رؤية مخالفة لاخوان الصفا

بقلم: ثناء درويش
نص عابر للتاريخ

حين تقرأ رسائل إخوان الصفاء للمرة الأولى، كإنسان محايد ليس لديه أيُّ انطباع مسبَّق عن هذه المجموعة، سوى معرفته لزمن ظهورها في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الهجري...
حين تتأمل محتواها، مبسوطًا في 52 رسالة، بوصفه دعوة إلى تحقيق الغاية الإلهية من وجود ابن التراب على هذا التراب...
حين تستشفُّ ذلك التنظيم السرِّي الدقيق للجماعة، ولأول دائرة معارف علمية في العالم...
حين تفعل ذلك كلَّه، ستعيش الدهشة والذهول، ثم الإعجاب والإكبار، وتحني الهامَ لفكر إلهي استطاع أن يتحول إلى لغة سلسة بسيطة، يستطيع ابن هذا القرن أن يقرأها في متعة وسهولة – فلكأنَّ الرسائل قد وضعت لتُوائِم أزمنةً عديدة.
لذلك، لن أقف طويلاً هنا أمام اللغط الذي أثير حولهم، أو الجدل والأخذ والردِّ حول أسمائهم وهويتهم وانتمائهم، وحتى زمن ظهورهم، ولا حول الغموض الذي اكتنف تنظيمهم؛ فقد كُتِبَ في ذلك الكثير، وتباينت الآراءُ والمواقف، كلٌّ يرى الأمر وفقًا لمنظاره الخاص. وحتى مَن وفَّاهم حقَّهم، وأكد تأكيدًا قاطعًا على هويتهم الإسماعيلية، ظلَّ – معذورًا – يساوره الشكُّ في كثير من التفاصيل الصغيرة.
كيف لا، وهؤلاء قد التجأوا إلى "كهف" تقيَّتهم، يؤثرون التحرك بعيدًا عن عين مراقِبة – إلا من أخذوا عليه عهد الله وميثاقه، واختبروا صِدْقَ ولائه، وأخضعوه لامتحان إثر آخر...
كيف لا، والتاريخ مازالت تكتبُه غالبًا إما أقلام مأجورة، باعت نفسها للسلطة والدينار، فغدا كتابًا مقدسًا لازمًا، وإما أقلام تنقل آراء أسلافها دونما تمحيص أو تدقيق، حتى في أخطائها الإملائية!
لكن القلب الذي آثر نصرة الحقيقة سيسعى رابطًا الأسباب بالنتائج، سائلاً مولاه أن يلهمه الصواب في درب إجلاء سُجُف الغيب عن حياة هذه الجماعة السرِّية. هوية إخوان الصفاء هناك، على قمة جبل – "المشهد العالي" – يبعد حوالى سبعة كيلومترات عن مدينة مصياف السورية، تقبع أضرحتُهم التي تُعتبَر بنظر الإسماعيليين محجَّة كلِّ مؤمن ومؤمنة، يقصدها كلُّ باحث متقصٍّ عن الحقيقة تخبر عنهم وفقًا للمخطوطات التي أُخرِجَتْ من كهف التقيَّة إلى النور وتقول: هم "إخوان الصفا، وخلان الوفا، وأبناء الحمد".
إخوان الصفاء: دعاة الإمام عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، عليهم السلام – أول دور الخلفاء – بعد أن ختم الإمام محمد دور الأتمَّاء؛ فكان ضريحُه ذو القباب السبع في تدمر إشارة لذلك. ومنهم: عبد الله بن حمدان، وعبد الله بن ميمون، وعبد الله بن سعيد، وعبد الله بن مبارك، الذين تسموا باسمه – "العبادلة" – دعاته الحُرُم. و...
خلان الوفاء: دعاة الإمام أحمد بن عبد الله؛ وقد وضعوا الرسائل في عهده في 52 رسالة، مضافةً إليها الرسالة الجامعة، على عدد حروف اسمه بحساب الجمَّل (حيث أحمد = 1 + 8 + 40 + 4 = 53)، وعلى عدد ركعات الصلاة من الفرائض والنوافل. و...
