'زينب' و'الرواية الإيقاضية' .. مقاربة في نشأة وتطور الرواية العراقية

ما ألهب خيال الفلاحين

لقد كانت الطبقة الإقطاعيّة، وفئة الكومبرادور سنداً للإحتلال، وفي ظل الإحتلال المباشر، وغير المباشر، إمتد نفوذ هاتين الفئتين في كل مناحي الحياة السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة، ثم ما لبثتا أن خلقتا لهما سنداً أيضاً بين فئات المجتمع، لكنهما لم تستطيعا مطلقاً أن تخلقا سنداً لهما وسط المثقفين الذين كان جلّهم من الفئات الوسطى، فالمثقفون عموماً كانوا مهمومين بواقع التخلف المزري الذي وجدوا أن طريق الخلاص منه يمر عبر التحرر والإنعتاق، ومن خلال نظام عدالة ومساواة، وهذا يستوجب أول ما يستوجب إنصاف الفلاحين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من الشعب، وتحريرهم من عبودية الإقطاعيين وملاكي الأرض، وإقامة نهضة علمية وصناعية، والوقوف بوجه العناصر الهامشية التي تستأثر بالثروة، دون أن يكون لها دور في خلقها.

هذه الرؤية كانت المدخل لإشاعة بذور الفكر الإشتراكي، أو العدالة الإجتماعية وسط المثقفين التواقين للخلاص من واقع التخلف. لقد وجدوا في الإشتراكيّة الحل الجذري والأكيد للمشاكل الإجتماعيّة والإقتصاديّة والسياسيّة، بإعتبارها الوسيلة الفاعلة للخلاص من الإستغلال والتمايز، وانعدام المساواة، وبرأيهم أن الإشتراكيّة ستمكن العراق من التطور المتصاعد، وحرق المراحل، وصولا إلى مجتمع نامٍ يستطيع أن يجد مكانه المناسب وسط المجتمعات الأخرى، وهذا لا يعني أن كل المثقفين كانوا على هذا الرأي، ولكن هكذا كانت رؤية الأغلبية الساحقة من مبدعي البلد الذين تركوا بصماتهم على العملية الإبداعية بمختلف أجناسها وألوانها، لقد أدركوا وبوقت مبكراً الإرتباط العضوي بين النمو الحقيقي والعدالة الإجتماعية.

من الصعب الزعم بإن فئة المثقفين النشطة يومذاك، تلك التي تبنت الإشتراكيّة كخيار، كانت تحمل تصوراً متكاملاً عن الإشتراكيّة، أو أنها كانت تتبنى الإشتراكيّة العلميّة مثلاً، فأمر كهذا لم يكن ممكناً، فالعراق وقتها لم يعرف المحتشدات العمالية، بإستثناء السكك والميناء والنفط، وكلها حديثة، أي أن العامل في أي من هذه المؤسسات لم يكن بروليتارياً حقيقياً، لا يملك تاريخاً في العمل، وإنما كان ولوقت قريب حرفيا أو بائعا أو كاسبا أو فلاحا، ثم انتقل ليصبح عاملاً في إحدى هذه المؤسسات، وإذا ترك العمل فيها لأي سبب فإنه سيعود مرّة أخرى (حرفي) أو (بائع)، أو (كاسب) أو (فلاح)، أو يصبح شرطياً أو جندياً، إنه بكل بساطة لا يملك تاريخاً عمالياً، وتاريخ العمل في المحتشدات العمالية هو الذي سيخلق قيم البروليتاريا، وأي حديث عن الإشتراكية من دون وجود بروليتارية ما هو إلا هذر.

إن وجود البروليتاريا يستوجب وجود الصناعات الضخمة، والمحتشدات العمالية الكبيرة، وهذا بدوره يستوجب وجود رأسمالية كبيرة، مستغلة وإحتكارية. لقد كان تصور النخب عن الإشتراكيّة في حينه تصوراً مبسطاً وسطحيّاً في أغلب الأحيان، وإلى حدٍ ما طوباوياً. كانت الإشتراكيّة بالنسبة لهم، تعني تحديداً العدالة الإجتماعيّة والمساواة بين البشر، وحرية الناس، ومحاربة الإستغلال، وإقامة الديمقراطيّة، والتي يمكن إدراجها في المصطلح الإسلامي (التكافل الإجتماعي)، ويمكن أن ترد ضمن هذه المفاهيم كل القيم والمفاهيم الخيّرة الأخرى، تلك القيم التي ينزع إليها المثقف.

هذا هو المفهوم العام للإشتراكية بالنسبة للغالبية العظمى من المثقفين، إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أنه إلى جانب هؤلاء كان يوجد بعض المثقفين الذين كانت صورة الإشتراكيّة لديهم أكثر عمقاً ووضوحاً، وأكثر اقتراباً من التصور الذي عمّ العالم آنذاك للإشتراكيّة، إذ كان هؤلاء على دراية لابأس بها بالحركة الثوريّة الفتيّة في روسيا القيصريّة، وكانوا يناصبون القياصرة العداء مثلما يناصبون السلاطين العثمانيين وولاتهم العداء، ويتابعون بشغف أحداث ثورة 1905 في روسياً، و(الأحد الدامي) وتمرّد بحارة الطراد الروسي (بوتمكين)، هؤلاء البحارة الذين وصل بعضهم إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً الساحل السوري، وشواطيء الإسكندرية، حيث توزع بعضهم على مصر ولبنان، وأسهموا فيما بعد في بناء النواتات الأولى للحركات الإشتراكيّة في هذين البلدين، ومن ثم في العالم العربي.

