رفع العقوبات الشامل عن إيران عملية معقدة تمتد لسنوات
لندن – من المتوقع أن تجني طهران مليارات الدولارات من إعفاء من العقوبات الأميركية مدته 60 يوما أُعلن عنه الاثنين، لكن رفع القيود المفروضة منذ أكثر من 40 عاما ينطوي على تحديات قانونية وسياسية وتجارية ربما تستغرق سنوات.
وتتمحور المسألة حول ما إذا كان الاتفاق الأميركي المؤقت مع إيران يمكن أن يتحول إلى تخفيف اقتصادي دائم، في ظل تعقيد تفكيك نظام عقوبات يمتد عبر القانون الأميركي والإجراءات الدولية ومخاوف من المخاطر لدى القطاع الخاص.
وبموجب مذكرة تفاهم من 14 بندا وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي، من المقرر أن تبدأ واشنطن إلغاء جميع أنواع العقوبات وفق جدول زمني سيحدد ضمن اتفاق نهائي يجب التوصل له خلال 60 يوما، وهي فترة يمكن تمديدها.
وترتبط عقوبات الأمم المتحدة على إيران ببرنامجها النووي وبما تعده المنظمة الدولية انتهاكا لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وأصدر مجلس الأمن الدولي قرارات بفرض عقوبات في أعوام 2006 و2007 و2008 و2010.
وشملت هذه العقوبات حظرا على الأسلحة ومنع توريد بعض المواد والتقنيات المرتبطة بالأنشطة النووية إضافة إلى تجميد أصول عدد من الشركات والأفراد. وحظرت القرارات أيضا على إيران أي أنشطة لتطوير أو إنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.
وقال خوان زاراتي، نائب مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش "لديك هذا العش المتشابك من العقوبات، ولا يتعلق الأمر بالأوامر التنفيذية فحسب، بل بعقوبات الكونغرس أيضا".
لا توجد طريقة سريعة أو سهلة لإلغاء العقوبات دفعة واحدة
ورغم تجميد هذه القرارات أموال وأصول الحرس الثوري الإيراني وشركة الشحن الحكومية، فإن العقوبات لم تتضمن حظرا على صادرات النفط الإيرانية. وبعد التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) عام 2015، وضع مجلس الأمن جدولا زمنيا لرفع العقوبات المفروضة على إيران.
غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحب من الاتفاق في 2018، مما دفع إيران إلى التوقف عن الالتزام ببعض بنوده، وأُعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة بموجب آلية "العودة التلقائية" العام الماضي.
وفرضت واشنطن عقوبات على إيران لأول مرة عام 1979، عندما اقتحم طلاب ثوريون السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين رهائن. ومنذ ذلك الحين، فرضت العديد من العقوبات الإضافية بسبب دعم إيران جماعات تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية فضلا عن برنامجها النووي. ويشكل الحرس الثوري، أكثر الكيانات نفوذا في إيران والمتغلغل في اقتصادها، عقبة كبيرة، إذ تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.
وتتولى وزارة الخزانة الأميركية إدارة هذه العقوبات، لكن نظرا لتعدد الأطر القانونية والآليات التي تقوم عليها، لا توجد طريقة سريعة أو سهلة لإلغائها دفعة واحدة.
وقال جيريمي بانر، الشريك في شركة المحاماة "هيوز هابارد اند ريد" والمسؤول السابق في سلطات فرض العقوبات الأميركية، إن شطب آلاف الكيانات المدرجة على قوائم العقوبات سيستغرق من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عاما على الأقل.
وبوسع ترامب إلغاء الأوامر التنفيذية الصادرة بشأن إيران، لكن بعض الإجراءات - بما في ذلك العقوبات المفروضة على حماس وحزب الله - تنص عليها القوانين، ولن يتم رفعها أو تعديلها إلا من قبل الكونغرس، حيث قوبل الاتفاق المؤقت بالفعل بانتقادات علنية حادة من مشرعين ينتمون للحزب الجمهوري مثل الرئيس.
وقال مات زويج، المدير الإداري للسياسات في "إف.دي.دي أكشن"، ذراع الضغط التابعة لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن التراجع عن عقوبات مفروضة منذ 40 عاما سيكون صعبا.
وأضاف زويج، وهو مساعد سابق في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب "أي محاولة لإزالة شريحة تلو الأخرى من العقوبات على نحو شامل ستكون أشبه بتقشير بصلة، إذ ستعرض الإدارة ليس فقط لتعقيدات قانونية بل لمخاطر سياسية".
ويستند فرض العقوبات إلى قانونين من سبعينيات القرن الماضي يمنحان الرئيس صلاحيات استثنائية تجدد سنويا، إضافة إلى قوانين صدرت في عامي 1996 و2017 تستهدف إيران ودولا أخرى على نحو خاص.
ويمكن للرئيس الأميركي بسهولة إلغاء العقوبات التي يفرضها عبر أوامر تنفيذية. وتشمل هذه العقوبات تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات وحظرا على الأسلحة ومنعا كاملا للتجارة أو الاستثمار في إيران، وكذلك حظر شراء نفطها.
وفي المقابل، يصعب رفع العقوبات التي أقرها الكونغرس، إذ لا تتضمن إعفاءات أو استثناءات مرتبطة بتصرفات إيران في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان أو دعمها لجماعات تعدها واشنطن إرهابية. وهناك أيضا عدد كبير من الشركات والأفراد والهيئات الحكومية مدرج بشكل محدد على قائمة العقوبات وإزالة جميع هذه التصنيفات قد يستغرق وقتا طويلا.
وفرض الاتحاد الأوروبي عام 2012 حظرا على صادرات نفط إيران وجمد أصول بنكها المركزي وأوقف تجارة المعادن النفيسة والمنتجات البتروكيماوية من الجمهورية الإسلامية وإليها. وفرض كذلك قيودا على التجارة الخارجية والخدمات المالية وقطاعي الطاقة والتكنولوجيا.
وفي 2012 أيضا، جرى فصل بعض البنوك الإيرانية عن نظام "سويفت" للمدفوعات الدولية بموجب توجيهات من الاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى عزل أجزاء كبيرة من النظام المالي الإيراني عن العالم.
ورغم رفع بعض العقوبات في إطار اتفاق 2015 النووي، فقد أعيد فرضها لاحقا، مع إجراءات إضافية استهدفت أفرادا وأجزاء محددة من برامج الصواريخ والطائرات المسيرة.
وفرض التكتل أيضا عقوبات على الحرس الثوري الإيراني، وأقر كذلك حزمة عقوبات جديدة هذا العام بعد إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز.
ويجعل تعقيد العقوبات المفروضة على إيران العديد من الشركات تخشى التبعات القانونية في حال عودتها إلى الجمهورية الإسلامية دون رفع شامل للعقوبات. ونظرا لإدراج العديد من الشركات والأفراد الإيرانيين على قوائم العقوبات، فقد يصعب على الشركات التأكد من عدم انتهاكها للقواعد دون قصد. وقد تواجه أيضا دعاوى قضائية من ضحايا الهجمات، الذين قد يقاضون المستثمرين والشركات بتهمة مساعدة الجماعات المدرجة على قوائم العقوبات.
وتحتفظ إيران بعشرات المليارات من الدولارات في بنوك أجنبية، معظمها من عوائد صادرات النفط والغاز، لكنها غير قادرة على الوصول إليها بسبب العقوبات المفروضة على قطاعيها المصرفي والنفطي.
ومن بين الدول التي تحتجز في بنوكها مليارات الدولارات الإيرانية من إيرادات النفط كوريا الجنوبية والصين واليابان ولوكسمبورج والعراق.