أبناء الحمد: دعاة الإمام حسين بن أحمد. ومضة من حياة هؤلاء الأئمَّة حيث يبدو لي أن معرفة تفاصيل حياة الأئمَّة ضَرْبٌ من الخيال، وهم القائلون: "لا يطَّلع على ولادتنا أو موتنا أحد"، و"ظاهرُنا إمامة، وباطنُنا غيب لا يُدرَك". حيث الإمامة عند الإسماعيلية هي المحور الذي تدور عليه عقيدتُهم؛ وهي سابعة الفرائض وأساسها، لا تصح فريضة من غير إقرار وإيمان بها. والإمام عندهم ظلُّ الله في أرضه، لا تخلو الأرض منه طرفة عين؛ هو عين الله ووجهه، وهو جنبه؛ هو القيِّم على الأنفس ووسيلتها نحو باريها، وهو الشاهد عليها يوم الحساب وفصل الخطاب.
والإمامة رديفة النبوة: ابتدأت من عهد آدم، وَمَضَتْ بحسب خطٍّ موازٍ في تسلسل سباعي، وفق نصٍّ من الأب إلى الابن الأكبر، ضمن شرط العصمة الإلهية. ومن هنا ترجع الإسماعيلية في انتسابها إلى أبعد من الإمام إسماعيل بن جعفر، إلى بدء الخلق وإلى دور آدم – عليه السلام.
وتؤكد كتب الدعوة الإسماعيلية أن هؤلاء الأئمَّة الثلاثة دخلوا كهف تقيَّتهم مخافة الضد الذي ظلَّ، منذ بدء الخلق، يتربَّص بالحقِّ وأهله، حيث الخوف على سيادة الأنا أن تهتزَّ هو الدافع الأقوى. فقد وُجِدَ الأئمَّة في عصر ساد فيه التكالب على الحكم وملاحقة أهل البيت من نسل علي، الذين دوَّتْ صرختُهم في أسماع عدوِّهم، مقلقةً مضاجعهم، وهم يطالبون بمنصب إلهي لا يحق لمخلوق التعدِّي عليه، باعتبارهم ظل لله على أرضه وخلفائه على خلقه؛ بينما يعتبرهم العباسيون، المتقمِّصون منصبًا ليس لهم، مثيري فتنة وبلبلة لشقِّ صفوف المسلمين التي وحَّدوها بالإرهاب والظلم. وهكذا يؤثرون ولوج السَّتْر، لا خوفًا على أنفسهم، ولكنْ صونًا للسرِّ الإلهي المستودع فيهم، لتكتمل الغاية من الخلق التي أرادها الله له في حرب ضروس بين الحقِّ المقهور والباطل المهيمن.
يُعتبَر الإمام عبد الله الرضي أول الثلاثة الأئمَّة المستورين، بأمر الله ووحيه، مقابلاً للسلالة في مراحل خلق الإنسان، ومقابل آدم في تسلسل النطقاء، ومقابل الحسن، أول أسبوع الأتمَّاء. ولد في السنة 179 هجرية في مدينة محمود آباد. أمُّه الأميرة فاطمة ابنة الأمير أُبَيْ. تولَّى الإمامة في السنة 193 هجرية بعد وفاة أبيه، ليغادر تدمر إلى السلمية، ومنها إلى مصياف، قائمًا بدعوته السرِّية المنظمة، موزعًا دُعاته في جزائر الأرض، التي قسَّموها إلى اثنتي عشرة جزيرة، لتنتشر الدعوةُ انتشارًا مذهلاً، خاصة في الشرق الأدنى والمغرب. وقد توفي في مصياف في السنة 212 للهجرة، بعد أن نصَّ على ابنه أحمد، الملقب بالوفي.
أما الإمام أحمد بن عبد الله (الوفي) فقد ولد في العام 198 هجرية. وهو ممثول النطفة في سلسلة خلق الإنسان، ومقابل نوح، ثاني النطقاء، والحسين، ثاني أسبوع الأتمَّاء. تولَّى الإمامة بعد وفاة أبيه مباشرة في السنة 212 للهجرة. وكانت الدعوة حينذاك قد ازدهرت وانتشرت، خاصة في سورية واليمن، على أيدي دعاة نشيطين، مثل فرج بن حوشب، الذي ترك مجموعة من الكتب الهامة. أمضى الإمام مدة من حياته متخفيًا في الري، حيث نشر دعوته، واعتنقها أكثر الملوك والأمراء. وفي عهده وُضِعَت الرسائل وانتشرت، وأخذت تُدرس في حلقات خاصة. ثم عاد إلى مصياف ليُتوفى هناك في العام 265، ويُدفَن كأبيه في قمة جبل المشهد العالي، بعد أن نصَّ على ابنه حسين، الملقب بالتقي.