كما استقبل المثقفون بترحاب شديد الثورة البلشفيّة عام 1917، ونقلوا للقراء أحداثها ووقائعها، ويمكن ملاحظة هذا من خلال متابعة ما عكسته الصحافة العراقيّة الصادرة في تلك المرحلة.

ولعل سليمان فيضي، هذا الكاتب الذي بدأ يبث أفكاره الجديدة منذ عام 1909 من أبرز الممثلين لهذا التيار الشعبوي ذي النزوع الإشتراكي، إنه من أشد المثقفين حماساً للقيم والأفكار الجديدة، حيث انبرت جريدته (الإيقاظ) منذ صدورها للدعوة إلى قيم التحرر والعدالة والمساواة، وفي نظر العديد من الباحثين فإن سليمان فيضي يُعد مؤسس الرواية العراقية الحديثة، حيث أصدر روايته (الرواية الإيقاضيّة) عام 1919، صدرت عن مطبعة الحكومة في البصرة، وفيها بشر المؤلف بإفكاره المتحررة، وأعلن بشكل واضح عداءه لكل ما هو قديم بالٍ، رجعي ومتخلّف، يعوق التقدم.

لقد كان سليمان فيضي في الراوية الإيقاضيّة مربيّاً ومعلماً، وداعيّة للأفكار الجديدة، ومقاوماً للقيم والمفاهيم الباليّة، ومنادياً بالتحرر والإنعتاق من ربقة الماضي، وموالياً للجديد الذي ينبغي رعايته والإهتمام به ودعمه. لقد نحى في روايته منحى تعليمياً، ولقد عبّرت روايته هذه عن البيئة العراقيّة المحليّة، بخصوصيتها ولونها الخاص، وواقع العراق وظروفه الشاخصة المحددة، وكان تأثرها بألف ليلة وليلة ـ كتاب العرب الفريد في فن القص ـ تأثراً واضحاً للعيان، أكثر من تأثره بالروايات المترجمة أو الرويات العربيّة التي وصلت للعراق وشاعت بين أوساط المثقفين في حينه.

لقد أولى المؤلف فن القصص الشعبي إهتماماً واضحاً، وبنى روايته على أساس هذا الفن، إي أنه كان تقليدياً ومحافظاً من حيث الشكل والبناء، لكنه متحرراً ومتجاوزاً، وداعياً للتحرر والتجاوز من حيث المضمون. ولقد كان رائداً من حيث كونه أول من أجرى الحوار باللغة العاميّة المحكيّة في بعض حوارات رواياته.

يقول الدكتور عبدالأله أحمد في كتابه "نشأة القصة وتطورها في العراق" الصادر عن مطبعة شفيق، في بغداد عام 1969: "أجرى الكاتب الحوار بما يناسب شخوصه، فقد اتخذ العاميّة لغة لشخصياته الجاهلة غير المتعلمة، فيما أجرى اللغة الفصحى على لسان من هو مثقف".

وأن يجري الحوار بما يناسب شخوصه فإن هذا إنجازاً مبكراً لم يسبقه إليه أحد، فقد كان الوصف وكذا الحوار بلغة الراوي ذاته، سيان إن كان البطل فلاحاً أمياً، أو عالما لغوياً، ويمكن ملاحظة هذا في رواية "زينب" التي نُشرت قبل تاريخ نشر "الرسالة الإيقاضية" بسنتين أو ثلاث، حيث كانت لغة "زينب" لغة متينة ورصينة، وأكاديمية.

هذا الإتجاه في السرد كان اتجاهاً جديداً، وكان مبكراً جداً، ولم يقيّض طيلة عشرات السنين لكاتب غيره مزاولته، حتى مجيء نجيب محفوظ الذي زاوج في ثلاثيته في الخمسينيات من القرن العشرين بين العاميّة والفصحى. لقد كانت بداية الرواية العراقية على يد سليمان فيضي بداية متجاوزة للبدايات، سواء في تأكيدها على السمة الشعبوية في الرواية، أو إدخال لغة الناس إلى الحوار، أو صدقها واهتمامها بالبيئة والظروف الموضوعيّة، أو بناء الرواية وفق البناء الموروث الذي انعكس في أعظم أثر أدبي ألا وهو ألف ليلة وليلة كما أسلفنا.

