رضوى عاشور وشوشي براينر بين النكبة الفلسطينية وأحداث النازي

"النكبة والنازية.. دراسة في رواية الأجيال العربية والعبرية" لنهلة راحيل يقدم مقارنة بين "الطنطورية" و"كتاب الفراق الكبير".


الناقدة تقدم دراستها في ضوء المنظومة الثقافية التي تنتمي إليها كل أديبة


رواية الأجيال نوع روائي يعرض تطور الحياة لعدة أجيال، تكون صورة عن المجتمع ورمزا له خلال حقبة معينة

تقدم هذه الدراسة "النكبة والنازية.. دراسة في رواية الأجيال العربية والعبرية" للناقدة د. نهلة راحيل مقارنة بين روايتين تنتميان لرواية الأجيال، وهما "الطنطورية" لرضوى عاشور (2010)، و"كتاب الفراق الكبير" لشوشي براينر (2009)؛ لعرض نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما في ضوء المنظومة الثقافية التي تنتمي إليها كل أديبة منهما، ولتقصي ما حملته الروايتان من سمات جيلية من خلال تحليل الروايتين موضوعيا وفنيا.
ورواية الأجيال في رؤية د. راحيل في دراستها الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب نوع روائي يعرض تطور الحياة لعدة أجيال، تكون صورة عن المجتمع ورمزا له خلال حقبة معينة، وتكمن أهميتها في كونها تخلق عالما روائيا خاصا من خلال شريحة اجتماعية معينة، وفي أفق تاريخي طويل يمتد إلى عدد من العقود قد يصل إلى قرن أو أكثر، مما يسمح بتعدد الشخصيات وتعاقبها في أجيال، ويعيد فيها الكاتب تشكيل الواقع التاريخي من خلال تتبع مسيرة أجيال مختلفة شهدت التحولات الاجتماعية والسياسية خلال فترة من حياة مجتمعاتها، ضمت من الأحداث الجسام ما شكّل نقاط تحول في التاريخ بشكل عام. 
وترى د. راحيل أن هذا النوع من الرواية يجمع بين جنس الرواية الأدبى والتاريخ؛ حيث تهتم بسرد الحدث التاريخي ولكن من خلال تأثيره على الأسرة؛ فتكون الأسرة هي المحور الرئيس الذي تُنسج حوله الأحداث، ويكون أفراد تلك الأسرة - التي يختارها الروائي لأسباب يستشفها القارئ من خلال تطور السرد - هي الفاعلة للأحداث التي تدور في ظل خلفية تاريخية واقعية. وفيها يسعى الروائى إلى إبراز هذا البعد الزمني/ التاريخي من خلال تتبع حركة الأجيال، ورصد كل الظواهر المتغيرة على مدار تلك الفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث جيلا بعد جيل، والتي تكون غالبا فترة من الصراع أو التحول التي يمر بها المجتمع، ومن خلال تصويرها يعرض المؤلف صورة كلية تجسد مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في ذلك المجتمع خلال فترة معينة من تاريخه تجمع عادة بين مرحلتين.

سلوك الشخصيات ينبع من ارتباطها بالوطن المحتل، هذا الارتباط الذي يكشف عن مشاعر الأجيال الفلسطينية التي تعيش مغتربة خارج الوطن وتمسكها بحلم العودة