فالإمام الحسين بن أحمد (التقي) هو ثالث أئمَّة الكهف، ممثول العلقة، ومقابل إبراهيم عليه السلام من النطقاء، وزين العابدين من الأتمَّاء. ولد في السنة 212 للهجرة (وقيل 228 للهجرة) في الري، ليصبح، بعد انتقال أبيه، إمامًا للإسماعيلية. انتقل إلى همدان، ثم أذربيجان واسطنبول، حيث وزَّع دعاتَه على مختلف المناطق الإسلامية، ليعود إلى سورية، متنقلاً بين مصياف والسلمية كمركزين للدعوة. وفي عهده استُخدِمَ الحمام الزاجل للتواصل بين الدعاة. وأيضًا...
الأتمَّاء النطقاء الأئمَّة المستورون
الحسن آدم عبد الله الرضي
الحسين نوح أحمد بن عبد الله (الوفي)
زين العابدين إبراهيم الحسين بن أحمد (التقي)
نَبَغَ دُعاةٌ عظماء، جاهدوا بالقلم واللسان في نشر الدعوة؛ وعلى رأسهم الحسن بن الفرج بن حوشب المنصور، الذي أُرْسِلَ إلى اليمن ممهِّدًا لظهور الشمس من مغربها على يد الإمام المهدي. توفي الإمام الحسين بن أحمد في مصياف في العام 289 هـ، ليقام ضريحُه بقرب أبيه وجدِّه – علينا منهم أجمعين السلام.
بعد هذه اللمحة الموجزة عن أئمَّة الكهف والسَّتر، نقول: لم تكن هذه الدعوة بنظر أهلها يومًا مذهبًا كغيره من المذاهب، بل دعوةُ حقٍّ لمذهب يُفترَض فيه أن يستغرق كلَّ المذاهب، ويسمو بالنفس إلى حقيقة المذاهب الواحدة. حيث يقول الإخوان في رسائلهم:
وبالجملة ينبغي لإخواننا – أيَّدهم الله تعالى – أن لا يُعادوا علمًا من العلوم، أو يهجروا كتابًا من الكتب، ولا يتعصَّبوا على مذهب من المذاهب، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلَّها، ويجمع العلوم جميعها. وذلك أنه هو النظر في الموجودات بأسرها، الحسِّية والعقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها وباطنها، جليِّها وخفيِّها، بعين الحقيقة، من حيث هي كلُّها من مبدأ واحد وعلَّة واحدة وعالم واحد ونفس واحدة، محيطة جواهرها المختلفة وأجناسها المتباينة وأنواعها المفنَّنة وجزئياتها المتغيرة.
واعلم أن الحقَّ في كلِّ دين موجود وعلى كلِّ لسان جارٍ، وأن الشبهة دخولها على كلِّ إنسان جائز ممكن. فاجتهد، يا أخي، أن تبيِّن الحقَّ لكلِّ صاحب دين ومذهب مما هو في يده أو متمسِّك به، وتكشف الشبهة التي دخلت عليه، إن كنت تحسن هذه الصناعة. ولا تُشغَلنَّ بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب. لماذا وُضِعَت الرسائل؟ تشير أغلب المصادر إلى أن الخليفة المأمون كان قد جمع المنجِّمين وأنفق عليهم الأموال الجمَّة لعمل الزيج الذي باسمه – وولاة الأمر مكتومون، داخلون في كهف التقيَّة. وقد ظنَّ المأمون، لعتوِّه وكِبَرِه، أن الفاطميين قد انتهوا، ولم يبقَ للشريعة مَن يُقيم دعائمها ويوضح مراميها، وطمع في إبطال الشريعة، وأراد أن يُظهِر علم الهيئة، وجعل معرفتها الدين، وأن الهيئة المبدأ والمعاد، على معرفتها الحساب والعقاب والثواب، ليرى الخلقُ أن ما جاء به محمد – عليه الصلاة والسلام – لا أصل له، وأن الصحابة، لما تيقَّنوا ذلك، عملوا بعليٍّ ما عملوا، وأنهم في ذلك مصيبون، لا ذنب لهم ولا عَنَتَ يُنسَب إليهم في قتل ذرية النبوة.
