زيارة مرتقبة للعاهل المغربي إلى فرنسا ستتوج بإبرام معاهدة تاريخية

من المتوقع أن تسهم الزيارة في تثبيت التقارب السياسي وتحويله إلى تعاون مؤسساتي طويل الأمد، خصوصا في القضايا الإقليمية المرتبطة بالأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
الزيارة تعكس إدراكا فرنسيا متزايدا للدور الإقليمي والدولي الذي يلعبه المغرب
بارو: المغرب يعد فاعلا رئيسيا في مجال حفظ السلام
المعاهدة تكتسي طابعا خاصا بالنسبة للطرفين

الرباط – يعتزم العاهل المغربي الملك محمد السادس القيام بزيارة دولة إلى باريس خلال الفترة القادمة، وصفها وزير الخارجية ناصر بوريطة بـ"التاريخية" إذ من المقرر أن تشهد توقيع "أول معاهدة من نوعها" بين باريس ودولة غير أوروبية، في خطوة تشير إلى رغبة مشتركة في الذهاب نحو شراكة أكثر عمقا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأوضح وزير الخارجية المغربي خلال ندوة صحافية مشتركة عقدها بالرباط إلى جانب نظيره الفرنسي جان نويل بارو الأربعاء، أن الزيارة الملكية المنتظرة ستتوج بإبرام إطار تعاقدي جديد بين المغرب وفرنسا، يحمل بعدا سياسيا وقانونيا استثنائيا، معتبرا أن الأمر يتعلق بتحول نوعي في مسار الشراكة الثنائية، بالنظر إلى طبيعة الاتفاق المرتقب ومكانته ضمن العلاقات الدولية للبلدين.

وأشار الوزير المغربي إلى أن هذه المعاهدة تكتسي طابعا خاصا بالنسبة للطرفين، باعتبارها أول اتفاق من هذا المستوى توقعه فرنسا مع دولة غير أوروبية، كما تمثل في المقابل أول معاهدة استراتيجية من هذا النوع يبرمها المغرب مع بلد أوروبي، ما يعكس حجم التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الفرنسية منذ تجاوز مرحلة التوتر التي طبعت السنوات الماضية.

وتابع أن المرحلة الحالية تميزت بعقد ما يقارب 40 إلى 50 لقاء وزاريا بين مسؤولين مغاربة وفرنسيين، معتبرا أن هذه اللقاءات ساهمت في تعزيز التعاون الثنائي في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والأمن والتعاون القنصلي والتبادل الإنساني، إلى جانب فتح آفاق جديدة للشراكة في قطاعات وصفها بـ"المتطورة والاستراتيجية"، مثل الأمن السيبراني والصناعات الدفاعية وصناعة الطيران.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد التحول الواضح في الموقف الفرنسي تجاه قضية الصحراء المغربية، والذي اعتبرته الرباط مؤشرا على إدراك باريس لأهمية تعزيز الثقة مع المغرب باعتباره شريكا استراتيجيا في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

وجاءت تصريحات بوريطة وبارو بمناسبة انعقاد اجتماع الرئاسة المغربية الفرنسية المشتركة بالرباط حول عمليات حفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني الأربعاء.

وخلال المؤتمر، جدد وزير الخارجية الفرنسي التأكيد على الموقف الداعم لفرنسا لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، معتبرا أن هذا الملف لا يمثل فقط قضية ذات طابع سيادي بالنسبة للمملكة، بل يكتسي أيضا أهمية استراتيجية بالنسبة لفرنسا وللاستقرار الإقليمي في المنطقة.

وأكد بارو أن الموقف الفرنسي ينسجم مع الرسالة التي سبق أن وجهها الرئيس الفرنسي إلى الملك محمد السادس، والتي أكدت أن مستقبل الأقاليم الجنوبية يندرج في إطار السيادة المغربية، مشددا على أن مبادرة الحكم الذاتي تبقى، من وجهة نظر باريس، الأرضية الوحيدة القادرة على توفير حل سياسي دائم ومتوافق بشأنه تحت إشراف الأمم المتحدة.

 ومن المتوقع أن تسهم الزيارة في تثبيت هذا التقارب السياسي وتحويله إلى تعاون مؤسساتي طويل الأمد، خصوصا في القضايا الإقليمية المرتبطة بالأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والاستقرار في إفريقيا.