وحول أسباب اختيارها لروايتي رضوى عاشور وشوشي براينر قالت إن الاختيار وقع على الروايتين بهدف المقارنة بين النكبة الفلسطينية وفكرة النزوح القسري عن الوطن وشتات الفلسطينيين في البلاد المختلفة من جهة، وأحداث النازي وفكرة الهجرة إلى "الوطن المزعوم" من أجل إنهاء حالة "الشتات" اليهودي من جهة أخرى، ورصد تلقي الأجيال الثلاثة بالروايتين لمفهوم "النكبة/ النازية" بدءا بجيل الآباء الذين عاصروا الأحداث، مرورا بالأبناء الذين شكلوا حلقة وسطى بين الماضي الصادم والمستقبل المأمول، وانتهاء بالأحفاد الذين باعدت بينهم وبين الأحداث فترة زمنية طويلة.
وقد رصدت راحيل  تلقي الأجيال الفلسطينية برواية "الطنطورية" لرضوى عاشور لمفهوم (النكبة)؛ لمعرفة التغيرات التي حدثت أثناء انتقال مفهوم (النكبة) وأحداثها من جيل إلى جيل، والوقوف على مخزون الذاكرة الجمعية لتلك الأحداث لدى الأجيال الثلاثة، والتي قد تتراجع أو تضعف بفعل النسيان لدى الأجيال التي تلت جيل النكبة، ثم مقارنته بالرؤى والمفاهيم المختلفة التي أسهمت في تشكيل وعي الأجيال اليهودية الثلاثة برواية "كتاب الفراق الكبير" لشوشي براينر تجاه مفهوم (النازية)؛ بدءا بجيل الآباء الذي عاصر أحداث النازي وهاجر أبناؤه إلى فلسطين، مرورا بجيل الأبناء الذي مثّل أبناؤه الشخصية اليهودية المولودة بإسرائيل، وانتهاء بجيل الأحفاد الذي أسهمت الفترة الزمنية الطويلة التي باعدت بينه وبين أحداث النازي في انفصاله عن التجربة وتفاصيلها.
وأكدت راحيل أن تلك المقارنة التي تمت عبر صفحات كتابها أوضحت اتحاد الأجيال الفلسطينية الجديدة مع جيل النكبة في حالة من التواصل والامتداد هدفت في الأساس إلى محاربة أية محاولة لاغتيال الذاكرة الجمعية الفلسطينية؛ فجمعهم تاريخ واحد ومصير مشترك، وذلك خلافا للأجيال الجديدة بإسرائيل التي بدت في حالة من الانفصال عن جيل النازية رغم كل الجهود المبذولة لخلق ما يسمى بالمصير اليهودي المشترك. وقد أرجعت المقارنة حالة التواصل التي جمعت الأجيال الفلسطينية إلى إيمان أبنائه بالحق الفلسطيني الضائع وأملهم في استرداده رغم حالة الشتات، بينما رجعت حالة الانفصال بين أجيال الأسرة اليهودية إلى تشكك بعض أفرادها في عدالة قضيته وشرعية دولته التي قامت في الأساس على احتلال الأراضي الفلسطينية.

دراسة روائية
سرد الحدث التاريخي 

ورصدت د. راحيل الخصوصية الزمكانية في رواية الأجيال، خاصة تلك التي تدور أحداثها بين عالمي (المنفى) و(الوطن)، تلك الزمكانية التي تتشكل نتيجة جدل مستمر لشبكة من العلاقات الثنائية بين عالمين/ مكانين وزمانين، وهنا نجد أن شخصيات الروايتين تترواح بين ثنائيات زمنية ومكانية، وينشأ الصراع الرئيس بهما من جهود شخصياتهما للوصول إلى التوازن بين هذه الثنائيات أو من رغبتها في حل التناقض بين الوضع الزمني والمكاني الحالي الذي تجد نفسها فيه، ووضع زمني/ مكاني آخر تحلم به، فتدور أحداث الروايتين حول محاولة الأجيال المختلفة حل أزمتها المكانية (المكان الحالي/ المكان الأصلي) وأزمتها الزمنية (الحاضر/ الماضي) المترتبة على الخروج القسري من الوطن بفعل الاحتلال (الطنطورية)، أو قرار الرحيل عنه لأسباب سياسية أو اجتماعية أو كليهما معا (كتاب الفراق الكبير).
وقد خلصت نهلة راحيل في مقارنتها بين الروايتين إلى عدد من النتائج، منها: 
ـ اختلفت الروايتان في تلقي الأجيال الجديدة بهما لرغبة الآباء في نقل الحكاية إليه؛ حيث تلقى أبناء الجيل الجديد في "الطنطورية" محاولات آبائه وأجداده بالقبول والإصرار الشديد على تذكر جذوره وإعادة بناء ذاكرته الخاصة بالنكبة وتوثيقها لحمايتها من التبدد والنسيان، بينما قاومت الأجيال الجديدة بـ "كتاب الفراق الكبير" رغبة الآباء في نقل التجربة النازية وتفاصيلها إليه، وحاول أبناؤه التخلص من تبعات الماضي وخلق نمط يهودي جديد يشكل علاقة جديدة بالمجتمع تختلف تماما عن علاقة آبائه به. 
ـ اتحدت الأجيال الفلسطينية الجديدة بالرواية العربية مع جيل النكبة في حالة من التواصل والامتداد، فجمعهم مصير مشترك يهدف إلى الحفاظ على الذاكرة الجمعية الفلسطينية، بينما بدت الأجيال الجديدة في الرواية العبرية في حالة من الانفصال عن الجيل الذي عاصر أحداث النازي، حيث حاول أبناؤه البحث عن سبل جديدة تمكنهم من صياغة مستقبلهم بعيدا عن تاريخ الآباء وذاكرة "الشتات".
ـ اشتركت الروايتان في اتكائهما على التاريخ لإقامة العالم الروائي الخاص بكل منهما، فكل رواية منهما تصور تاريخ منطقة محددة في حقبة زمنية محددة، مجاوزة التاريخ الحقيقي/الرسمي لتلقي نظرة على ما آل إليه المجتمع في بنائه الداخلي، من خلال العلاقات بين أفراده في ظل ظروف تاريخية شهدت مراحل تحول فارقة في بنية ذلك المجتمع.
ـ  اتضحت أهمية المكان في رواية "الطنطورية" منذ البداية، وذلك للأهمية الكبيرة التي يحظى بها المكان في الرواية الفلسطينية عموما، ومن هنا جاء وصف المكان بالرواية مرتبطا بالتأكيد على الهوية العربية لقرى فلسطين ومدنها، حيث اهتمت رضوى عاشور اهتماما بالغا بتقديم وثيقة لا يمحوها الزمن تضم أسماء القرى والمدن الفلسطينية التي تعرضت للهدم أو لتغيير الأسماء، مما يبرز خصوصية المكان في الرواية بوصفه جزءا من وجود الفلسطيني وكيانه.
ـ أما في رواية "كتاب الفراق الكبير" فقد ظهر بوضوح قلة اهتمام الكاتبة بتقديم صورة مادية تفصيلية للمكان، في مقابل اهتمامها بطبيعة العلاقات الإنسانية القائمة داخله؛ حيث لم تلتفت الكاتبة إلى الوصف الموضوعي لمكونات المكان، بل اهتمت بوجود الشخصية ضمن محيطه.
ـ اعتمدت رضوى عاشور في وصفها لأبعاد المكان على الصورة الوصفية (التي تعرض الأشياء في سكونها)، جنبا إلى جنب مع الصورة السردية (التي تعرض الأشياء متحركة)، بينما غلبت الصورة السردية على بناء الكاتبة شوشي براينر لمعظم فضاءات المكان في روايتها، في حين اتفقت الأديبتان في اعتمادهما على أسلوب الوصف التعبيري/ النفسي للمكان، الذي يصور الأشياء من خلال إحساس الشخصية بها.
ـ ظهرت العزلة المكانية بشكل واضح في رواية "كتاب الفراق الكبير"؛ فمعظم فصول الرواية تدور في أماكن مغلقة سواء أكان منزل (عيرا) أو في منازل أخرى، بينما احتفت رضوى عاشور في روايتها بالأماكن الخارجية التي تتميز بالرحابة والاتساع، وخاصة (البحر) الذي شكل مرجعا لكل أحداث الرواية وأماكنها سواء أكانت مفتوحة أو مغلقة. 