فلما علم وليُّ الحقِّ ذلك صنَّف الرسائل، وأظهر فيها ما أظهر من علوم الفلسفة الأربعة، ما هم عنه عاجزون، وشدَّ أركان الشريعة، فوطَّد قوانينها بالمقابلات والشواهد التي لا تختل ولا تستحيل عن المعاني بين الآفاق والأنفس، حتى أقبلت الأمَّة على حدود دينه، يُدارسونهم هذه العلوم، ووليُّ الحق عنهم مكتوم. وصنَّف الرسائل، جاعلاً أولَّها الرياضيات، ثم الطبيعيات، ثم النفسانيات، ورابعها الناموسيات الإلهيات، في توفيق عجيب بين ما وَرَدَ على ألسنة الحكماء من الرياضيات والطبيعيات وبين الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل والقرآن وغيرها من صحف الأنبياء. وثالثها الكتب الطبيعية، وهي صور أشكال الموجودات، بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك وأقسام البروج وحركات الكواكب ومقادير أجرامها وفنون الكائنات وأصناف المصنوعات على أيدي البشر وبواطنها الخفية؛ ورابعها الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهَّرون، وهي جواهر النفوس.
وتبدو غايتهم في التقريب بين الدين والفلسفة بيِّنة، في عصر ساد فيه الاعتقاد أن الدين في وادٍ والفلسفة في وادٍ آخر، وذلك بتعريف الفيلسوف على أنه الحكيم، وأن الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة البشرية، وبالاستشهاد بأقوال الفلاسفة، كسقراط وأرسطوطاليس وأفلاطون وفيثاغوراس وغيرهم، التي تصبُّ في نهر الحكمة الواحد الدافق، بما يتوافق مع أقوال الأنبياء كافة، التي استهانت بأمر الجسد ودَعَتْ إلى خلاص النفس من أسْر الطبيعة وبحر الهيولى بالعلوم – وأولها علم الإنسان بنفسه، ثم علمه بحقائق الأشياء.
وقد أكدوا أن علومهم التي طرحوها في الرسائل هي مفاتيح للمعرفة، لا ينبغي التوقف عندها، بل الترقِّي في سلَّم الصعود إلى الحالة الأخيرة الملكية، التي نرى أبدع وصف لها بقولهم:
أو هل لك، يا أخي، أن تصنع ما عمل فيه القوم كي يُنفَخ فيك الروح، فيذهب عنك اللوم، حتى لا ترى إلا يسوع عن ميمنة عرش الربِّ قد قرَّب مثواه كما يُقرَّب ابن الأب، أو ترى مَن حوله من الناظرين.
أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة أفريحون.
أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون حتى ترى الأفلاك يحيكها أفلاطون – وإنما هي أفلاك روحانية، لا ما يشير إليه المنجِّمون – وذلك أن علم الله تعالى محيط بما يحوي العقل من المعقولات، والعقل محيط بما تحوي النفس من الصور، والنفس محيطة بما تحوي الطبيعة من الكائنات، والطبيعة محيطة بما تحوي الهيولى من المصنوعات؛ فإذا هي أفلاك روحانية محيطات بعضها ببعض.
