سامية حلبي تراقب العالم بالفرشاة والألوان المضيئة

الفنانة التشكيلية الفلسطينية تعود إلى بيروت في معرض يمثل لعبة التضاد بين الألوان الشفافة وغير الشفافة، بشكل مكثف ومتراص.


ظلال وأضواء تلتقي في فضاء سامية حلبي


الطبيعة تهيمن على أعمال الفنانة


الألوان الشفافة تعطي عمقا للأشياء بينما الداكنة تظهرها قريبة

بيروت - ركزت لوحات معرض الفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية حلبي الذي أقيم في بيروت، على اللمعية من خلال العلاقة بين الألوان المفعمة بالتفاؤل التي تستلهمها بشكل تجريدي خلاق من ألوان الطبيعة الحية. 
ويمثل المعرض الذي اختتم فعالياته الجمعة في غاليري أيام في وسط العاصمة اللبنانية، عودة للفنانة المقيمة في نيويورك إلى بيروت بعد ثلاث سنوات من الغياب، وكان آخر معرض لها في عام 2015 ومثل محطة تاريخية في فنها حيث استعاد أعمالها منذ البدايات.
وأظهرت أعمالها تطورا ملحوظا للأضواء المشعة من الألوان بين الأشكال الهندسية والجيومترية التي اشتهرت بها حلبي على مدى عقود، لاكتشاف ما تصفه الفنانة بأنه "فضاء الضوء" الذي يمكن إدراكه من خلال الأجواء المطروحة بهذه الأعمال كظلال الليل أو ضوء المساء في المدينة وتلاقي الأضواء المختلفة.
وجاء المعرض تحت عنوان (شفافية وكمود) وتألف من 11 لوحة من الحجم المتوسط والكبير يطغى عليها الأصفر والأزرق والأخضر والأحمر.
وتمثل مجموعة (شفافية وكمود) لعبة التضاد بين الألوان الشفافة وغير الشفافة، بشكل مكثف ومتراص، لتُظهر الفنانة نظريتها حول المسافات والأشياء البعيدة والقريبة والضخمة والصغيرة ولتبين مدى تأثير الشفافية على الأطراف الحادة للأشكال واستخدامها للطبقات. ومن أجل ذلك تبنت حلبي تقنية "الفرشاة الناشفة".
تقول حلبي المولودة في القدس عام 1936 إن "هذه المجموعة كبيرة ويعرض جزء منها فقط في بيروت، وهي تبلورت من خلال تجاربي على مدى سنوات عمري في مراقبة العالم المحيط بي كأحياء مدينة نيويورك والمدن التي أزورها والشوارع التي أمشي فيها والحدائق التي تسحرني".

فالفنانة المعروفة ببحثها الطويل والمعمق في مجال الفن الفلسطيني وتاريخه والتي تعتبر نفسها فنانة سياسية وتصر على أن يكون الفلسطيني مميزا في كل المجالات، تراقب البشر كأفراد ومجموعات وتفسر تحركاتهم من خلال أشكال هندسية تبتكرها مع كل مجموعة من أعمالها.
ولكن هذه الأشكال الهندسية المعقدة والتي "لها حسابات علمية دقيقة" كما تقول حلبي، تبدو للناظر إليها كأنها نغمات موسيقية متحررة من الآلات وتتراقص بينها الألوان منصهرة ومتجانسة لتشكل كتلاً لونية حرة مفعمة بالتفاؤل والسعادة.
وتقول إن تلك البساطة التي يراها الزائر على سطح اللوحة تأتي من "أشكال الطبيعة التي تؤثر بشكل عميق على أعمالي من خلال تركيباتها الغريبة".
وتضيف "الحركة مثلاً، جزء مهم ومترابط من هذه التفسيرات، فمن خلال سيري بشوارع نيويورك ألاحظ تضخم الأشياء عند الاقتراب منها وتقلصها عند ابتعادي عنها، وهو ما حاولت تجسيده في هذه المجموعة من أعمالي لأظهر أن الألوان الشفافة تعطي عمقا للأشياء بينما الداكنة تظهرها قريبة".
وتفيد في سياق حديثها عن المعرض بأن "الإنسان لا يمكنه أحياناً التعبير عما يراه في الشارع والطبيعة وما حوله، لكنني شخصيا أجرب أن أصل إلى درجة ما من جمال الكون والطبيعة، لذلك أرسم بشكل تجريدي لأنني أشعر أحيانا أن لا شيء يجسد جمال الطبيعة. المهم أن نجرب".
وحلبي صاحبة نظرية جمالية فريدة في الفن التجريدي خصوصا أنها متأثرة بموجة الطليعة الروسية، إذ تزاوج بين فهم الطبيعة على اعتبارها مصدرا روحيا للجمال وبين مزاج بشري لا يقبل التعريف إلا في لحظة انفعاله. وهو بالضبط ما تنطوي عليه رسومها التي تحمل متعة بصرية مكثفة.
وجابت أعمال حلبي أوروبا والولايات المتحدة واقتنت لوحاتها كبرى المتاحف والمؤسسات مثل متحف سولومن ومعرض جامعة ييل والمتحف الوطني الأميركي للفنون في واشنطن ومعهد شيكاغو للفنون ومتحف كليفلاند للفنون ومعهد العالم العربي في باريس والمتحف البريطاني.