سبع حكايات يرويها "دون جوان" هاندكه في سبع أمسيات عن سبع نساء

بيتر هاندكه الحائز أخيرا على جائزة نوبل للأدب 2019 واجه انتقادات حادة رأت أنه أحد دعاة الحروب أو أحد منكري جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية.


النقاش حول مواقف هاندكه السياسية نقاش قديم، اندلع في المنطقة الألمانية في تسعينيات القرن العشرين


المواقف السياسية والانتقادات العربية والغربية الحادة التي وجهت لهاندكه لم تغب عن مقدمة ترجمة جريس لرواية "دون جوان

واجه الكاتب النمساوي بيتر هاندكه الحائز أخيرا على جائزة نوبل للأدب 2019، انتقادات حادة رأت أنه أحد دعاة الحروب أو أحد منكري جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، حيث كان مؤيدا للرجل لزعيم الحرب الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، متجاهلا جرائم الحرب الصربية خلال الحروب اليوغوسلافية، وامتدت الانتقادات لتطال إبداعه الذي لم يرق من وجهة نظر البعض إلى مستوى من سبقوه في الحصول على الجائزة، وبينما لا تزال الانتقادات تتواصل صدرت ترجمة روايته "دون جوان" التي نقلها إلى اللغة العربية المترجم المتميز سمير جريس وتصادف أن انتهى قبل بضعة شهور من ترجمتها، لتظهر متزامنة مع إعلان جائزة نوبل للآدب، وذلك عن داري نشر "سرد" و"ممدوح عدوان".
وكان جريس قد طرح في مقال له رؤيته حيث أكد أن النقاش حول مواقف هاندكه السياسية نقاش قديم، اندلع في المنطقة الألمانية في تسعينيات القرن العشرين، ويتجدد الآن ثانية بعد منحه جائزة نوبل. وكأن العالم فوجئ بتلك المواقف، رغم مرور عشرين عاما عليها! تفجر الجدل في العالم كله حول أحقية هاندكه في الحصول على نوبل، هذا مفهوم، وهو ما قاد إلى ردود فعل عنيفة، وأحيانا مبالغ في تطرفها، فنظر البعض إلى هاندكه على أنه "فاشي"، وأنه "أنكر" مذبحة سربرينتسا التي راح ضحيتها ثمانية آلاف مسلم بوسني، و"مَجّدَ" مجرمي الإبادة الجماعية و"أيّد" المذابح العرقية. هذه المواقف مفهومة أيضا إلى حد ما، نظرا إلى القضية الأساسية التي يثيرها هاندكه مواقفه السياسية في حرب البلقان.

هاندكه يحطم في روايته صور دون جوان الشائعة الواضحة المعالم، ليقدم صورة غائمة عن عاشق مسكون بقلق فاوستي يدفعه دوما إلى مواصلة الرحيل والبحث عن المشاعر الحقيقية 

