رفض وتنديد لتحايل النهضة على الدستور بفرض صندوق زكاة في تونس

منظمات وأحزاب ونشطاء يطالبون الحكومة ورئيس الدولة بوضع حد لرئيس بلدية الكرم الذي أقدم على إحداث صندوق للزكاة في خرق صارخ للدستور والبرلمان الذي سبق وان رفضه عندما تقدمت به حركة النهضة ضمن مشروع المالية لسنة 2020 في ديسمبر الماضي.


صندوق الزكاة فشلت النهضة في تمريره ضمن مشروع ميزانية 2020


دعوات لمنع النهضة من بناء كيانات موازية للدولة تحت غطاء ديني

تونس - نددت أحزاب سياسية ومنظمات مدنية في تونس بسماح الحكومة لأحد رؤساء البلديات المحسوب على حركة النهضة في إحدى ضواحي العاصمة بإنشاء صندوق مفتوح للتبرعات تحت مسمى "صندوق الزكاة" وهو مشروع سبق أن تقدم به الحزب الإسلامي إلى جانب حليفه ائتلاف الكرامة لكن البرلمان رفضه.

وأثار تدشين رئيس بلدية الكرم فتحي العيوني اليوم الثلاثاء "صندوق للزكاة" استنكارا واسعا ضد الحكومة التونسية التي طالبها نشطاء ومحامون وأحزاب سياسية بتوضيح موقفها من هذا الخرق الفاضح للقوانين والخروج الخطير عن التشريعات الصادرة عن البرلمان والدستور.

واعتبرت أحزاب وحقوقيون عملية إلتفاف النهضة على القوانين وإنشاء صندوق الزكاة أكبر عملية تحيل على الدولة المدنية في تونس وخرق لدستورها بعد أن رفض البرلمان ذلك المقترح منذ أشهر.

وظهر العيوني صباح اليوم الثلاثاء خلال تشدين الصندوق في مدينة الكرم التابعة لمحافظة تونس، وهو يشارك في غرس شجرة زيتون إلى جانب قياديين من حركة النهضة من بينهم رئيس الوزراء خلال حكم ترويكا حمادي الجبالي ورئيس حزب الزيتونة الإسلامي عادل العلمي نواب من إئتلاف الكرامة وغيرهم من الإسلاميين المعروفين بتشددهم وسط خرق لتدابير التباعد الاجتماعي المفروض في البلاد لمنع انتشار فيروس كورونا.

وقال العيوني وهو محام مثير للجدل عرف بالقضايا العديدة التي رفعها ضد كل من يعارض النهضة، خلال تدشين صندوق الزكاة إن الصندوق له مزايا عديدة "فهو يؤمن شريعة إسلامية مغيبة في قوانين الدولة ومؤسساتها مند سنوات". وأضاف أنه يريد للشعب "أن يستعيد كرامته من خلال منظومة الزكاة".
وغالبا ما تثير تصريحات العويني استفزازا واستنكارا في الشارع التونسي بسبب آرائه المتشددة والمدافعة عن تجاوزات الإسلاميين. وفي 5 ديسمبر/كانون الأول 2019، أعلن عن إحداث صندوق للزكاة ضمن حساب خاص بالبلدية بالهبات يتم فتحه لدى المحاسب العمومي، مع تكليف الكاتب العام للبلدية تنفيذ القرار. لكن رئيس بلدية الكرم فشل في تنفيذ ذلك بعد تنديدات بتجاوزه صلاحياته وسعي مدبر من حركة النهضة لتركيز دولة موازية عبر تجميع الأموال لتوظيفها في الاستقطاب الشعبي تحت غطاء ديني والالتفاف على تراجع شعبيتها بسبب فشلها في إدارة البلاد خلال تسع سنوات من الحكم.

وفي 10 ديسمبر الماضي، فشلت كتلة حركة النهضة وحليفها إئتلاف الكرامة في أول تصويت لها في البرلمان الذي فازت بغالبية ضعيفة فيه خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، في تمرير قانون يسمح لها باستحداث صندوق للزكاة والتبرعات بعد أن عارضه 93 نائبا بينما امتنع 17 نائبا عن التصويت.

