رسالة ودية من كاتب إلى حاسوبه

لعلك تدري وحدك من دون جميع القراء في هذا العالم أنها ستكون أول رسالة ودية ووجدانية في تاريخ البشرية يحملها جناح النت من كاتب عربي إلى حاسوبه الأنيس الوحيد. رسالة عنك وإليك يشهر فيها علانية هذا الكاتب عن درجة محبتك له ومحبته لك. عن طاعتك اللامشروطة لأوامره وعن صبرك ورحابة صدرك لحماقاته الطفولية أحيانا وهو يقيم بين أحضانك المشعة أنوارا وتنويرا والمشبعة حرارة ودفئا.

منذ عقد من الزمن لا يذكر يوما أنك عزيزي الحاسوب خذلته ولو مرة واحدة بينما خذله هؤلاء البشر ألف مرة ومرة! ولم يذكر مرة أنك أخلفت مواعيدك معه كلما شوش عليك راحة رقدتك في الهزيع الأخير من الليل وأيقظك لتسهد إلى جانبه مثل أم رءوم أو والد حنون لتصغي للواعجه أو تجيب عن أسئلة أحلامه المعلقة وتفسر بعض كوابيسه السوريالية المزعجة.

يتساءل هذا الكاتب في أحايين كثيرة إن كان قد أكثر عليك أو بالأحرى أهانك حين توهم أنه يرفع من قدرك الوازن إلى مراتب الآدمية الوضيعة أو إن كنت أنت من رفع من قدر بنات أفكاره حتى أضحين سائحات منتشيات في مسالك المعرفة والتواصل وناسكات في غار الحكمة الرقمية شبيهات بالفلاسفة والأنبياء.

ولعلك تذكر عزيزي الحاسوب أول لقاء كان بينكما قبل عقد من الزمن على كوكب هذا البياض. كنت قريبا منه.. بعيدا عنه.. وهو يتوجس في مراودتك أو ملامسة أزرار معطفك. لكنه كان يشعر أن المسافة بينكما كانت أطول من المسافة بين الأرض والقمر. وفي لحظة تاريخية لن ينساها يذكر أنه سرى بينكما دبيب مغناطيسي لم يدر إن كان خدر تماسه الطفيف واللذيذ انطلق منك أومنه حتى ألفى نفسه بعد أيام يلملم كتبه ودفاتره ومخطوطاته الورقية في حقيبة جده القديمة ويودعها على رفوف الماضي ثم يرحل معك إلى متاهات كوكبك المبهم والغامض وحيدا وأعزل إلا من بعض الأبجديات القليلة التي كان قد اذخرها من صحائف رواد المعلوماتية البدائية.

عندما حللت يا عزيزي ضيفا في صدر بيتهم، صاروا يتهافتون للجلوس إلى جانبك لتحيتك والحديث إليك والنبش كالأطفال في جيوب معطفك الأسود باحثين عن هداياك الجديدة (ألعاب افتراضية.. موسيقى.. صور.. قصص ثلاثية الأبعاد 3D رسوم متحركة.. إلخ) وكنت تغدق عليهم من ذخائر معلومياتك وتجول بهم في حدائق رقميتك المدهشة وتفتح لهم بوابات مكتباتك وموسوعاتك العربية والعالمية. صاروا يلجونها كالغرباء أو كالأطفال المسكونين بدهشة الوجود وفتنة الكون أو كالبشر النازحين، الجوعى لرغيف المعرفة أو مثل بشر معزولين في جزر قصية يتطلعون إلى من يمدهم بجسور التواصل وفاكهة المعرفة.

لقد باتت علامات الاستفهام هي نقودهم التي يقايضون بها أجوبتك، وأسلاك الكهرباء والربط الشبكي هي أمصال لنجيع العلاقات الوثقى والحرارة بينكم.

من كان يفترض يا عزيزي الحاسوب. يا أنيسهم في وحدتهم وأسفارهم الافتراضية والواقعية أيضا. يا خير جليس في هذا العصر المجنون.. من كان يدري أنك بعد بضع سنوات فقط وليس قرون مثلما دأب تطور البشرية على ذلك أنك ستصير عيونهم التي يرون بها العالم وآذانهم التي يتسمعون بها إلى لغات الكون. أن تصير المعلم والطبيب والمستشار والأنيس والصديق والجليس الذي لا يكل ولا يسأم من أسئلتهم وأحيانا من ثرثراتهم المملة. هكذا أمسيت ملاذهم في لحظات الفرح والسأم. في الحرب والسلام وعليك من أستاذك الكتاب ألف تحية وسلام.