المواقف السياسية والانتقادات العربية والغربية الحادة التي وجهت لهاندكه لم تغب عن مقدمة ترجمة جريس لرواية "دون جوان" حيث أضاء جوانب مهمة في مسيرة هاندكه، منطلقا من أن هاندكه كاتب جريء ومستفز، بدأ حياته الأدبية بواقعة أضحت أسطورة في عالم الأدب. كان في الثالثة والعشرين من عمره عندما تجرأ وحضر في عام 1966 اجتماعا لـ"جماعة 47" الأدبية المشهورة. 
أطل هاندكه على أعضاء الجماعة بهيئة فوضوية وشعر طويل وصل إلى الأكتاف، ثم سب الحاضرين واتهمهم بـ"العنة اللغوية" و"العجز عن الوصف". وفي العام نفسه رسخ سمعته كاتباً شاباً مستفزاً عندما مُثلت مسرحيته "سب الجمهور" على خشبة مسرح فرانكفورت، وفيها قلب هاندكه اللعبة المسرحية، فغدا الجمهور محور المسرحية، بدلا من أن يكون متفرجا سلبيا على ما يحدث. 
وأشار جريس إلى أن أعمال هاندكه المتمردة لاقت في السنوات اللاحقة نجاحا كبيرا وسط أجواء الحركة الطلابية المتمردة على المجتمع وسلطة الآباء وسطوة العادات والتقاليد. ولكن خلافا لمعظم أدباء "جماعة 47" الأسطورية - مثل هاينريش بُل وغونتر غراس وأوفه يونسون - ظل هاندكه، على الأقل حتى سنوات التسعينيات، أديبا غير سياسي، وهو ما يعكسه عنوان أحد أعماله: "أنا ساكن البرج العاجي". غير أن هاندكه ألقى بنفسه في بحر السياسة في تسعينيات القرن الماضي، وساند بكل قوته الصرب في حرب البلقان، كما عارض بشدة تدخل الناتو. 
وفي عام 1994 أصدر كتاب "العام الذي قضيته في خليج اللاأحد"، وفيه هاجم الناتو مجدداً، معتبراً الصرب "ضحايا حرب البلقان" الحقيقيين، ثم سافر إلى بلغراد حيث قُلَد وساماً قومياً زاد من حيرة قرائه. وعندما واجهته عاصفة من الانتقادات كان متسقاً مع ذاته وتمسك بموقفه، ثم أعلن انشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية لموقفها المعادي للصرب، وأعاد في عام 1999 جائزة بوشنر الألمانية المرموقة احتجاجاً على موقف الغرب وألمانيا من الصرب".
ولفت إلى أن هاندكه بعد ذلك عاش بعيداً عن الأضواء والإعلام، يصدر بين الحين والآخر كتاباً لا يكاد يلتفت إليه سوى النقاد المقتنعين بموهبته الأدبية. لم يعد هاندكه نجماً أدبياً، أو بات شهاباً خبا وهجه وبريقه. ومنذ ذلك الحين لم يعد أحد يتحدث عنه إلا ويذكر موقفه المثير للجدل من الصرب واقترابه من مجرم الحرب سلوبودان ميلوزفيتش. وهذا ما حدث في عام 2006 عندما قررت لجنة تحكيم "مستقلة" تكريمه ليكون أول الفائزين بجائزة الشاعر هاينريش هاينه التي تبلغ قيمتها خمسين ألف يورو. بمجرد أن أعلنت لجنة التحكيم قرارها ثارت ثائرة مجلس مدينة دسلدورف، مانحة الجائزة، بسبب موقف الكاتب من حرب البلقان، ورفضت منحه الجائزة. شعر هاندكه بالإهانة، وتخلى طواعيةً عن الجائزة ونقودها. 
الموقف نفسه تكرر في عام 2011، بعد أن اختارت لجنة تحكيم "مستقلة" أخرى بيتر هاندكه ليكون أول الفائزين بجائزة "كانديد" "نسبة إلى بطل رواية فولتير"التي تمنحها مدينة "مندن" التي لا تبعد عن دسلدورف كثيراً. غير أن الجهة الممولة للجائزة اعترضت على اختيار هاندكه بسبب موقفه من حرب البلقان، وأعلنت رفضها دفع قيمة الجائزة "15 ألف يورو". غضبت لجنة التحكيم وتشبثت باختيارها، بل واقترحت أن يتولى أعضاء اللجنة دفع قيمة الجائزة من حسابهم الشخصي، وهو ما رفضه هاندكه. 
