رحلة طارق وميسون من اليقين الى الشك

بقلم: عبدالعزيز الخميس

الدعوة للإسلام والتعريف بمبادئه، وإظهار سماحته وأحكامه بشكل طيب، أمر محبب يستحق التقدير والاحترام. ولا أتوقع أن شخصا يتصدى لهذا الأمر وبنية صادقة غارقة في حب الله، والإخلاص لدينه، يكون هدفه المال أو الدعاية لأسمه أو تصيد الناس واستغلال حاجاتهم الروحية.

لكن حينما يعتقد الداعية الفاقد للتأهيل العلمي الشرعي، أن الناس يفتقدون للقدرة على التمحيص، وأن باستطاعته أن يمرر لهم ما يريده فقد يصيب في استغلاله البعض، على الرغم من أن الأغلبية الآن تعرف تماما أن ما يقوله الشخص يحسب عليه، ويعبر عنه، ولا يمكن تبرير كلماته، وحملها محملا حسناً، وهي تصب لصالح الأهداف البغيضة التي منها التعالي على الآخرين، واعتبار روحانياتهم وتعبدهم ناقصاً، وأن الحقيقة ملك له.

انتظرت مكة المكرمة قدوم ميسون السويدان لتتعلم منها كيف تصبح مدينة روحانية؛ وعلى الرغم من أن والدها طارق السويدان يبشرنا على شاشة "الرسالة" المملوكة مِن قِبل الوليد بن طلال، بأن الله في كل مكان، إلا أن ابنته أثبتت فشل تعليم والدها فلم تجد الله في الحرم الشريف.

أبدع طارق السويدان في إظهار أن الداعية قد يفشل في تدريب أبنائه على قيم التسامح والطهرانية والروحانية. فابنته ميسون تعالت بكلماتها عن روحانية مكة، بل تداعت لترويج أنها لم تجد الله جل جلاله في الحرم، فخرجت منه هائمة على وجهها تبحث عنه في حارات مكة، ولم تلبث حتى صعقت بوجود ماكدونالد وسوني وباناسونيك بالقرب من الحرم، واعتبرتها منتجات إسرائيلية.

منطق غريب وعجيب يصدر من فتاة عاشت جلَّ حياتها في الولايات المتحدة، بل وارتبطت ذات يوم بأميركي كادت ان تخلف لنا منه "منتجات إسرائيلية"، وكأنها تريد من مكة أن تلغي تواصلها مع العالم ورغبة أهلها في التمتع بفواكه العالم العصرية.

نعرف جيدا أن السويدان الآن من أقطاب الإخوان المسلمين فرع الخليج العربي؛ وأحد مبشري الناس الغلبانين في العالم العربي. فتصوروا أن المبشر الإخواني الذي يدعو للمصداقية والطهرانية والإخلاص في القول يجافي الحقيقة نهاراً جهاراً في موقع التويتر حين يدعي، صراحة، أن ابنته ميسون اعتكفت في الحرم ووجدت روحانية عالية، لكنها استنكرت على الناس في الحرم وشوارع مكة عباداتهم الجافة. في الوقت الذي كانت فيه ابنة السويدان تركض في شوارع وأزقة مكة بحثا عن الإله، وتبكي بدموع سويدانية سوداوية عدم وجود نادٍ صحي في مكة إلا الصفا والمروة، وأنها ستنفجر إذا لم تمارس رياضة.

لم يكفها ركضها أو مشيها في الصفا والمروة لكي يسمو بروحها أو ليخف ثقل جسدها؛ وكأنها تريد من إدارة الحرم الشريف وضع معدات ترشيق الجسد في الصفا والمروة، وقد يفضل لبنت الداعية الإخواني الجليل أن يتم افتتاح مكان مخصص في الحرم لممارسة شد عضلات الصدر والبطن.

لم نعد نصدق البنت ولا أبيها. لكننا سنصدق شيئاً واحداً، وهو أن المبشر الإخواني العظيم زيّف الحقيقة، وأدعى ما لم يحدث لابنته. فالاعتكاف يتطهر فيه الإنسان ويمكث في المسجد بقصد التعبّد للّه وحده، لا أن يذهب لمكة المكرمة ولحرمها الشريف ليمارس رياضة الجري.

الأمر الأخر والمهم من قضية السويدان وابنته أنه بعد أن تدخل في قضايا عديدة في الخليج وحرضا الناس على حكامهم بدعوى أن هؤلاء الحكام غير متبعين للشريعة وحاول الإخوان المسلمون عبر السويدان أن يؤثروا على الوضع الداخلي لدولة خليجية فشلوا من النيل منها، بعد كل ذلك ينكشف الداعية ويظهر واضحا أنه لا يقيم اعتبار لذكاء الناس. أبنته تركض تائهة في شوارع مكة وهو يقول أنها معتكفة كالبتول في محراب العبادة الرمضانية.