وكان اقتراح الحزب الإسلامي ينص على إضافة فصل لإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع قانون المالية 2020 لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة اعتبرها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات إديولوجية مراوغة.

وطالب المحامي التونسي عماد بن حليمة "والي (محافظ) تونس بالطعن في قرار إحداث صندوق زكاة الصادر عن المجلس البلدي لبلدية الكرم".

وكتب بن حليمة عبر صفحته على فيسبوك أن والي تونس مطالب "بإيقاف تنفيذه (قرار إحداث صندوق زكاة) أمام الدائرة الابتدائية بالمحكمة الإدارية وفق الإجراءات المقررة بالقانون الأساسي للجماعات المحلية إن كان لا يخشى الإخوان".

ووصف بن حليمة ما قام به رئيس بلدية الكرم الذي أطلق عليه لقب "أمير الكرمستان" في رسالة اعتبرها موجهة إلى رئيس بدلية إخواني وليس كزميل في المحاماة، بـ"الشعوذة " ومخالفة للقانون .
وفي نفس السياق قال بن حليمة في بيان "في إطار الخزعبلات الإخوانية واستغلال الدين للتحيّل على الناس طالعنا السيد رئيس بلدية الكرم بما أسماه بإحداث صندوق زكاة وهو ما اعتبره البعض تهديدا لمدنية الدولة وكذلك لوحدتها في ما علقت كتائب الإخوان على مناهضة هذا المشروع بالتكفير و بمعاداة الدين" .
وأضاف "الحقيقة أن الأمر لا يتجاوز قدر الفولكلور والاستفزاز غير المقبول والمناقض للقانون وهو بمثابة ردة الفعل على إسقاط الفصل المتعلق بإحداث صندوق زكاة بقانون المالية لسنة 2020 .

وبعيدا عن الخلاف حول البعد الديني يعود رفض التونسيين لمشروع صندوق الزكاة إلى منع النهضة من بناء كيانات موازية للدولة تستطيع من خلالها في المستقبل أن تنافسها بها وتلتف عليها، خاصة أنها تعمل على إضفاء شرعية قانونية على هذه الكيانات مثلما هو الأمر مع الجمعيات الخيرية التي تستثمر أموالا طائلة في أنشطتها دون أي رقابة.

وقال بن حليمة إنه استنادا  "للفصل 14 من الدستور فإن الدولة تدعم اللامركزية في كامل التراب الوطني وفي إطار وحدة الدولة وعليه فإن الجماعات المحلية لا يمكن أن تصبح إمارة وتتمرد على السلطة المركزية التي تبقى هي الماسكة بمكونات وحدة الدولة".

واعتبر ما قام به رئيس بلدية الكرم "تحيلا باستعمال الدين واللعب على مشاعر الناس لإعطاء تقديم الإعانة المالية للبلدية مسحة دينية"، ولم يستبعد أن يعتبر العويني "من لا يقدم ذلك الدعم متخلفا عن أداء فرض ديني وبالتالي يعتبر من الخوارج".
وحذر المحامي التونسي من "هذه العينة من فيروس إخواني يحاول الانتشار في جسد الدولة لتفتيته وإنشاء إمارة تقطع مع وحدة الدولة التي يضمنها الدستور" .

وأصبحت النهضة تعول في البرلمان على تحالفها مع إئتلاف الكرامة الذي يركز نوابه المتشددون على نشر فوضى خلال جلسات المجلس، لدعم مقترحاتها ومشاريع قوانين مثيرة للجدل تقدمها خدمة لمصالحها ولتمكين مسؤوليها في الدولة، معتمدة في ذلك على بعض المحامين المواليين لها لمساعدتها في الاستفادة من الحيل القانونية لتمريرها.

واعتبر المرصد التونسي للدفاع عن مدنية الدولة في بيان أن افتتاح "صندوق للزكاة" تحت شعار "إحياء شعيرة الزكاة" يعد مؤشّرا خطيرا على استخفاف بلدية الكرم بمؤسسات الدولة، حكومة ومجلسا تشريعيا" خاصة وأنّ مجلس نواب الشعب رفض المصادقة على إنشاء صندوق للزكاة.

