مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال) من مراكش، في لقاء أداره وحاوره عبدالحق ميفراني. 
أصوات معاصرة 
تجدد لقاء عشاق الشعر، مع فعاليات اليوم الثاني (الأحد 21 مارس/آذار) من تظاهرة ملتقيات الشعر الجهوية في دورتها الأولى، في فقرة شعرية وموسيقية ثانية. وقام الشاعر بدر هبول، بالسهر على تقديم الشعراء: عبداللطيف ديدوش، عماد حافص، ومثال الزيادي. لحظة شعرية، امتزجت بـ "مقام القانون" للفنان محمد مجاهد، وبصوت شجي للفنانة فاطمة لمغاري في المصاحبة الموسيقية.
هذه الجلسة الشعرية، والتي انفتحت على تجارب جديدة وحساسيات تنتمي لبعض مدن وأقاليم الجهة. اختار الشاعر عبداللطيف ديدوش (من مدينة الصويرة)، أن يقرأ نصوصا قصيرة من دواوينه الصادرة. لعل جامعها المفارقة، والتقاط لرغبة الشاعر في التحليق بعيدا في الأعالي. 
يقول في نصه "قبل صافرة العدم": قبل صافرة العدم/ سأفرد أجنحة لشطحاتي/لأطير عاليا... بعيدا إلى نواتي/ بي حنين جارف إلى هيولاي/ فيا نحات شكل من هلامي نصبا للريح/ تمثالا لخيط شعاع/ حولني إلى شيء أو لا شيء/ يا شاعر أنشدني مرثاة لأنفاس الحياة/ (...)/ يا ريشة ارسميني جدارية (بانكسي) على بوابات موگادور/ قوس قزح على توبقال/ لوحة (الصرخة) على صدري الأعزل...
الشاعرة مثال الزيادي (من مدينة أسفي)، والتي صدر لها حديثا ديوان "سقوط حر"، ومنه اختارت أن تقرأ بعضا من قصائدها. تقول في قصيدة "لو":
كان العالم يقف صامتا/ يطل من ليلنا الموحش/ رغبت في حقول من كلمات/ لأغزل قصيدة/ مطرزة بأسلحة من غبار/ لكن يدي أجهشت بالبكاء/ في غيمة بحجم صورتك الملونة/ أنشب أظافري / فتنبت عاصفة من نيازك/ أنشد أغنية تروبادور/ لكن صوتي يصبح نشازا/ فأحيا ألف سنة/ دون قطرة ماء..
وختم الشاعر عماد حافص (من مدينة شيشاوة)، ديوان أصوات معاصرة، بنصوص قصيرة. نصوص تساءل مفارقات العالم، وتلامس جراح وطن وأنين إنسان، وأحلام مجهضة. يقول في إحدى شذراته:
أسمع/ أنين الصخور/ في جبال عالية/ لم تصلها أغطيه/ خاطها حافر قبور/ ذات صباح في قبو/ (...)/ ولا أسمع قلبي/ قلبي الجريح/ يتجاذبه وطنان/ يوشك أن يسمع صوته الآفاق/ ولا أسمعه/ ولا أريحه/ ولا أستفيق...
خط الشاعر حافص مسك ختام الجلسة الشعرية الثانية، في مبادرة الملتقيات الشعرية الجهوية، والتي أطلقتها دار الشعر بمراكش انطلاقا من جهة مراكش أسفي. دورة أولى، تأسيسية، وخطوة أخرى تنضاف للعديد من الفقرات الجديدة، والتي حرصت الدار أن تسم موسمها الثقافي الرابع. من الإقامة في القصيدة، الى شعراء مسرحيون، وشعراء حكواتيون، الى مقيم في الدار..، وبرمجة متعددة للمزيد من الانفتاح على شجرة الشعر المغربة الوارفة بتجاربها.