تذكرني هذه القصة بمبشر إخواني أخر، سبر ابنه رمال صحراء النفود للجهاد في العراق وقتل "الكفار" العراقيين والاميركان، فاستنجد الأب حال معرفته بمسيرة ابنه الجهادية بمساعد وزير الداخلية السعودي لإيقاف الابن عن الجهاد الذي لطالما حرض الأب أبناءنا على القيام به. توجهت طائرات الهيلكوبتر لتوقف الابن وتعيده لحضن والده، الذي فاجأنا بالقول أن ابنه لم يكن في الطريق الى العراق بل كان يتصيد على الحدود العراقية، ولم يُعرف يوما عن الابن أنه أقترب من ضب أو عاكس غزالة.

للمبشر الإخواني السويدان كتب عديدة، ولكثرتها استغرب أن يجد وقتا للظهور على التلفزيون ناهيك عن رمي التعليمات العلوية في التويتر والفيسبوك. معظم هذه الكتب تتحدث عن الإبداع والإلقاء الرائع وإدارة الوقت. لكن يبدو أن ابنته ميسون لم تقرأ شيئاً من هذه الكتب، وهو قد نسي ما فيها، فهو لم يبدع في إدارة وقت الأزمة التي دارت رحاها في مكة، ويحتاج إلى تنظيم وقت في "التغريدات" التي نشرها وابنته فتبين عدم صدقها وأيضا النقص في الإبداع لإخراجها بشكل محكم.

منْ يريد أن يغير أنظمة الدول، ويبشر بأن الإسلام هو الحل عليه قبل كل شيء أن يتحلى بالمصداقية، ونرجو من المبشر الإخواني فعل ذلك. لا يمكن أن تتأثر دول وأنظمة إذا كان المتحدث عنها فشل فشلاً ذريعاً في شد حزام المصداقية على تغريدات في موقع للتواصل الاجتماعي فكيف سيتمكن من أن يدير أزمة في دولة وكيف سيصدقه الناس وهو يتحدث عن أزمات سياسية بينما أزمة تغريدة تبين تواضع القدرات في معالجة تبعاتها.

تبرز لنا قضية ميسون السويدان أن المبشر الإخواني يتصدى لأمر ليس هو أهلاً له؛ فلا علم شرعيا لديه، فكيف بمساعد في كلية تقنية يصبح معلماً كبيراً في الشريعة والتاريخ الإسلامي. هل لأن تعليم الشريعة ومبادئها مفتوحان دون تقنين وأصول يراعى فيها الاختصاص وأهله، وما هو أثر قضية ابنته ميسون على رؤية الناس للعاملين في المجال الشرعي، هل حين نشتكي من ملحدين ومتجرئين على الشريعة لا نأخذ في عين الاعتبار أن هؤلاء ضحية لضياع مصداقية منْ يتصدى للعلم الشرعي؛ ليخرج علينا من يقول: علماؤنا يكذبون، ويرتشون، ويستفيدون من قربهم من الحكام، أو يحرضون على الفتن حين يبعدون من التقرب للعروش.

العلم الشرعي يجب أن يقنن، فلا يمكن لنا قبول أن الحكومات تسمح بممارسة الطب لمن لا يحمل شهادة علمية موثوق بها لممارسته، لذا فما الذي يجعلنا نفتح باب ممارسة العلم الشرعي لأناس لا مؤهل لديهم إلا فتح مضخات النفط كالسويدان وغيره.

يستفيد السويدان، ومن هم على شاكلته، من غياب التشريعات المقننة للعمل في العلم الشرعي. لذا تظهر الفتن وتضعف الحجة الدعوية الإسلامية، فمن يصدق أن السويدان داعية وهو يروى عنه انه قال في إحدى الحسينيات في الكويت: "لا تسب أبا هريرة أمامي، بل سبوه في بيوتكم ".

لن أقول الكذب، بل سأستعمل كلمة ألطف وهي المداورة والمخاتلة التي هي سمة إخوانية؛ إلا من رحم ربك منهم، فيقولون شيئاً ثم يعملون غيره، ويشددون على أنهم لن يرشحوا في مصر رئيسا ثم ينقضوا بدعم أميركي على مقعد الرئاسة. ينفون أنهم خاطبوا رئيس الوزراء الإسرائيلي متمنين لشعب إسرائيل الاستقرار والسلام، في رسالة واضحة، وحين تنشر الرسالة لتكذبهم، يعترفون وبها ويقولون: إنه أمر بروتوكولي بحت لا يعني النوايا في دواخلهم.

كيف يمكن أن يثق المواطن في منْ يلوي عنق الحقائق، من مرسي إلى السويدان. من أعلى الجبل الإخواني لقعر الوادي، المخاتلة والمداورة والتقية الإخوانية تبدو واضحة، وسنستمتع بأسف بين الفينة والأخرى برؤيتهم يتخبطون بدعم من مموليهم.

في النهاية لا تثق بمن يتكسب من دينه مهما رقت عباراته لك، كي تؤمن بما يروج له، وتنضم لجوقة مريديه دافعي الخمس السني!

عبدالعزيز الخميس