أو هل لك أن لا ترقد من أول ليلة القدر حتى ترى المعراج في حين طلوع الفجر، حيث أحمد المبعوث في مقامه المحمود، فتسأل حاجتك المقضيَّة، لا ممنوعًا ولا مفقودًا، وتكون من المقرَّبين – وفَّقك الله، أيها الأخ البار الرحيم وجميع إخواننا، لفهم هذه الإشارات والرموز. سبب تسميتهم "إخوان الصفاء" اختلفت الآراء أيضًا حول خلفية هذا الاسم: فمن قائل بأن التسمية تعود إلى الشعر الجاهلي وما بعده؛ أو تعود إلى ابن المقفع في كتابه كليلة ودمنة، لاستشهادهم بحديث الحمامة المطوَّقة وكيف نجت من الشبكة؛ وآخر يرى أنها من دعاء للفارابي؛ وثالث يرجِّح أن أول حلقة أخوية ظهرت بين القرامطة كانت حلقة "إخوان الصفاء"؛ وربما، كما يحلِّل بعضهم، من مقابلة كلمة "أخ" وكلمة philo وكلمة "صفا" وكلمة Sophia – وهي مقابَلة غير مقنعة بطبيعة الحال. لذلك نجد أن من الأنسب، ربما، أن نعود إلى رسائلهم، لنستشف من خلالها معنى "الأخوة" في نظرهم، وكيف يكون الصفاء:
واعلم، يا أخي، أن حقيقة هذا الاسم هي الخاصة الموجودة في المستحقِّين له بالحقيقة، لا على طريق المجاز. واعلم، يا أخي – أيَّدك الله تعالى – أنه لا سبيل إلى صفاء النفس إلا بعد بلوغها إلى حدِّ الطمأنينة في الدين والدنيا جميعًا. واعلم، يا أخي، أن حقيقة الصفاء أيضًا هي أن لا يغيب عن النفس الصافية الزكية شيءٌ من الأشياء التي بها الحاجة إليها.
إن الصفاء إنما يُعرَف بالكدورة، والعدل بالجور، والصحة بالسقم. وإنما صفاء إخوان الصفا لما أخلصوا الصبر على البلوى في السراء والضراء.
أما "الأخ" الحقيقي الذي ينصحون به:
فينبغي لك، إذا أردت أن تتخذ صديقًا أو أخًا، أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير والأرضين الطيبة للزرع والغرس، وكما ينتقد أبناءُ الدنيا أمر التزويج وشري الممالك والأمتعة التي يشترونها.
واعلم أن الخطب في اتخاذ الإخوان أجلُّ وأعظم خطرًا من هذه كلِّها، لأن إخوان الصدق هم الأعوان على أمور الدين والدنيا جميعًا، وهم أعز من الكبريت الأحمر. وإن وجدت منهم واحدًا فتمسَّكْ به، فإنه قرة العين، ونعيم الدنيا، وسعادة الآخرة؛ لأن إخوان الصدق نصرة على دفع الأعداء، وزين عند الأخلاء، وأركان يُعتمَد عليهم عند الشدائد والبلوى، وظهر يُستنَد إليهم عند المكاره، في السرَّاء والضرَّاء، وكنز مذخور ليوم الحاجة، وجناح خافض عند المهمَّات، وسلَّم للصعود إلى المعالي، ووسيلة إلى القلوب عند طلب الشفاعات، وحصن حصين يُلتجأ إليه يوم الرَّوْع والفزعات. فإذا غبتَ حفظوك، وإن تضعضعتَ عضدوك، وإن رأوا عدوًّا لك قمعوه. والواحد منهم كالشجرة المباركة، تدلَّتْ أغصانُها إليك بثمرها، وأظلَّتْك أوراقُها بطيب رائحتها، وسَتَرَتْك بجميل فيئها. فإن ذكرتَ أعانك، وإن نسيتَ ذكَّرك. يأمرك بالبرِّ ويسابقك إليه، ويرغِّبك بالخير ويبادرك إليه ويدلك عليه، ويبذل ماله ونفسه دونك.
فإذا أسعدك الله، يا أخي، بِمَنْ هذه صفتُه، فابذلْ له نفسك ومالك، وقِ عرضَه بعرضك، وافرشْ له جناحك، وأودعْه سرَّك، وشاوِرْه في أمرك، وداوِ برؤيته عينَك، واجعلْ أُنسَك – إذا غاب عنك – ذكرُه والفكرُ في أمره. وإن هفا هفوة فاغفرْ له، وإن زلَّ زلَّة فصغِّرْها عنده؛ ولا توحشْه فيخاف من حقدك؛ واذكرْ من سالف إحسانه عند إساءته ليأنس بك، ويأمن غائلتك – فإن ذلك أسْلَم لودِّه وأدْوَم لإخائه. مراتب إخوان الصفاء قسَّم الإخوان تنظيمهم إلى المراتب التالية:
1. مرتبة "ذوي الصنائع" من الشبان، الذين أتموا الخامسة عشرة؛ ويُدْعَوْن "الأبرار الرحماء".
