داودأوغلو يتوعد بكشف أسرار سياسة ترهيب تَسوَدُّ لها الوجوه

حلفاء أردوغان بالأمس ، خصومه اليوم يكسرون حاجز الخوف داخل حزب العدالة والتنمية بعد أن أعلنوا تمردهم على الرئيس وعلى سياساته الاستبدادية.



أزمة العدالة والتنمية التركي تنذر بانهيار مشروع جماعات الاسلام السياسي


أردوغان يقاوم انهيار حزبه بعد انشقاقات عاصفة


انهيار حاجز الخوف يقرّب حزب أردوغان من النهاية


تركيا مقبلة على مرحلة صعبة سياسيا واقتصاديا

اسطنبول - شكلت هزيمة حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات البلدية الأخيرة منعرجا جديدا ومفصليا في المشهد السياسي التركي الذي هيمن عليه الإسلاميون لنحو عقدين لجهة تداعيات الخسارة المذّلة على التماسك الذي أبداه الحزب تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان ولكونها (الخسارة) كسرت حاجز الصمت والخوف من داخل الحزب ذاته بعد أن أعلن أعضاء مؤسسون كانوا إلى وقت قريب من أشد حلفاء أردوغان، تمردهم على الرئيس وعلى سياساته الاستبدادية.

ويرى المتابعون للشأن التركي أن ثمة مؤشرات قوية تشير إلى أن حزب العدالة والتنمية بات على حافة الانهيار بشهادة أعضاء فيه وأن ذلك مسألة وقت لا غير وسيدفع حتما لسقوط مشروع جماعات الاسلام السياسي الذي يقوده أردوغان ويدعمه بشدّة بعد أن تفكك في مصر ولاحقا في السودان على اثر عزل الجيش للرئيس السوداني عمر البشير المحتجز حاليا على ذمة قضايا تتصل بالفساد ودعم الإرهاب ويتعثر في ليبيا وتناثر في موريتانيا بخسارة الاسلاميين في الانتخابات الأخيرة.

وفي أحدث فصل من فصول المواجهة بين حلفاء الأمس، خصوم اليوم، لوّح رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أغلو بكشف أسرار عن سياسة الترهيب  التي انتهجها أردوغان بحق حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد خاصة في ما يتعلق بالفترة الممتدة من يونيو/حزيران إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2015، قائلا إن تلك الأسرار "ستسودّ منها الكثير من الوجوه" في إشارة على الأرجح للرئيس التركي والمحيطين به.

تقارير صحفية غربية تتساءل: هل يكون داوود أغلو رجل الرمحلة القادمة في تركيا
تقارير صحفية غربية: هل يكون داوود أغلو رجل المرحلة القادمة في تركيا

وفي الوقت الذي بدأت تظهر فيه بقوة ملامح انشقاقات واسعة في حزب العدالة والتنمية وشروخا عميقة مدفوعة بالسياسة الاستبدادية التي انتهجها أردوغان داخل الحزب بصفة خاصة وفي سياسات الدولة بشكل عام، ما أدخل البلاد في أزمة اقتصادية وسياسية وسمم علاقاتها الخارجية مع الحلفاء والشركاء، بدا جليا أن 'العصر الذهبي' للعدالة والتنمية ولى بلا رجعة ولم يبق من آثاره إلا أطلال الطفرة الاقتصادية التي تحققت خلال السنوات العشر الأولى من حكمه وهو الانجاز الذي يتباهى به الحزب إلى اليوم.

وبقدر سرعة ما تحقق من نمو اقتصادي في تلك الفترة، تبدو تركيا التي تعتبر من الأسواق الناشئة مقبلة اليوم على مرحلة صعبة جدا وسط مؤشرات على حالة واسعة من الإرباك والارتباك السياسي والاقتصادي.

وتلقي تلك الأوضاع مجتمعة بظلال قاتمة على الأسواق وتزيد من مخاوف المستثمرين القلقين أصلا من تدخلات الرئيس التركي في السياسات النقدية والاقتصادية، ما دفع من كانوا بالأمس من أشد حلفاء أردوغان وأقرب المقربين منه إلى الخروج عن صمتهم وإعلانهم عن حركة تصحيحية لإصلاح ما أفسده الرئيس.

أحمد داوود أغلو يسعى لاعادة تصحيح المسار بعد اخفاقات أردوغان
داوود أغلو مرشح قوي لاعادة ترتيب بيت اخوان تركيا بعد تصدعات عميقة

ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أغلو الذي يحظى بشعبية محليا ويلقى أيضا قبولا دوليا.   

وتؤسس تصريحاته الأخيرة حتما لقطيعة مع أردوغان وتحيل إلى فصل جديد من المواجهة بين الرجلين مع تحول السجال بينهما إلى حرب كلامية علنية واتهامات متبادلة وصلت حدّ نعت الرئيس التركي الحلفاء المنشقين وعلى رأسهم داوود أغلو بـ"الخونة" وهي العبارة التي استفزت رئيس الوزراء الأسبق الذي هدد بكشف سجّلات سوداء عنوانها الاتهامات الكيدية لأعضاء من حزب الشعوب الديمقراطي والذين زجّ أردوغان بالكثير منهم في السجون بتهمة الارتباط بالإرهاب.

