ساروجة.. ذاكرة دمشق التي لا تنطفئ

جامع الورد وبيت العابد وحمام الورد، معالم بارزة في الحي، تحكي قصص العائلات الدمشقية وتاريخها الثقافي والاجتماعي.

دمشق ـ في قلب العاصمة السورية، ينهض حي ساروجة الدمشقي كصفحة نابضة من تاريخ المدينة، يحتفظ بجماله وروحه الشعبية رغم ما مرّ عليه من تحولات عمرانية وتحديات زمنية. وبين أزقته الضيقة وحجارته السوداء والبيضاء، تتجلى ملامح دمشق القديمة بكل ما فيها من أصالة ودفء إنساني، لتبقى ساروجة شاهدًا حيًا على ذاكرة المدينة التي لا تنطفئ.

ويُعد الحي واحدا من أعرق أحياء دمشق خارج سور المدينة القديمة، وقد شكّل على مدى قرون مركزا عمرانيا وثقافيا مهما، عكس ازدهار العاصمة وتنوعها الاجتماعي والحضاري.

وتتداخل في بيوته الدمشقية الفخمة وأسواقه وخاناته، الحكايات بين الماضي والحاضر، حيث لا تزال المعالم التراثية تروي قصص العائلات الدمشقية التي سكنت المكان، من الأعيان والتجار إلى الأدباء والمثقفين.

ويرى الباحث في التراث الشعبي والتاريخ محيي الدين قرنفلة، أن سوق ساروجة يحمل قيمة عمرانية وثقافية كبيرة جعلته يُعرف في مراحل سابقة باسم 'إسطنبول الصغرى'، نظرًا لازدهاره واحتضانه للعائلات الدمشقية الثرية خلال العهد العثماني.

ويشير في تصريح لوكالة ال،باء السورية (سانا)، إلى أن الحي نشأ في العصر المملوكي، ويرتبط اسمه بالأمير صارم الدين ساروجة، الذي أسّس أول توسع عمراني خارج السور الشمالي لدمشق. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحي نموذجا فريدا للعمارة الدمشقية التقليدية، حيث تتجاور البيوت ذات الأفنية الداخلية مع الخانات والحمامات والمساجد والمدارس والزوايا الصوفية، في مشهد يعكس توازنًا بين الجمال والوظيفة.

من أبرز معالم الحي جامع الورد والمدرسة الشامية البرانية وبيت العابد وحمام الورد، إلى جانب بيوت ذات قيمة تاريخية مثل بيت خالد العظم وبيت محمد علي العابد، أول رئيس للجمهورية السورية.

وخرج من الحي عدد من الشخصيات الثقافية والاجتماعية البارزة، بينهم الأديبة الدمشقية سهام ترجمان، التي وثّقت في كتاباتها ملامح الحياة الدمشقية القديمة بروحها الأنثوية الرقيقة.

لكن ساروجة، مثل كثير من أحياء دمشق التاريخية، لم يسلم من التغيرات العمرانية التي طالت المدينة خلال العقود الأخيرة. فبعد شق شارع الثورة، فقد الحي جزءا كبيرا من نسيجه العمراني، وتعرضت بيوته التراثية للهدم أو الإهمال، كما شهدت المنطقة حرائق متكررة أضعفت بنيتها المعمارية.

ومع ذلك، لا يزال الحي يحتفظ بروحه، كما يقول محمد كزبري، أحد سكانه، الذي يرى أن ساروجة "تحمل ذاكرة دمشق الحقيقية، ففي أزقتها عاشت أجيال متعاقبة حافظت على العادات الشامية الأصيلة، ولا تزال بيوتها وأسواقها شاهدة على تاريخ اجتماعي وثقافي عريق رغم كل ما طرأ عليها من تغيرات".

ويصف  عدنان كجك، وهو من أبناء الحي أيضا، ساروجة بأنها "حيّ لا يموت"، إذ يتميز بروحه الشعبية وترابط سكانه، وكان على مدى عقود مقصدًا للتجار والمثقفين والعائلات الدمشقية. ويضيف أن الأهالي لا يزالون يأملون بإعادة ترميم البيوت القديمة وإحياء المعالم التراثية التي تعكس هوية دمشق التاريخية وجمالها العمراني، معتبرًا أن الحفاظ على الحي هو حفاظ على جزء من ذاكرة المدينة نفسها.

ويؤكج الباحث قرنفلةـ أن ساروجة لا يزال يحتفظ بروح دمشق القديمة، بأزقته الضيقة ومقاهيه التراثية وحجارته المتناوبة بين الأسود والأبيض، مشيرا إلى أن الحي يمثل رمزًا لصمود التراث الدمشقي في مواجهة التغيرات الحديثة.

ويرى أن إعادة الحياة إلى ساروجة تتطلب جهودًا متكاملة تشمل ترميم الأبنية والأوابد التاريخية وتأمين الدعم اللازم لإحياء السوق وبقية أحياء دمشق القديمة، بما يسهم في الحفاظ على الإرث الحضاري والمعماري للمدينة.

في هذا السياق، تبدو قضية الحفاظ على الأحياء القديمة في دمشق أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فهذه الأحياء ليست مجرد مبانٍ حجرية، بل ذاكرة حية تعكس تفاصيل الحياة الشامية عبر العصور، من صوت الباعة في الأسواق إلى رائحة الياسمين في الأفنية الداخلية.

ومع تسارع التحولات العمرانية والتوسع الحضري، يواجه التراث الدمشقي خطر الذوبان في مشهد المدينة الحديثة، ما يجعل من حماية هذه الأحياء مسؤولية ثقافية ووطنية في آن واحد.

ساروجة اليوم مرآة لروح دمشق، وبين جدرانها المتعبة وأبوابها الخشبية العتيقة، تتردد أصداء الماضي الذي لا يزال يهمس في ذاكرة المدينة، كأنها تقول إن الجمال لا يزول، بل يتجدد كلما تذكّر الناس أن التراث هو ما يجعل المكان حيًا، مهما تغيّر الزمن.