2. مرتبة "الرؤساء ذوي السياسات"؛ وعُرِفوا بالحكمة والعقل، الذين أتموا الثلاثين؛ ويُدعون "الأخيار الفضلاء".
3. مرتبة "الملوك ذوي السلطان"؛ وعُرِفوا بالقيام بحفظ الناموس الإلهي؛ ويُدعون "الفضلاء الكرام"؛ وهم ممَّن أتموا الأربعين.
4. المرتبة العليا ممَّن أتموا الخمسين، وتشبَّهوا بالملائكة، بقبول التأييد ومشاهدة الحقِّ عيانًا.
استند الإخوان في تقسيمهم السابق على دعائم إسلامية:
1. فهم يرون أن المرحلة الأولى تبدأ بـ"ورود القوة العاقلة المميِّزة لمعاني المحسوسات على القوة الناطقة"؛ وإلى ذلك أشار سبحانه وتعالى: "وإذا بلغ الأطفال منكم الحِلْم."
2. والمرحلة الثانية تبدأ بـ"ورود القوة الحكمية على القوة العاقلة"؛ وإليه أشارت الآية الكريمة: "ولما بلغ أشُدَّه آتيناه حكمًا وعلمًا."
3. المرحلة الثالثة تبدأ بـ"ورود القوة الناموسية على النفس"؛ وإلى ذلك أشار القرآن: "حتى إذا بلغ أشُدَّه وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه."
4. والمرحلة الرابعة تبدأ بـ"ورود القوة الملكية"؛ وإلى ذلك أشار تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربِّك راضية مَرضيَّة فادخلي في عبادي وادخلي جنتي." المبادئ الأولية أو ما ندعوه اليوم "النظام الداخلي لجماعة الإخوان" أ. اعتُمِدَت التقيَّة كمبدأ أساسي في تنظيم إخوان الصفا، لضمان انتشار فكرهم وتفويت الفرصة على العدوِّ المتربِّص بهم – حتى وإن اضطرتْهم إلى التفرُّق في البلاد ومفارقة الأحباب الأصحاب – لأنهم فهموا عصرهم فهمًا دقيقًا، وأدركوا سلطان الدولة العباسية وخطر أية مواجهة للسلطة، وأن أيَّ إعلان منهم يعني نهايتهم. وكانت التقيَّة تنطبق على كوادر التنظيم كلِّها، من أدناها لأعلاها.
وهكذا ساعدت التقيَّة على رواج رسائلهم واستمرار فكرهم لقرون عديدة، وبقائه كمنهل ثرٍّ لكلِّ الفلاسفة الذين أتوا بعدهم، كابن سينا، والفارابي، والسجستاني، والكرماني، وناصر خسرو، ونصير الدين الطوسي، وغيرهم.
ب. وقد حدَّدوا سنَّ القبول بسنِّ الخامسة عشر، أي سنِّ الشباب الذي عليه الاعتماد، باعتباره قوة خلاقة فاعلة متقبِّلة لجديد الحياة. فهم يؤمنون أن الله ما بعث نبيًّا إلا وهو شاب، ولا أُعطِيَتْ حكمةٌ إلا لشاب، وأن المشايخ أول مَن كذَّب الرسل والأنبياء:
ينبغي لك ألا تُشغَل بإصلاح المشايخ الهرمة، الذين اعتقدوا منذ الصبا آراء فاسدة، وعادات رديئة، وأخلاقًا وحشة؛ ولكن عليك بالشباب السَّالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم، المريدين طريق الحقِّ والدار الآخرة، والمؤمنين بيوم الحساب، المستعملين شرائع الأنبياء – عليهم السلام –، الباحثين عن أسرار كتبهم، التاركين الهوى والجدل، غير متعصِّبين على المذاهب.
جـ. ولكنهم، في الوقت نفسه، لم يقبلوا عضوية أيِّ متقدم إليهم مباشرة؛ بل كانوا ينتقدونه كما تُنتقَد المعادنُ والدراهم، ليتَّفق معدنُه وجوهر دعوتهم الإلهية. وحدَّدوا صفة أساسية للعضو المرشَّح، ألا وهي الصدق، بكلِّ ما تعنيه الكلمة: من صِدْق ولائه، وصِدْق عقيدته، وصِدْق طاعته لحدِّه الأعلى، وصِدْق تعاونه وتجاوُبه مع إخوانه.