ولو عقدنا مقارنة بين أوّل رواية عراقيّة، وأوّل رواية مصرية "زينب" لهيكل، فإن نتيجة هذه المقارنة ستكون رجحان كفة "زينب" من الناحيّة الفنيّة والتقنيّة، ورجحان كفة "الرواية الإيقاضيّة" من ناحية شعبيتها وإلتصاقها بالواقع، وعنايتها بالبيئة، واستجابتها للمحسوس، وعمق الأفكار التي تطرحها، وشموليتها. رواية "زينب" رواية للمتعة والحب والعواطف المشبوبة، أما "الرواية الإيقاضيّة" فرواية للنضال والصراع والتغيير والنقد اللاذع.

وستلازم هذ السمات التي إتسّمت بها "الرواية الإيقاضيّة" الرواية العراقيّة في مراحل تطورها اللاحقة، وتأسيساً على هذا يمكن القول إن المثقف العراقي الذي كتب القصة أو الروايّة إنما كتبها لإنها وسيلة بالغة القدرة للتعبير عن ما يريده، لقد وجد فيها وسيلة مناسبة جداً لنقد الواقع القائم، وللتنوير، وللنضال من أجل التقدم، ولبث الأفكار الجديدة، ومن هنا فإننا سنلاحظ أن أي من كتاب القصة والرواية في هذه المرحلة لم يحترف كتابة القصة أو الرواية، ولا حتى لم يحترف الأدب، كما هو الحال في مصر ولبنان مثلاً، ذلك لأن العمل الأساسي لكل منهم إنما كان السياسة ليس بمعناها العام، وإنما السياسة في أشد خصوصيتها، وبمعناها الضيّق، ولهذا فلم تكن الكتابة في العديد من الأجناس الأدبيّة إلا وسيلة يتم عبرها إيصال فكر ورأي الكاتب إلى الجمهور، ويستثنى من هذا القاص والروائي محمود أحمد السيد الذي دمج الاثنين معاً. فقد كان سياسياً، وداعيّة، ومناضلاً من أجل التغيير من جهة، وكاتباً محترفاً للكتابة من جهة أخرى.

لقد تطلع المثقفون العراقييون إلى أفكار العدالة الإجتماعية، التي ستسمى فيما بعد الإشتراكيّة بعد أن أدخل الإشتراكي سلامة موسى هذا المصطلح لأول مرّة إلى اللغة العربية في عشرينيات القرن العشرين، وجعلوا من قضيّة العدالة الإجتماعيّة قضيّتهم الأساسيّة إلى جانب الحرية والتحرر الوطني والإنعتاق من نير المستعمر.

وللتدليل على هذا نشير إلى القاص عاصم فليح الذي انقطع عن كتابة القصة، وأصبح أول سكرتير للحزب الشيوعي العراقي عند تأسيسه عام 1934، وقبل يوسف سلمان يوسف (فهد)، وكذلك عبدالقادر إسماعيل البستاني، ويوسف متي، اللذين أصبحا من أعضاء اللجنة المركزية في الحزب فيما بعد، وغيرهم كثيرين.

وكان سليمان فيضي قد إطلّع على التيار الإشتراكي في تركيا عبر إطلاعه على نتاجات الشاعر جلال نوري، وأكرم أرخميند اللذين تصدرت أشعارهما المترجمة الصحافة العراقيّة، وقد كانا من اشهر دعاة الإشتراكية في تركيا، زمن الخلافة العثمانية وما بعدها.

وإذا كان الإهتمام بالإشتراكيّة قبل ثورة أكتوبر مقتصراً على عدد محدود من المثقفين فإن الأمر قد تغيّر بعد الثورة، حيث اتسعت دائرة المهتمين بها، ولقد لعب الجنود العراقيون الذين خدموا في الجيش التركي، أو الذين أُسروا في روسيا أثناء الحرب العالمية الأولى، لدى عودتهم إلى العراق، لعبوا دوراً في تعريف الناس بالثورة البلشفيّة، حيث نقلوا بإنبهار أحداثها الجسام، ووقائعها الملحميّة، ولما كان جلّهم من أبناء الفلاحين فقد كان أفضل ما يتحدثون عنه هو كيفيّة قيام البلاشفة بمصادرة الأرض من الإقطاعيين والملاكين الكبار، وتوزيعها على الفلاحين، وهذا ما ألهب خيال الفلاحين الذين استمعوا لمثل هذه الحكايات التي انتشرت بسرعة بين الفلاحين والبسطاء من الناس، الحالمين بمستقبل أفضل والمتعطشين للإنعتاق.

ومما لا شك فيه أن البلاشفة الذين هم غير الروس، جنود القيصر، في التصور العراقي قد حظوا بأنصار ومؤيدين لهم في العراق، إلا أن الأنكليز بالغوا كثيراً في هذا التأثير، ووصلت بهم المبالغة للحد الذي اعتبروا فيه أن للبلاشفة عملاء في العراق، حتى وصل بهم الأمر إلى اعتبار المجتهد الديني الأعلى الشيرازي قائد ثورة العشرين، وابنه السيد محمد على اتصال بالبلاشفة، وإن البلاشفة مدوا الثوار بالمال والسلاح، لاحظ أرنولد ولسن "الثورة العراقية" ت: جعفر خياط - بيروت 1971ص 134.