رواية الطنطورية
الوقوف على مخزون الذاكرة الجمعية 

ـ ارتبطت حركة الزمان بحركة المكان في الروايتين؛ حيث نشأ الصراع الرئيس بهما في محاولة الأجيال المختلفة حل أزمتهم المكانية (المكان الحالي/ المكان الأصلي)، وأزمتهم الزمنية (الحاضر/ الماضي)، المترتبة على الخروج القسري من الوطن بفعل الاحتلال (الطنطورية)، أو قرار الرحيل عنه لأسباب سياسية أو اجتماعية أو كليهما معا (كتاب الفراق الكبير)، بحيث أصبح المكان محورا لحياة الشخصيات، وأصبح الانتقال منه أو إليه هو النواة التي ينطلق منها السرد. 
ـ ومن تحليل الروايتين والمقارنة بينهما تبين ارتباط الشخصيات برواية "الطنطورية" بفلسطين/ الوطن رغم حالة الشتات (جذرية الوجود العربي)، فسلوك الشخصيات بالرواية ينبع في الغالب من ارتباطها بالوطن المحتل، هذا الارتباط الذي يكشف عن مشاعر الأجيال الفلسطينية التي تعيش مغتربة خارج الوطن وتمسكها بحلم العودة، حيث يظل الانتماء إلى الوطن من أهم وأول الروابط التي تصل الشخصية الفلسطينية بمكانها الأصلي وتؤكد هويتها وتاريخها، مما يشير إلى خصوصية العلاقة بين الفلسطيني والمكان، فهو يضرب بجذوره في الأرض رغم الابتعاد عنها. 
ـ على العكس حاولت الأديبة الإسرائيلية مد جذور الجماعات اليهودية بفلسطين وإثبات ارتباطها بالمكان من خلال الرواية (حداثة الوجود اليهودي)، ولذلك نجد أن الكاتبة في وصفها لمعالم المكان حرصت على نفي الوجود العربي بالمنطقة إيمانا منها بأن تغيير معالم المنطقة والسعي لتهويدها سيجعل العالم يعترف بأن هذه الأراضي هي بالفعل جزء من إسرائيل. ومع ذلك، فقد ظهرت حالة من الانفصال الفكري والشعوري بين الأجيال، وظل أبناء الأسرة يعيشون في حالة من الاغتراب عن الأرض التي جمعتهم عنوة، مما يشير إلى فشل الصهيونية في حل ما يسمى بـ"المسألة اليهودية" بتجميعها لليهود داخل "وطن مغتصب" يضمن لهم الاستقرار.