دور محوري للرياض في إدارة التوازنات العالمية عبر التقارب مع الصين
الرياض - أكد اللقاء الذي جمع وزيري خارجية السعودية والصين في الرياض يوم الأحد على مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، تعكس استراتيجيات المملكة في إدارة علاقاتها الدولية ضمن سياق عالمي متغير. هذا التطور لم يقتصر على العلاقات الثنائية، بل يمثل جزءًا من رؤية سعودية أكبر تسعى إلى تعزيز قدرتها على التوازن بين القوى العالمية والإقليمية، في وقت يشهد النظام الدولي حالة من التوتر وزيادة الانقسام بين أقطابه.
واتخذت السياسة الخارجية السعودية في السنوات الأخيرة مسارًا أكثر مرونة، يسمح لها بالاستفادة من تحالفاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه توسيع نطاق الشراكات مع الدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين. هذه الاستراتيجية تمنح الرياض أدوات أوسع لإدارة الملفات الإقليمية المعقدة والتحديات الدولية، بما يعزز من مكانتها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله في صنع الاستقرار.
ويُظهر التحرك السعودي نحو تعزيز الشراكة مع بكين قدرة المملكة على الجمع بين النفوذ الغربي والشرقي دون الانحياز الكامل لأي طرف. وفي هذا الإطار، تأتي زيارة وزير الخارجية الصيني ضمن جولة إقليمية لتأكيد أهمية الرياض في صنع القرارات المؤثرة على الشرق الأوسط، وإعادة التأكيد على دور المملكة كلاعب محوري قادر على التأثير في التوازنات السياسية والأمنية.
وتُعد إشادة الصين بدور المملكة في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي مؤشرًا على الاعتراف الدولي بمكانة الدبلوماسية السعودية، التي تمكنت خلال السنوات الماضية من لعب أدوار لم تكن متاحة للدول الإقليمية التقليدية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك دور السعودية في إعادة فتح قنوات الحوار مع إيران برعاية صينية، وهو ما مثل نموذجًا عمليًا للسياسة التوازنية التي تمارسها المملكة: الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الغرب، وفي الوقت نفسه توسيع النفوذ عبر شراكات مع قوى غير غربية.
ولا يقتر هذا النهج السعودي على القضايا الثنائية أو الإقليمية، بل يشمل ملفات شائكة مثل القضية الفلسطينية، حيث تؤكد المملكة والصين على دعم حل الدولتين ومبادرة السلام العربية والمرجعيات الدولية، ما يضع السعودية في موقع الوسيط الموثوق الذي يحافظ على مواقف ثابتة ويخلق فرصًا لتعاون دولي أكثر توازنًا بعيدًا عن ازدواجية المعايير.
ومن الناحية الاستراتيجية، يُعد التنويع في الشراكات الخارجية ضرورة للسعودية في ظل تذبذب الالتزام الدولي تجاه الشرق الأوسط. تعزيز العلاقات مع الصين لا يعني التخلي عن التحالفات الغربية، بل يمثل جزءًا من سياسة متعددة الأبعاد تضمن حماية المصالح الوطنية في بيئة دولية غير مستقرة.
واقتصاديًا، يفتح هذا التوازن آفاقًا جديدة لدعم رؤية المملكة 2030، إذ يوفر شراكات متنوعة في مجالات الطاقة والاستثمار والتقنية. الصين تمثل سوقًا حيوية واستثمارًا استراتيجيًا، في حين يبقى الغرب مصدرًا للخبرة والتكنولوجيا، ما يمنح السعودية القدرة على الاستفادة من كلا الطرفين دون الانحياز الكامل لأي منهما.
وسياسيًا، يمنح هذا التوجه المملكة قدرة على أداء دور الوسيط الموثوق في النزاعات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على استقلالية الموقف ومصداقيته. خبراء يؤكدون أن التنسيق السعودي–الصيني يعكس استراتيجية ذكية لإعادة التموضع ضمن نظام عالمي متغير، بحيث تصبح المملكة حلقة وصل بين القوى الكبرى، قادرة على الموازنة بين الشرق والغرب، وتقديم نموذج للتعددية الدبلوماسية في بيئة دولية معقدة.