رد إماراتي هادئ على قرار الجزائر الغاء اتفاقية النقل الجوي

التصعيد الجزائري يعكس حالة انزعاج من تحولات إقليمية ودولية لا تصب في صالح طرح انفصالي في الصحراء المغربية تقوده بوليساريو، أكثر مما يعكس خلافا مباشرا مع الإمارات بحد ذاتها.

أبوظبي - في ردٍّ رسمي يعكس مقاربة إماراتية هادئة ومسؤولة، أكدت الهيئة العامة للطيران المدني في دولة الإمارات أن الإخطار الوارد من الجزائر بشأن إيقاف اتفاقية خدمات النقل الجوي بين البلدين يندرج ضمن الآليات المنصوص عليها في أطر الاتفاقيات الدولية، ولا يترتب عليه أي تأثير فوري على حركة الرحلات الجوية، موضحة في بيان صدر في أبوظبي الأحد، أن الاتفاقية تظل سارية خلال المهلة القانونية المحددة وأن العمليات الجوية بين البلدين مستمرة بشكل طبيعي دون أي تغيير.

وشددت الهيئة على أن التنسيق متواصل مع جميع الجهات المعنية عبر القنوات الرسمية وأن التعامل مع هذه المستجدات يتم بمهنية عالية ووفق الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة، بما يضمن استمرارية الخدمات الجوية واحترام الالتزامات الدولية الموقعة.

ويعكس هذا الموقف التزام الإمارات بنهج مؤسسي واضح يقوم على احترام القوانين والاتفاقيات، وتجنب أي تصعيد غير مبرر قد يؤثر في المصالح المشتركة أو حركة الملاحة الجوية.

ويأتي هذا التوضيح الرسمي في أعقاب إعلان الجزائر مباشرتها الإجراءات اللازمة لإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة بين البلدين في مايو/ايار 2013 والمصادق عليها نهاية عام 2014، استنادا إلى المادة 22 من الاتفاقية التي تتيح لأي من الطرفين إنهاءها عبر الإخطار الدبلوماسي وإبلاغ منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو).

وبموجب هذه المادة، تبقى الاتفاقية نافذة خلال فترة الإخطار وهو ما يفسر استمرار الرحلات الجوية وعدم حدوث أي اضطراب فوري.

ويبرز الهدوء الإماراتي بوصفه خيارا واعيا يعكس فهما عميقا لطبيعة الاتفاقيات الدولية، التي تفصل بين الإجراءات القانونية والمواقف السياسية، فبدلاً من الانجرار إلى ردود فعل متسرعة أو خطاب إعلامي تصعيدي، اختارت أبوظبي التعامل مع الملف من زاوية فنية وقانونية، مؤكدة أن مثل هذه الاتفاقيات تحكمها نصوص واضحة وآليات متفق عليها سلفاً.

في المقابل، ذهبت بعض التحليلات والتقارير الإعلامية في الجزائر إلى التلميح بإمكانية أن يمهد إيقاف الاتفاقية لخطوات سياسية أوسع كما تحدثت صحف محلية عن تداعيات محتملة على تنقل الأشخاص والبضائع، وحقوق الطيران والهبوط، وعدد الرحلات والسعات والأسعار، غير أن هذه السيناريوهات، في ضوء المعطيات القانونية، تبقى رهناً بالتطورات السياسية أكثر من كونها نتائج حتمية للقرار الحالي.

وتعكس مقاربة الإمارات في هذا الملف حرصها على الفصل بين الخلافات السياسية، إن وُجدت، وبين الالتزامات الاقتصادية والفنية التي تمس مصالح الأفراد والشركات، فالنقل الجوي يُعد قطاعاً حيوياً يرتبط بحركة التجارة والسفر والتواصل بين الشعوب، ومن ثم فإن التعامل معه يتطلب أعلى درجات المسؤولية والاستقرار.

ولا يمكن عزل هذا التطور عن السياق الأوسع للعلاقات الجزائرية الإماراتية التي شهدت خلال الفترة الماضية توترا سياسياً وإعلاميا، على خلفية اتهامات جزائرية غير مباشرة للإمارات بالتدخل في الشؤون الداخلية، إضافة إلى حملات إعلامية رسمية حملت خطابا حادا تجاه أبوظبي. ومع ذلك، حافظت الإمارات على موقف ثابت يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بالقنوات الدبلوماسية في معالجة أي تباين في المواقف.

والواضح أن التصعيد الجزائري لا يخرج عن سياق عام من فترة تخطت فيه منصات اعلامية محلية الضوابط والقانون الدولي في حملات ممنهجة حاولت الإساءة لدولة الامارات التي التزمت بدورها بسياسة الهدوء الدبلوماسي والسياسي في التعاطي مع مثل هذه الحملات.

ويعكس رد الهيئة العامة للطيران المدني الإماراتية نموذجا لسياسة هادئة ومتزنة، تضع القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة في صدارة الأولويات، وتؤكد أن دولة الإمارات، حتى في لحظات التوتر، تظل ملتزمة بالوفاء بتعهداتها واحترام الشراكات الدولية، بعيداً عن منطق التصعيد أو الرد بالمثل.