وربط بوريطة هذا التطور بالزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب عام 2024، والتي اعتبرها محطة مفصلية أعادت رسم مسار العلاقات الثنائية وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق السياسي والتعاون الاستراتيجي بين الرباط وباريس في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

وتعكس الزيارة إدراكا فرنسيا متزايدا للدور الإقليمي والدولي الذي بات يلعبه المغرب، سواء من خلال حضوره الاقتصادي المتنامي في القارة الإفريقية أو عبر موقعه الجيوسياسي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا. فباريس تنظر إلى الرباط باعتبارها شريكا أساسيا في ملفات حيوية، من بينها أمن المتوسط والطاقة والتعاون الاقتصادي والاستثماري، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى إعادة ترتيب نفوذها التقليدي في إفريقيا بعد تراجع حضورها في عدد من دول الساحل.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتوقع أن تشكل الزيارة فرصة لإطلاق مشاريع واستثمارات جديدة بين البلدين، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والصناعة والتكنولوجيا والنقل. وتعد فرنسا من أبرز الشركاء الاقتصاديين للمغرب، كما أن الشركات الفرنسية تحظى بحضور قوي في السوق المغربية، فيما أصبحت الرباط خلال السنوات الأخيرة منصة صناعية واستثمارية مهمة للشركات الأوروبية الراغبة في التوسع نحو إفريقيا.

ومن المنتظر أيضا أن تساهم الزيارة في تعزيز التعاون الثقافي والتعليمي بين البلدين، في ظل الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمعهما، إضافة إلى وجود جالية مغربية كبيرة في فرنسا تشكل جسرا اجتماعيا وثقافيا مهما بين الطرفين. كما قد يتم التركيز على تطوير التعاون في مجالات الابتكار والبحث العلمي والتكوين المهني، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية التي يشهدها المغرب.

أما الحديث عن معاهدة جديدة بين البلدين، فيعكس توجها نحو الارتقاء بالعلاقات من مستوى الشراكة التقليدية إلى إطار استراتيجي أكثر شمولا واستقرارا، يحدد أولويات التعاون المستقبلية وآليات التنسيق في الملفات الكبرى.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تمنح العلاقات المغربية الفرنسية زخما جديدا، وتؤسس لمرحلة أكثر انسجاما بعد سنوات شهدت فتورا سياسيا وتباينا في بعض المواقف.

وفي حديثه عن الاجتماع المغربي الفرنسي حول عمليات حفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني، أوضح بوريطة أن المبادرة تنطلق من كون الدول الفرنكوفونية تحتضن عددا كبيرا من عمليات حفظ السلام، كما أن العديد منها يساهم بقوات ضمن هذه العمليات، "لكن دون وجود جسر يربط هذا الحضور الميداني بالتأثير السياسي داخل منظومة الأمم المتحدة".

وأضاف أن الاجتماع، الذي توج بتبني "إعلان الرباط"، يهدف إلى تحويل مساهمة الدول الفرنكوفونية في عمليات حفظ السلام إلى "ثقل سياسي وأداة تأثير" داخل ورش إصلاح عمليات حفظ السلام الأممية، مضيفا أن الإعلان يشكل "مرجعية" للدول الفرنكوفونية من أجل التحدث بصوت موحد خلال النقاشات المرتبطة بإصلاح هذه العمليات داخل الأمم المتحدة.

بدوره، أكد بارو أن المملكة تعد فاعلا رئيسيا في مجال حفظ السلام، وشريكا أساسيا في القارة الإفريقية. وأشاد بالمبادرات العديدة التي أطلقتها المملكة، وكذلك بالتزامها لفائدة الاستقرار والتنمية والازدهار في القارة.

وشدد أن عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة تظل "ضرورية"، مضيفا أن نجاعتها "مثبتة"، كما يجسد ذلك الدور الفعال للقبعات الزرق في مناطق غالبا ما تكون بعيدة عن دائرة اهتمام وسائل الإعلام، ولكنها تتطلب حضورا محايدا للمجتمع الدولي.

وتابع على أنه من خلال انتشارهم الميداني، يساهم أفراد "القبعات الزرق" في احتواء التهديدات، ومنع التصعيد، وحماية السكان، وتمهيد الطريق لعودة الحياة الطبيعية في المناطق التي تتسم بالعنف.