رسالة الامين العام للجامعة العربية للبارزاني تعكس الازمة التي تعيشها الجامعة

مع بان مثل هكذا رسائل تكون في الغالب قوالب وجمل جاهزة تصاغ حسب الحدث، وتكتب من منطلق اداء الواجب والمهام المنوطة بصاحبها، ومع علمنا بان مواقف الجامعة العربية هي مواقف كمالية اكثر مما هي مواقف حقيقية تبنى عليها سياسات استراتيجية. الا ان ما جاء في رسالة الامين العام للجامعة العربية الى رئيس كردستان السيد مسعود البارزاني يدعو للتوقف عليها مليا، ومعرفة ما تعانيه الجامعة العربية من ضبابية في التقييم، وعدم قدرة على ادراك المتغيرات التي تشهدها المنطقة.

اظهر السيد احمد ابو الغيط في رسالته "حرصا" منقطع النضير على وحدة العراق ومصير شعبه خاصة الكردستانيين منهم، مؤكدا على "القوانة" التي نسمعها من جهات اقليمية ودولية هذه الايام في ان الوقت غير ملائم الان للاستفتاء، وان ما حدث من احتلال داعش لثلث مساحة العراق يجب ان يكون درسا يدفع بالعراقيين للوحدة لا للتفرقة عوضا على الاستقلال، والذي وصفه بانه لا يخدم مصالح مكوناته بما فيهم الأكراد انفسهم، داعيا الى ضرورة حل المشاكل بالحوار، وضمان مستقبل مكوناته ضمن العراق الفدرالي الموحد.

ونريد هنا توضيح بعض النقاط التي ذهب اليها السيد ابو الغيط في رسالته للسيد البارزاني.

- يمكن ان نتفهم مبررات الدفاع الايراني المستميت عن وحدة الاراضي العراقية في الوقت الحالي، لكن ما لا نستطيع فهمه هي الاسباب التي تدفع بالجامعة العربية للدفاع عن هذه الوحدة. فعندما تدافع ايران عن وحدة العراق فهي تدافع عن سيطرتها ومصالحها في هذه الدولة التي اصبحت محافظة ايرانية تمرر من خلالها كل اجنداتها في المنطقة. فمواقف العراق الرسمية في الجامعة العربية ازاء ملف اليمن او ملف لبنان والملف السوري تتسق تماما مع وجهة النظر الايرانية وتتسق معها وهي بذلك تمثل المواقف الايرانية في الجامعة. فعن اي عراق يتحدث السيد ابو الغيط؟ ان ايران موجودة الان وبقوة في الجامعة العربية وهي عضو من اعضائها من خلال الحضور العراقي فيه، ولو كانت الجامعة العربية حريصة على عروبة الجامعة ووحدة الصف العربي كان يفترض بها على الاقل تجميد عضوية العراق فيها كما فعلت مع سوريا. لذلك فان دفاع الجامعة العربية عن وحدة العراق يصب في المصلحة الايرانية ليس الا.

- لغرض اطلاع الجامعة العربية على حقيقة الاوضاع كان الاولى بها ارسال وفد من الجامعة الى العراق للوقوف على راي الشارع الحقيقي في المناطق المعارضة للسيطرة الايرانية على العراق، لتوصلوا الى حقيقة انه ليس فقط الأكراد هم من يطمحون للاستقلال عن العراق بل وحتى العرب السنة اليوم وصلوا الى قناعة استحالة التعايش في هذه الدولة التي تهان فيها كرامتهم في اليوم الف مرة.

لقد عملنا كأكراد ومنذ 2003 على ترسيخ مبادئ الديمقراطية والتعايش في هذه الدولة، ونجحنا في ترسيخها بجدارة في كردستان، بيد اننا فشلنا في تصدير هذا النجاح الى الطرف العراقي الذي تصر حكومته على تبني طروحات مستنبطة من عقد تاريخية متخلفة ترفض ليس التعايش مع الأكراد فحسب، بل وحتى مع العرب السنة الذين يشتركون معهم في الرابط القومي. ولذلك فالحديث عن امكانية حل المشاكل بالحوار في دولة تتطاير فيها الرؤوس المقطوعة طوال اربع عشرة سنة هو ضرب من الترف السياسي.

