رحلة نورة السعودية من القهر إلى التمكين في 'تأويل رؤية'
كشف الروائي المصري حسين أبو السباع عن الانتهاء من روايته الجديدة "تأويل رؤية"، التي تُعد واحدة من أكثر الأعمال الأدبية العربية جرأة في تناول قضايا اجتماعية حساسة، من خلال صياغة سردية تدمج بين الهوية السعودية العميقة والصوت المصري الذي يتولى مهمة التأويل الحكائي، في تجربة تُعد الأولى من نوعها في السرد العربي المعاصر.
تعالج الرواية التي تحمل طابع الدراما الاجتماعية ذات الامتداد الإنساني قضية زواج القاصرات في الماضي، وتبعات العنف العائلي، وذلك عبر مسار درامي طويل يعكس رحلة تمكين امرأة سعودية من الهامش إلى منصة التأثير، في انسجام واضح مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030.
تفتتح الرواية بمشهد شديد الرمزية: صحراء ساكنة تتوهج تحت قمرٍ باهت، وطفلة صغيرة تُدعى نورة تستيقظ من كابوس عنيف ترى فيه ضبًّا صحراويًا ضخمًا يخرج من عمق الرمال وينقضّ عليها ويلتهمها بالكامل.
ويؤكد حسين أبو السباع أن هذا المشهد لم يكن عنصرًا خياليًا عابرًا، قائلاً: "الكابوس هو مفتاح الرواية. اخترت الضبّ لأنه رمز للقيد والخوف، ولأن حضوره في الوعي الشعبي يختزن الكثير من الدلالات. أردته أن يكون ظلًا يرافق نورة، لا ليبتلعها، بل ليذكّرها دومًا بالشيء الذي يجب أن تتغلب عليه، وقد كتبت الرواية برؤية سينمائية تمهيدًا لتحويلها إلى فيلم سعودي عربي، تكشف كيف تحولت تفاصيل الحياة الاجتماعية في السعودية إلى صورة إيجابية".
تنتقل الرواية إلى واقع نورة القاسي، حيث يقوم والدها بتزويجها وهي لا تزال مراهقة لرجل يكبرها بثلاثة عقود، يدعى أبو سعد، متذرعًا بحجة "الستر" بينما يهدف في الحقيقة إلى المال والنفوذ، وإلى معاقبة أم نورة التي أبدت معارضة صريحة لهذا الزواج.
وتظهر شخصية الأم في الرواية كصوت مقاومة صامت، تتلقى الضربات دون أن تتخلى عن دعم ابنتها، بينما يعيش سعد، ابن الزوج من زواج سابق، صراعًا داخليًا بين ولائه لأبيه وإعجابه بقوة نورة وإصرارها.
تُشكّل رحلة نورة إلى القاهرة منعطفًا رئيسيًا في الرواية، فهي المرة الأولى التي ترى فيها عالمًا مختلفًا عن الصحراء والقهر العائلي. وهناك تتعرف على نبيل، الصحفي السعودي المثقف، الذي يكتشف موهبتها وقدرتها على التحليل، ويشجعها على الابتعاث وتطوير نفسها.
ويقول أبو السباع في هذا السياق: "نبيل ليس بطلًا رومانسيًا بالمعنى التقليدي، بل بوصلة. أردته أن يمثل صوتًا من داخل المجتمع السعودي يرى في المرأة شريكة في المستقبل، ويملك الشجاعة لتوجيهها نحو الطريق الصحيح، إذ تعمل الرواية بعمق على تحليل رحلة نورة الداخلية، كيف تحوّلت من طفلة تجري من كابوس إلى شابة تصنع من العلم سلاحًا لتحرير ذاتها".
وبحسب أبو السباع: "نورة لا تهرب من الضبّ… هي تتجاوزه. تتعلم أن الخوف لا يختفي، لكنه يصبح أضعف عندما نمشي باتجاهه، إذ إنها بعد سنوات من الصراع الداخلي والتعليم المتواصل في ظروف صعبة، تحصل نورة على منحة دراسية إلى جامعة هارفارد، حيث تُكمل دراستها بامتياز حتى حصولها على الدكتوراه، وتعود بعدها إلى المملكة "أستاذة جامعية" تحمل مشروعًا لتطوير التعليم وتمكين الفتيات، في انعكاس واضح لروح "رؤية 2030" التي جعلت من الاستثمار في الإنسان ركيزة أساسية.
تختتم الرواية بمشهد احتفالي في جامعة كبرى بالرياض، حيث تقف نورة أمام جمهور كبير خلال مراسم تعيينها أستاذة جامعية. وبينما يُعزف النشيد الوطني السعودي، تستعيد بطلة العمل كابوس طفولتها، قبل أن تبتسم وتهمس لنفسها: "ابتلعتُ خوفي… لا حياتي".
وأشار أبو السباع إلى أن رواية "تأويل رؤية" ليست فقط رواية درامية، بل شهادة على تطور مجتمع بكامله، وعلى قدرة المرأة السعودية على صناعة مستقبلها مهما كانت القيود.
ويختم أبو السباع حديثه قائلاً: "كتبت هذه الرواية لأقول إن الانكسار ليس نهاية الطريق، وإن الفتاة التي تُحاصر بالتقاليد قادرة أن تتحوّل يومًا إلى رمز للتجديد. نورة ليست شخصية فقط… إنها رسالة".
يذكر أن الروائي والكاتب الصحفي المصري حسين أبو السباع سبق وأصدر سبعة كتب، تنوعت بين الرواية والشعر وكتاب سياسي اجتماعي، وسجل حضورًا إعلاميًا لافتًا من خلال مقالاته التحليلية في مختلف الصحف والمجلات والمواقع الإخبارية الكبرى.