وقال داوود أوغلو أمام حشد في مدينة صقاريا  بمنطقة مرمرة "كثيرون سيخجلون من النظر في وجوه الناس، إذا فتحت دفاتر مكافحة الإرهاب وستسوَّد وجوه كثيرة".

ولم يعلن داوود أوغلو انسحابه من العدالة والتنمية بشكل رسمي، لكن جرى حذف كل المشاهد التي ظهر فيها خلال الاحتفال بالذكرى 18 لتأسيس حزب العدالة والتنمية وهو مؤشر آخر على القطيعة ورسالة مضمونة الوصول لخصوم أردوغان ومعارضيه داخل الحزب.

وتعليقا على حذف المشاهد التي ظهر فيها خلال إحياء الذكرى 18 لتأسيس الحزب وهو من مؤسسيه قال "إذا بدأت أي حركة مسح تاريخها، فإنّ هذا يعني أنها تصفي نفسها بنفسها".

 زعيم حزب الشعوب الديمقراطي هدد عرش اردوغان فزجّ به في السجن بتهمة الإرهاب
زعيم حزب الشعوب الديمقراطي هدد عرش اردوغان فزجّ به في السجن بتهمة الإرهاب

وليس واضحا ما إذا كان رئيس الوزراء الأسبق سينضم للجبهة التي يسعى علي باباجان (وزير الخارجية ووزير الاقتصاد الأسبق) وعبدالله غول (الرئيس السابق) لتشكيلها "لإنقاذ تركيا" وهي جبهة تستهدف بحسب مصادر محلية الإطاحة بأردوغان.

لكن المؤكد في خضم التطورات الأخيرة أن الرئيس أردوغان الساعي لاستعادة المجد العثماني واللاهث وراء الزعامة الإقليمية، لم يعد بالقوة التي كان يتمتع بها بعد الهزيمة المذلة في الانتخابات البلدية التي شهدت تصويتا عقابية أنهى أسطورة الحزب الذي لا يقهر.

وتولى داوود أغلو الذي يحظى بثقل وشعبية داخل حزب العدالة والتنمية، رئاسة الحكومة في الفترة من 2014 إلى 2016، وهي الفترة التي هيأت الظروف لمناخ سياسي مضطرب مع تحرك أردوغان لتصفية خصومه السياسيين وازاحتهم من طريقه وسط طموح جامح لرئاسة تنفيذية بصلاحيات واسعة تكرس الاستبداد وتبعد تركيا عن دولة القانون.

وفيما رجحت مصادر إعلامية غربية أن يكون أحمد داوود أغلو رجل المرحلة القادمة في تركيا، وجه الأخير في الفترة التي تلت الهزيمة الانتخابية للعدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، سهام النقد اللاذع لأردوغان وسياساته الخاطئة على جميع المستويات سواء في إدارة شؤون الدولة أو الجانب الاقتصادي.

داوود أغلو معلقا على وضع العدالة والتنمية: إذا بدأت أي حركة مسح تاريخها، فإنّ هذا يعني أنها تصفي نفسها بنفسها

وبحسب وسائل إعلام محلية، توعد حليف أردوغان السابق ورئيس الوزراء الأسبق بمناسبة الاحتفال بالذكرى 18 لتأسيس حزب العدالة والتنمية، بأن الجميع سيعلم قريبا "أن الفترة من 7 يونيو إلى 1 نوفمبر 2015، تُعدّ أخطر وأصعب الفترات السياسية في تاريخ تركيا".

وكان يشير تحديدا للفترة التي أطلقت فيها حكومة العدالة والتنمية حملة واسعة تستهدف تشويه المعارضة التركية وعلى رأسها حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد والذي يشكل خزانا انتخابيا مهما وأحدث المفاجأة في الانتخابات التشريعية وتشكيل كتلة له داخل البرلمان في تلك الفترة، أفزعت أردوغان ودفعته لإعادة الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته بأسلوب التحايل والترهيب ذاته بعد إنهاء محادثات السلام مع الأكراد بشكل مفاجئ.

ودافع أحمد داوود أغلو عن نفسه متسائلا كيف ينعته أردوغان بـ"الخائن" قائلا "توليت منصب رئيس الوزراء لهذه البلاد وجئت عن طريق الانتخابات ولا يستطيع أحد أن يقول عني خائن. أتذكر جميع أسلافي رؤساء الوزراء، لم يكن أي منهم خائنا أيضا، حتى لو أطلق علينا اسم الخونة".

وتساءل أيضا "كيف يمكن أن يشعر الأشخاص الذين لا ينتمون للحزب الحاكم بالراحة؟ قولوا لي متى كنا خونة؟ قولوا لي، وأنا أتحدى إذا كنا قد خطونا خطوة واحدة مخالفة لقضية هذه الأمة ولضميرها".

وندّد بسياسات حزب العدالة والتنمية الاقتصادية وبالقيود التي يفرضها على وسائل الإعلام والضرر الذي ألحقه الفصل بين السلطات والمؤسسات.

ومن المتوقع على نطاق واسع وهو أمر معلن أن يعمل أحمد داوود أغلو والشق الذي يسانده في مواجهة أردوغان، على إعادة ترتيب البيت الداخلي للإسلاميين على أساس القطيعة مع سياسات الرئيس الحالي وضمن مراجعة فكرية وسياسية تعيد تركيا إلى طريق الديمقراطية والتعددية واستعادة التوازن في علاقاتها الخارجية.