وتؤكد تصريحات أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، هذا النهج في التعاطي مع أي تصعيد أو حملة تستهدف أبوظبي.

وقال قرقاش في تغريدة على حسابه بمنصة اكس " الارتقاء بالخطاب العام وتبنّي خطاب رصين ومسؤول خيار حكيم يعكس ثقة وثباتًا؛ فهو يؤكد أن هذه ليست أخلاقنا، وأن الخلافات عابرة ولا ينبغي أن تمسّ علاقات الشعوب، وأن حشد الرأي العام يجب أن يكون حشدًا إيجابيًا يتطلع إلى الأمام ويؤسس لمستقبل أفضل، لا أن يُستنزف في سجال لا طائل منه."

ويُقرأ التصعيد الجزائري تجاه دولة الإمارات في سياق سياسي أوسع يتجاوز الملفات التقنية أو الخلافات الظرفية، ويرتبط في جوهره بمواقف استراتيجية راسخة، في مقدمتها الموقف الإماراتي الداعم لوحدة المغرب الترابية واعترافها الصريح بمغربية الصحراء.

وهذا الموقف الذي ينسجم مع رؤية إماراتية قائمة على دعم استقرار الدول ووحدتها وسيادتها الوطنية، شكّل نقطة تحوّل في نظرة الجزائر إلى أبوظبي، وأثار امتعاضاً واضحاً لدى صانع القرار الجزائري الذي ما زال يتبنى الطرح الانفصالي الذي تقوده جبهة بوليساريو منذ عقود.

والجزائر التي تتوارى خلف مبدأ "تقرير المصير" ودعم حركات التحرر واستثمرت في ملف الصحراء المغربية سياسياً ودبلوماسيا وإعلاميا، باعتبارها ورقة نفوذ إقليمي وامتدادا لصراعها الجيوسياسي مع المغرب، اتخذت مواقف ارتجالية في أكثر من مناسبة ضد بعض الدول التي تدعم مغربية الصحراء.

 ومن هذا المنطلق، جاء الاعتراف الإماراتي بمغربية الصحراء وما تبعه من دعم سياسي وتنموي واضح للأقاليم الجنوبية للمملكة، ليُنظر إليه في الجزائر على أنه انحياز مباشر لموقف الرباط وكسر لحالة التوازن التي كانت الجزائر تتوقعها من بعض العواصم العربية.

ويبدو أن هذا الغضب الجزائري تعزّز مع اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب والتي باتت تحظى بتأييد متزايد من دول عربية وأفريقية ودولية، في مقابل تراجع الزخم السياسي والدبلوماسي لأطروحة الانفصال.

وفي هذا السياق، تُدرج الإمارات ضمن الدول التي انتقلت من موقع الحياد التقليدي إلى موقف واضح ومعلن، يستند إلى قناعة بأن الحل الواقعي والدائم للنزاع يمر عبر احترام وحدة الدول وسيادتها، وليس عبر تشجيع مشاريع انفصالية ثبت فشلها في تحقيق الاستقرار.

ومع أن الجزائر تحاول تغليف تصعيدها بخطاب سيادي أو قانوني، إلا أن المؤشرات السياسية والإعلامية توحي بأن جوهر التوتر مرتبط بالخلاف حول الصحراء المغربية، أكثر من ارتباطه بملفات ثنائية محددة، فقد ترافق هذا التصعيد مع حملات إعلامية حادة، وتصريحات رسمية تلمّح إلى "تدخلات" إماراتية، في حين تلتزم أبوظبي خطابا هادئا يؤكد احترامها لسيادة الدول وعدم تدخلها في شؤونها الداخلية.

ويؤيد هذا التحليل عبدالخالق عبدالله الأكاديمي الاماراتي استاذ العلوم السياسية الذي اعتبر في تغريدة على حسابه بمنصة اكس أن قرار الغاء الجزائر الغاء اتفاقية جوية موقعة مع الامارات يأتي "نكاية بدعم الإمارات لاستقرار وازدهار المغرب"، مضيفا يقول المثل "اللي ما يبغينا ما نبغاه ومن لا يريدنا لا نريده ومن لا يريد شراكتنا لا نريد شراكته. هذا ينطبق على الجزائر ودول تود التغطية على فشل مشاريعها المليارية بافتعال معارك خارجية".

 

ويتضح من السياقات أن التصعيد الجزائري يعكس حالة انزعاج من تحولات إقليمية ودولية لا تصب في صالح الطرح الانفصالي الذي تقوده جبهة بوليساريو وتدعمه الجزائر، أكثر مما يعكس خلافا مباشرا مع الإمارات بحد ذاتها، فالموقف الإماراتي من الصحراء يندرج ضمن رؤية أوسع لدعم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يضعه في تعارض بنيوي مع المقاربة الجزائرية القائمة على رعاية نزاع مزمن بات عبئا سياسيا ودبلوماسيا متزايدا.