د. واعتمدوا مبدأ الشك، لاستجلاء كافة جوانب شخصية المرشَّح، وعدم الاطمئنان إليه إلا بعد اختبار أخلاقه وآرائه وتربيته، حتى لا يقعوا في شرك الاندساس، فيمرُّ بمراحل عديدة قبل أدائه القسم وأخذ العهد عليه.
هـ. أما اجتماعاتهم فكانت تتم في صورة دورية، كلَّ اثني عشر يومًا، لا يتخلَّف عنها المريد إلا لعذر قاهر، بحيث يأتيها نظيفًا متطهرًا، ليستمع من المرشد إلى تلاوة للرسائل، رسالة رسالة. ويتم الحضُّ خلال الاجتماع على تعاون الإخوان وتواصُلهم ومحبتهم بعضهم لبعض، وفق منهاج وشرائط تربوية تحكم علاقتهم الداخلية: الخارج عنها خارج على أحكام العقل، وبالتالي الإمام والشريعة برمَّتها، وعقوبته الطرد بالتي هي أحسن:
نخرج من صداقته، ونتبرَّأ من ولايته، ولا نستعين به في أمورنا، ولا نعاشره في معاملتنا، ولا نكلِّمه في علومنا، ونطوي دونه أسرارنا، ونوصي بمجانبته إخوانَنا، اقتداءً بسنَّة الشريعة، كما ندبنا إليه ربنا – جلَّ وعزَّ – فقال: "لقد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم إنا براءٌ منكم وممَّا تعبدون من دون الله."
و. كما استطاعت حركة الإخوان أن تجد لها ركائز وخلايا في طبقات المجتمع كافة، بدءًا من المُعدَمين وانتهاءً بهرم السلطة العلوي، فاكتسبت جماهيرية واسعة. وقد اختاروا من كلِّ فئة مسؤولاً عنهم من نفس الفئة، لأنهم وعوا تفاوُت مستويات الناس وطباعهم وسجاياهم؛ لذلك اختاروا داعيًا من وسط هذه الفئات، عارفًا بخفاياها. فنجدهم يقولون:
وقد ندبنا لكلِّ طائفة منهم أخًا من إخواننا ممَّن ارتضينا من بصيرته ومعارفه، لينوب عنَّا في خدمتهم، بإلقاء النصيحة إليهم بالرفق والرحمة والشفقة عليهم، وليكون عونًا لإخوانه بالدعاء لهم إلى الله وإلى ما جاءت به أنبياؤه – عليهم السلام – وإلى ما أشار إليه أولياؤه من التنزيل والتأويل لإصلاح أمر الدين والدنيا أجمعين.
ز. وللمرشد أو الداعي أيضًا يتوجَّهون بمجموعة من التوصيات والتعاليم، ويحضون على تحلِّيه بمجموعة من الصفات: أن يكون أبًا شفيقًا، وطبيبًا رفيقًا، لا نزقًا ولا خرقًا ولا منحرفًا ولا متجبرًا ولا متكبرًا ولا متغيرًا، ولا يحمِّل أحدًا فوق طاقته، ولا يكلِّفه فوق وسعه، يبرز لمريديه بروز النفس الكلِّية للنفس الجزئية، في جليل هيبته وجميل هيئته، ويخرج إليهم بسكينة ووقار ليعرِّفهم أمور دينهم ودنياهم، و...
... أن أصلح الأعمال وأجلَّ الأفعال تفقُّد إخوانهم وتدبير أمورهم، ومعرفة السياسات الدينية والدنيوية، وما يجب أن يعملوه ويعامِلوا به أهل الدنيا في معيشة الدنيا، وما يجب لهم وعليهم، من أداء الأمانة وترك الخيانة ومحبة بعضهم بعضًا في الله – عزَّ وجلَّ.
