رمضان بسطاويسي يتتبع مفهوم التسامح ومسيرة تطوره

أستاذ علم الجمال والفلسفة يرى أن التسامح ليس غطاء للضعف والوهن والهزيمة.


يمكن فهم التسامح – نظريا - على أنه ممارسة سياسية تهدف إلى الحياد أو الموضوعية أو الإنصاف من جانب الأطراف السياسية


التسامح حين يقرن بالعدل يبتعد عن أن يكون معناه التساهل مع الغير أو الترخيص له بكذا أو كذا


رمضان بسطاويسي يعدّد أنواع التسامح وأهم المظاهر المرتبطة

يتتبع أستاذ علم الجمال والفلسفة د. رمضان بسطاويسي محمد مصطلح ومفهوم التسامح الذي أثار تداعيات مختلفة سواء على النطاق الفكري أو على صعيد الواقع العملي خصوصا في السنوات الأخيرة، وذلك في كتابه "التسامح" الذي استهدف توضيح المفهوم ومعرفة منشأه ومسيرة تطوره ومدى تأثيره، حيث انطلق من لمحة مفاهيمية تاريخية عن مفهوم "التسامح" عارضا للتجربة الإماراتية الحاضنة لقيم التسامح والتعددية الثقافية حيث تضم أكثر من 200 جنسية ومساجد وكنائس ومعابد تتيح للناس ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، ومحللا لآراء مفكرين مثل سقراط، وجون لوك، وجون ستيوارت مل، وإيمانويل كانط، وجون رولز، وفلسفة السياسة المعاصرة الآخرون الذين ساهموا بشكل بارز في هذه الفكرة المهمة والتي تطرح إشكالية في الوقت عينه، وكما توقف عند مفهوم الأديان السماوية للتسامح، خاتما برؤية كاشفة حول التسامح في الإسلام مؤكدا أن متتبع بعض آيات القرآن سيرى أنها تعطي صورة مشرقة ومتقدمة لجهة التسامح الذي اعتمد عليه الإسلام.
نظريا ـ حسب د. بسطاويسي ـ يمكن فهم التسامح على أنه ممارسة سياسية تهدف إلى الحياد أو الموضوعية أو الإنصاف من جانب الأطراف السياسية وتترابط هذه الأفكار لأن الهدف من الحياد السياسي هو الضبط المتعمد للقوة التي تمتلكها السلطات السياسية لرفض الأنشطة الحياتية للمواطنين والأفراد تحت سلطتها.
ولفت إلى أن فضيلة التسامح مضمنة في منهج الفيلسوف اليوناني سقراط القائم على السماح بالتعبير عن العديد من وجهات النظر المتنوعة للمخالفين له، وفي القرن السابع عشر تم تطوير مفهوم التسامح في أوروبا مع سعي المفكرين الليبراليين للحد من الاجراءات القسرية التي تفرضها الحكومة والكنيسة على الأفراد والطوائف، واعتبروا أن البشر معرضون للخطأ وينبغي أن يتمتعوا بالتواضع المعرفي. إضافة إلى ذلك يدرك الفرد مصلحته أفضل من أي شخص آخر وهو يتطلب التسامح مع الآخرين من أجل العثور على أفضل طريقة للعيش. 

علينا نحن البشر أن نتحلى بروح التسامح الذي هو التصالح مع الأحقاد الدفينة، فالتسامح هو فعل من مجني عليه تجاه الجاني، وأساسه التحول من موقف سلبي إلى موقف إيجابي