- اتفق مع ما جاء في رسالة ابو الغيط بخصوص الاتعاظ من تجربة داعش في العراق لمنع تكرارها. وهذا تماما ما نحاول فعله عندما نطالب بالاستقلال. لان البقاء ضمن العراق يعني ابقاء الباب مفتوحا امام تعرض كردستان للمزيد من المخاطر الامنية مستقبلا طالما بقيت حكومة العراق تمتنع عن تجهيز البيشمركة بالاسلحة الثقيلة وحتى المتوسطة. فقد تمكنت البيشمركة من هزيمة داعش وتحرير مناطق كردستان منها باسلحة خفيفة لا يمكن لاي قوات مسلحة في المنطقة تحقيق النصر بها. اذا فتجربة داعش تدفعنا للاصرار على استقلال كردستان لا التنازل عنه، فحينها سنكون قادرين على حماية انفسنا من اي اعتداء مستقبلي عليها وبالطريقة التي نراها مناسبة.

- في رسالة يفترض ان يكون الهدف منها اقناع الأكراد بالتراجع عن الاستفتاء، استخدم ابو الغيط مصطلحات ما ان يطلع عليها اي كردي حتى يزداد يقينا بان الاستقلال هو الحل الانجع لمشاكله. فعبر تجربة استمرت قرنا من الزمن فشلت فيها الحكومات العراقية من الغاء الخصوصية الكردية واذابتها في المجتمع العربي ومحو الهوية الكردية، يأتي السيد ابو الغيط ليذكر في رسالته بان "الجامعة العربية تعترف بتنوع المجتمعات العربية". وبذلك ضرب بكل ما ادعاه من حرص على السلم الاهلي والتعايش والديمقراطية والحوار عرض الحائط، ولا ادري اين اصبح مبدأ الاعتراف بالاخر الذي اتخم بمفاهيمها بدايات رسالته. لقد اثبت الامين العام بهذه الجملة ان لا جدوى من اضاعة الوقت مع طرف يعتبر لحد الان ان كل المجتمعات التي تعيش في الدول العربية هي مجتمعات عربية، ويصر على ممارسة دور الاخ الاكبر للاخر غير العربي. ان موقف الجامعة العربية هذا ليس بالامر المتسغرب ولا نتوقع نحن في كردستان ان يكون لهم موقفا مغايرا لما تضمنته رسالة السيد احمد ابو الغيط، فالنخب السياسية العربية ورغم التجارب المريرة التي مرت على الدول العربية لا زالوا يتبنون نفس الافكار التي كانت سببا في تفتيت الدول العربية وتشتتها، ويبدو انها اصبحت افة مستفحلة يصعب التخلص منها.

لقد تعود الاخوة العرب على رفض كل ما يستجد على الساحة السياسية من تطورات في المنطقة والعالم، بل والتصدي لها، ثم بعد ان يتحول هذا المستجد الى حقيقة واقعة لا بد لهم من التعامل معه يبداون بالهرولة اليه واستجداء علاقات طيبة معه لكن بمكتسبات اقل وتنازلات اكثر. ولهم في هذا المجال امثلة عديدة.

ان الاستفتاء قادم واستقلال كردستان سيصبح واقعا في القريب العاجل، ونتمنى من الاخوة العرب ان يساندوا هذه الخطوة لا ان يقفوا ضدها، فقد اثبتت تجربة اقليم كردستان منذ تسعينات القرن الماضي ولغاية يومنا هذا بان كردستان احرص من العراق على اقامة علاقات طيبة مع الدول العربية، وحرصنا وسنحرص على ديمومتها حتى بعد الاستقلال، فكردستان المستقلة لن تختلف عن كردستان الاقليم في هذه التعامل مع الدول العربية.