وهكذا، حتى يستخلص طائفةً منهم ويمتحنهم في فرقة الأولاد والنساء والأوطان ونفقة الأموال في سبيل الله؛ فإن صبروا على هذه المحن، أوْقَفَهم على الأسرار والأمثال والإشارات والعبارات، حتى إذا ما رأى انتقاشَها في نفوسهم وتصوُّرها فيها، أطلقهم كدعاة لاستجلاب إخوان آخرين بأسلوب الترغيب والإقناع. دولة أهل الخير والرسائل، في مجملها، تتوجَّه أساسًا إلى "الأخ البارِّ الرحيم"، باعتباره اللبنة الأولى لبناء مدينتهم الفاضلة، الذي ينبغي أن تتوفر فيه ابتداءً أربع أحوال:
- إقرار باللسان؛
- تصوُّر لهذا الأمر بضروب الأمثال للوضوح والبيان؛
- تصديق بالضمير والاعتقاد؛ و
- تحقيق له بالاجتهاد في الأعمال المشاكِلة لهذا الأمر.
وهذه المدينة يدعونها "مدينة أهل الخير"، محدِّدين بعض ملامحها، قائلين:
لا ينبغي أن يكون بناءُ هذه المدينة في الأرض، حيث تكون أخلاقُ سائر المدن الجائرة؛ ولا ينبغي أن يكون بناؤها على وجه الماء، لأنه يصيبها الأمواج والاضطراب ما يصيب أهل المدن التي على السواحل من البحار؛ ولا ينبغي أن يكون بناءُ هذه المدينة في الهواء مرتفعًا، لكيلا يصعد إليها دخانُ المدن الجائرة، فتكدِّر أهويتها. وينبغي أن تكون مشرفة على سائر المدن، ليكون أهلُها يشاهدون حالات أهل سائر المدن في دائم الأوقات؛ وينبغي أن يكون أساس هذه المدينة على تقوى الله، كيلا ينهار بناؤها، وأن يشيَّد بناؤها على الصدق في الأقاويل، والتصديق في الضمائر، وتتمَّ أركانها على الوفاء والأمانة، كيما تدوم، ويكون كمالُها على الغرض في الغاية القصوى التي هي الخلود في النعيم.
وكأني بهذه المدينة مدينة روحية، تخلَّص أبناؤها من أسْرِ عناصر الدنيا الأربعة – الماء والتراب والنار والهواء – بصفاء النفس واستقامة الطريقة، صعودًا في المقامات. أهلُها، كما يرون، قوم أخيار حكماء فضلاء، مستبصرون بأمور النفس وحالاتها، وما يتبع ذلك من أمور الأجساد وحالاتها. لهم سيرة جميلة كريمة حسنة، يتعاملون بها فيما بينهم؛ ولهم سيرة أخرى يعاملون بها أهل المدن الجائرة. وهي مسوَّرة، لا يدخلها إلا من عَرَفَ نفسَه وجوهرها ومبدأها ومعادها. تُنصَب دعائمُها على أربع قواعد، أسُّها: معرفة العقل وما يحيط به، والنفس وما تضمَّنتْه، والطبيعة وما أيَّدها، والهيولى وما تصوَّر فيها، ليصل الفرد في آخر المطاف أن يصير عقلُه كعقلها المدبِّر، صاحب الناموس الأكبر – الإمام – وهو تمام الغاية والمرام. كلمة أخيرة تمام – أو لنقل هكذا يبدو لي الأمر – وأنا في بداية الألفية الثالثة، حين آخذ هذه الرسائل، في عمقها الفلسفي والروحي وفي بُعدها الرمزي، فأحاول استنباط الحكمة منها، للجمع بين البشر. فهي، دونما ريب، مازالت من هذه الناحية تحتفظ إلى اليوم بمصداقيتها كاملة. وهذا ما ارتأينا إبرازه من خلال مقدمتنا هذه.

المراجع - رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، 4 أجزاء.
الرسالة الجامعة
- عارف تامر، ملف "الإسماعيلية" (مستل من دائرة المعارف).
- خير الله سعيد، النظام الداخلي لحركة أخوان الصفاء.
- مصطفى غالب ، تاريخ الدعوة الإسماعيلية.
- إدريس عماد الدين القرشي (الداعي)، كتاب زهر المعاني، بتحقيق مصطفى غالب

ثناء درويش
اديبة سورية