واعتبر المرصد أن هذه البادرة التي وصفها بالخطيرة "تُمثّل تحديا صارخا لمنطوق الدستور في تنصيصه على مدنية الدولة ومحاولة واضحة ومفضوحة للشروع، خطوة خطوة، في بناء الدولة التيوقراطية الدينية، دولة الخلافة، التي تنسف مبادئ الدولة المدنية الحديثة".

وأضاف المرصد أن عبارة "الزكاة" هي "مفهوم ديني بحت وفريضة يقوم بها المسلم بمفرده، واستعمالها مغالطة للمواطنين قصد اقناعهم بأن المساهمة في الصندوق واجب ديني وليس مبادرة تضامنيّة، كما أنها تُكرّس التفرقة بين المسلمين وغيرهم من المواطنين التونسيين، وفي مخالفة صريحة لنص الدستور وروحه".
اعتبر المرصد أن "ربط مفهوم الزكاة بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو محاولة لتمرير إيديولوجيّة سياسية. ذلك أن مساهمة المواطنين في التنمية وفي حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية تمرّ عبر الضرائب والأداءات، أي عبر المؤسسات الرسمية للدولة التي هي وحدها المسؤولة عن تلبية الاستحقاقات الاجتماعية للمواطنين، وليس عبر صناديق مشبوهة يُراد بها الشروع في تعويض البنك المركزي ووزارة الماليّة لترك الماليّة العموميّة بين أيدي طرف سياسي دون غيره".
وقال مرصد الدفاع عن مدنية الدولة إن تجارب التونسيين مع مثل هذه الصناديق تركت أسوأ الذكريات لديهم بسبب ما حام حولها من شبهات الفساد وسوء التصرّف، في إشارة إلى صناديق التبرع التي كانت تحوم حولها شبهات فساد خلال فترة حكم زين العابدين بن علي
ودعا  المرصد السلطات السياسية العليا بالتدخل العاجل لمنع هذا التوظيف السياسي للدين وهذه التجاوزات الخطيرة التي تُمثّل تمرّدا على مؤسسات الدولة وعلى دستورها ومدنيّتها.

من جهته استنكر الحزب الدستوري ما قام به رئيس بلدية الكرم و"تركيز لافتات بالشوارع للترويج لصندوق الزكاة رغم رفض البرلمان المصادقة على مشروع إحداث هذا الصندوق وبالتالي غياب أي سند قانوني لإحداثه".
وقال الحزب في بيان إن "هذا التصرف يمثل تمردا صريحا على قوانين البلاد وقرارات البرلمان وتجاهلا لموقف السلطة الجهوية التي رفضت المصادقة على قرار المجلس البلدي بالكرم"، داعيا إلى ضرورة التصدي لكل محاولات ضرب وحدة الدولة المدنية و"الاعتداء على دستور البلاد وتوظيف صلاحيات رئيس البلدية صلاحياته لخدمة مخطط تقويض أسس الدولة المدنية الحداثية".
وأشار الحزب الدستوري الحر نوابه عن جهة تونس 2 وتونس 1 طلبوا من والي الجهة الدعوة لعقد جلسة استثنائية استعجالية للمجلس الجهوي بمحافظة تونس سعيا لإصدار موقف رافض لهذا الاعتداء والتباحث في إجراءات إلغاء وإيقاف تنفيذه.

من جهته عبر حزب آفاق تونس عن رفضه لما قام به رئيس بلدية الكرم مستنكرا الخرق الخطير للدستور عبر فرض إحداث صندوق الزكاة رغم رفض مجلس نواب الشعب المصادقة على مشروع قانون في هذا الشأن.

وطالب الحزب "رئيس الدولة بصفته راعي الدستور والحكومة باعتبارها مؤتمنة على تطبيق القانون وكافة الأحزاب والمنظمات أن تتحرك لإيقاف هذه التجاوزات التي تهدد ديمقراطيتنا الناشئة والتصدي لكل ما من شأنه أن يعرض وحدة البلاد واستقرارها للخطر".