وأشار بسطاويسي في كتابه الصادر عن مكتبة الدار العربية للكتاب إلى أن تاريخ التسامح الاصطلاحي يرجع في موطنه الأوروبي إلى أكثر من ثلاثة قرون، لكنه لم يتخذ صيغته النهائية إلا في أفق فلسفة التنوير التي صاغها مفكرون أمثال جون لوك وفولتير وكانط وجان جاك روسو وغيرهم. وظل المفهوم من حيث نشأته بوصفه مفهوما مقترنا بمحاولة تقريب المسافة بين المذاهب الدينية المتصارعة التي ترتب على تصارعها والتعصب لكل منها، حروب دينية مدمرة وأشكال اضطهاد غير إنسانية ظلت تعانيها أوروبا لوقت طويل، وراح ضحيتها أكثر من 25 مليونا من البشر، ولذلك بقي مفهوم التسامح دائرا في الدائرة الدينية بالدرجة الأولى مقترنا بالنزعة العقلانية التي سعت إلى وضع الأفكار والمعتقدات والمسلمات القديمة موضع المساءلة، وذلك في نوع من إعادة الاعتبار إلى العقل ومنحه المكانة الأولى في المعرفة وصياغة القيم الفكرية على السواء.
ورأى أنه عندما انتقل المفهوم إلى الثقافة العربية مع أواخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ظل دائرا في الأفق نفسه، وظلت الصراعات الطائفية التي أدت إلى حروب أهلية، هي الأصل في نقل المفهوم والدافع التكويني إلى صياغته أو إعادة إنتاجه عربيا. ولم تستخدم الثقافة العربية كلمة التسامح في هذه السنوات مقابل كلمة التعصب وإنما استخدمت كلمة قبول الاختلاف والصفح مقابلا لمفردتي Toleration وTolerance اللتين لا فارق كبيرا بينهما وتدلان في سياقهما الثقافي الذي ينقل عنه على الكيفية التي تعامل بها المرء مع كل ما لا يوافق عليه، فلا يعاديه لمجرد اختلافه وإنما يتقبله بوصفه لازمة من لوازم الحرية التي يقوم بها معنى المواطنة في الدولة المدنية الحديثة.
وقال بسطاويسي إن العديد من مفكري التنوير العربي قد فهموا الكثير من الأبعاد الإيجابية للمفهوم، فأكدوا ضرورة الدولة المدنية بوصفها الفضاء الذي يعيش فيه التسامح ويتزايد، بل يجد من يصونه ويرعاه ويحميه داخل منظومة حقوق الإنسان المعترف بها في الدولة المدنية. وترتبط بهذا التأكيد فكرتان متلازمتان في تفكيرهم: أولهما أنه لا وجود للتسامح إلا مع تقبل مبدأ الحرية وممارسته في كل مجالاتها وفي كل مستوياتها ومعانيها. ثانيهما الايمان اللامحدود بقدرة العقل على الوصول إلى المعرفة بذاته وقدرته النهائية على تطورها إلى مدى لا يحده حد.
هكذا تباعد مفهوم التسامح عن الدائرة الدلالية التي تقترن بالتراتب وتمركز في الدائرة الدلالية بمركز المساواة والتكافؤ، وأصبح التسامح قرين التقبل الإيجابي للاختلاف، والإيمان بالحضور الطبيعي للمغايرة على مستوى الفرد والجماعة والمجتمعات على السواء. ويعني ذلك مجادلة الآخر بالحسنى في مدى الاختلاف الفردي دون تخل عن الإيمان بالمساوة والتكافؤ، وأنه ما من طرف على خطأ مطلق أو على حق مطلق، كما يعني محاورة أفراد الجماعة بعضهم بعضا دون تعال من فئة أو تمييز ضد أخرى على أي أساس أو من أي منطق. ويعني أخيرا الحوار الخلاق بين الثقافات والحضارات من المنظور الإنساني القائم على ثراء التنوع البشري المقترن بالتعددية والمغايرة والاختلاف.
وسلط بسطاويسي الضوء على التسامح الديني في الأديان مؤكدا على أن أهمية التسامح الديني تتمثل في كونه ذا بعد وجودي، أي ضروري ضرورة الوجود نفسه. أن "قيمة التسامح الديني تتمثل في كونه يقر الاختلاف ويقبل التنوع ويعترف بالتغاير ويحترم ما يميز الأفراد من معطيات نفسية ووجدانية وعقلية، ويقدر ما يختص به كل شعب من مكونات ثقافية امتزج فيها قديم ماضيه بجديد حاضره ورؤية مستقبله، هي سبب وجوده وسر بقائه وعنوان هويته ومبعث اعتزازه. 

Tolerance
د. رمضان بسطاويسي

وحدد بسطاويسي أنواع التسامح وأهم المظاهر المرتبطة به كالتالي: التسامح الديني: التعايش بين الأديان وحرية ممارسة الشعائر الدينية مع التخلي عن التعصب الديني. التسامح الفكري والثقافي: عدم التعصب للأفكار واحترام أدب الحوار والتخاطب. التسامح السياسي: يقتضي نهج مبدأ الديموقراطية وضمان الحريات السياسية الفردية منها والجماعية. التسامح العرقي: تقبل الآخر رغم اختلاف لونه أو عرقه ونبذ التمييز العنصري.
وأوضح أن التسامح لا يعني مطلقا التغاضي عن الأخطاء بل على العكس تماما معرفة تلك الأخطاء ومحاولة تجاوزها بطريقة عقلانية منطقية. نعترف بالخطأ والعمل على عدم تكراره مرة أخرى لا أن نقول إننا نتسامح بمعنى أن نترك الأمور على ما وصلت إليه لأن ذلك يعمل كبت تلك المشاعر المتعلقة بالحدث وتراكمها مما ينذر بانفجارها مرة أخرى، وهذا ما يحدث كثيرا ومع الأسف بين الأصدقاء أو الأزواج حيث ينتهي الموضوع بأن نترك ما فات دون العمل على معرفة الخطأ أين يكمن وما هو الطريق لعدم تكراره؟ ومن ثم مسامحة كل للآخر والعمل على بدء صفحة جديدة خالية من المشاعر المكبوتة التي تتحول في نهاية المطاف إلى بركان لا يمكن السيطرة عليه فيما بعد.
ولفت بسطاويسي إلى أن البعض قد يظن أن العفو والصفح والتسامح غطاء للضعف والوهن والهزيمة، ولكن في الحقيقة فإن العفو والصفح والتسامح قد يكون ممتزجا بقدر عظيم من الحكمة والتعقل. وأكد أن "التسامح يزيل سرطان الكراهية من نفوس الناس ويقدم لهم الدليل أيضا على أن العظماء من الأنبياء والمصلحين والمؤمنين ذاقوا المر من أجل التسامح، ودعوا إلى نبذ التعصب والعنف الذي يعمي العقول قبل العيون ويولد المشاعر السلبية تجاه أبناء البشرية عموما ثم ينتهي إلى نبذ الآخر ولو كان من نفس الدين، إن اختلف معه في المذهب، وعلينا نحن البشر أن نتحلى بروح التسامح الذي هو التصالح مع الأحقاد الدفينة، فالتسامح هو فعل من مجني عليه تجاه الجاني، وأساسه التحول من موقف سلبي إلى موقف إيجابي. 
وتساءل بسطاويسي: هل يتسع مفهوم التسامح لكل المعاني الضرورية لمعالجة قضايا كبيرة وخطيرة تفرض نفسها تتجسد في: 1 ـ التطرف والغلو في الدين أو باسمه أو ضده ـ 2 ـ التطهير العرقي الذي يمارس جهارا في عدد من بلدان العالم ـ 3 ـ الفكر الأحادي الذي يريد فرض واقع اقتصادي فكري أيديولوجي على العالم كله ـ 4 ـ ما يسمى بصراع الحضارات وهي نظرية تستهدف تطويق أمم وشعوب بعينها؟ 
وقال "إن جوابنا على ما تقدم سيكون بالنفي إذا نحن تركنا هذا المفهوم كما هو عليه. أما إذا أردنا إعطاء معنى عاما شموليا يرتفع به إلى مستوى المفاهيم الفلسفية، المستوى الذي جعله قادرا على أداء الوظيفة التي تطلب منه اليوم، وظيفة إخراج التطرف مهما كان نوعه وفضح وسائل الهيمنة وأساليب إخفاء صراع المصالح، فإن ذلك لا يتأتى إلا إذا نحن حملناه ذلك المعنى الذي عبر به ابن رشد عن ضرورة احترام الحق في الاختلاف والذي صاغه في العبارة الجامعة "من العدل أن يأتي الرجل من الحجيج لخصومه بمثل ما يأتي فيه لنفسه"، سواء تعلق الأمر بالحجاج الكلامي أو بالاختلاف العقدي أو بالتنافس على المصالح.
وأضاف: إذا كان العدل بمعناه العام يقتضي المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، فإن معنى العدل هنا يجب أن ينصرف بالدرجة الأولى إلى مساواة الإنسان غيره بنفسه. أن يعطي لغيره من الحق ما يعطيه لنفسه ثم يطالبه بعد ذلك بما عليه. وقد عبر المعتزلة الذين أطلقوا على أنفسهم "أهل العدل" عن هذا المعنى حينما عرفوا العدل بقولهم "توفير حق الغير واستبقاء الحق منه". ولكي يغدو التسامح قيمة يدخل العدل في مضمونها وتزيد عليه يجب إعطاء الأولوية لتوفير حق الغير. إن العدل يقتضي المساواة أما إعطاء الأولوية للغير داخل المساواة فذاك هو التسامح.
ورأى بسطاويسي أن التسامح حين يقرن بالعدل بهذا المعنى يبتعد عن أن يكون معناه التساهل مع الغير أو الترخيص له بكذا أو كذا، الشيء الذي يضع المسامح في وضعية أعلى من المسامح له، بل التسامح هنا يعني الارتفاع بهذه العلاقة إلى مستوى الايثار. والتسامح بهذا النوع من التأسيس سيغدو في الإمكان توظيفه في القضايا الأربع الكبرى التي أشرنا إليها والتي تتحدى العقل والفلسفة في عصرنا. إن الانطلاق من توفير حق الغير يضع في قفص الاتهام وفي آن واحد كلا من التطرف الديني والتطهير العرقي، كما أنه يحرج التفكير الأحادي الذي يلغي الحق في الاختلاف ويفضح مقولة صراع الحضارات التي تريد إخفاء الصراع حول المصالح ويطرح بديلا عنها الدعوة إلى توازن المصالح.