في ظل تلك المواقف السياسية المثيرة للجدل التي أعقبت حرب البلقان، صدرت روايته "دون جوان"، وفيها استعاد هاندكه أسطورة أدبية طواها النسيان، وبدا بعثُها آنذاك شيئا مستفزا يدفع للتساؤل: ماذا يدفع هاندكه إلى استعادة سيرة العاشق الماجن في زمن الحروب والإرهاب وصدام الحضارات؟
واستعرض جريس في مقدمته لأسطورة العاشق الأبدي دون جوان التي عالجها الكثير من الأدباء والمسرحيين والموسيقيين الغربيين، قال "ثمة شخصيات أدبية تولد ولا تموت. وعبر السنين تشهد هذه الشخصيات ولادات متعددة، فتكتسي في كل مرة شكلا آخر، وبعدا جديدا. من هذه النماذج شخصية التي ما فتئ الأدباء يعودون إليها شخصية العاشق زئر النساء دون جوان. ويعتبر الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا (1571-1648) أول من تناول هذه الأسطورة أدبيا. دون خوان في الرؤية الإسبانية رجل مذنب لا يؤمن بإله، العشق عنده هوس ومس، لعنة لا يبرأ منها؛ إنه يغرر بالنساء ولا يتورع حتى عن قتلهن من أجل متعته، إلى أن ينال في النهاية عقوبته. 
ولفت إلى أن هذه الأسطورة الأدبية انتقلت عبر إيطاليا إلى فرنسا، حيث تناولها موليير في مسرحية مُثلت عام 1665. وبعده تعرض أكثر من أديب ـ مثل كورناي وبايرون وألكسندر دوما الأب ـ لهذه الشخصية التي أضحت رمزا أدبيا بامتياز. 
وأكد جريس أن شخصية دون جوان ظلت تجذب الأدباء، فعاد إليها السويسري ماكس فريش في مسرحيته الهزلية "دون جوان أو عشق الهندسة" التي مثلث عام 1953 في زيورخ، وقدم فيها فريش معالجة تسخر بهذه الأسطورة. لم يكن بطله عاشقا وصائدا للنساء، بل شخصية نرجسية تلاحقها النساء، شخصية حزينة لا تعنيها الشهوة، بقدر المكابدات الروحية؛ دون جوان هنا هارب من العلاقات المزيفة المملة العادية، ومثقف يهجر عشق النساء ويستبدل به حب الهندسة. بعد ذلك بعام قدم رائد المسرح الملحمي برتولت بريشت رؤيته لـ"دون جوان" في مسرحية استند فيها على موليير استنادا يصل إلى الحرفية. إلا أن الاشتراكي بريشت اعتبر العاشق المغوي نتاجا لطبقته الاجتماعية المنحلة، لذا أكد انتهازية الشخصية وشذوذها. 
ولعل الرواية التي كتبها التشيكي يوزف تومان من أكثر المعالجات الأدبية لأسطورة دون جوان تشويقا وطرافة. ظهرت رواية تومان عام 1944، أي في أحلك فترات الفاشية والطغيان النازي، وقدم فيها دون جوان رمزا للإنسان الذي يخوض صراعا من أجل الحرية والمبادئ الإنسانية، الإنسان الذي تضطرم العاطفة في صدره، فيشعر بضيق الحدود التي فرضتها عليه الكنيسة والحاكم. دون جوان هنا ليس مغامرا حسيا شهوانيا، بل بطلا تراجيديا قُضي عليه بالفشل، أما الإله ـ رب عصر الباروك الرهيب الذي يلوح دائما بالانتقام والقصاص ـ فهو خصمه وعدوه. ولا يخلصه من عبودية الشهوة الجامحة سوى الحب الحقيقي الذي تهبه له امرأة. 
وأضاف أن أسطورة دون جوان عرفت أيضا طريقها إلى دنيا الموسيقى، وخلدها موتسارت في "دون جوفاني" "عرضت لأول مرة في براغ 1787". في هذه الأوبرا جمع عبقري الموسيقى كافة أطياف التحولات التي تشهدها الروح البشرية المتوترة بين أعماقها الأرضية وذراها الميتافيزيقية. وقد اعتبر الفيلسوف سورين كيركغارد في مقالته "إما ... أو" (1843) دون جوان تجسيدا للشهوة في صورتها المطلقة، واعتبر أوبرا "دون جوفاني" التعبير الكامل عن "العبقرية الحسية". 

وتساءل جريس: هل بقي بعد كل هذه المعالجات جديد يقدمه بيتر هاندكه في روايته الأخيرة؟ ومن أي زاوية اقترب من "دون جوان"؟ وقال إن هاندكه يستهل روايته القصيرة بجملة وردت على لسان "دون جوفاني" في أوبرا موتسارت: "لن تعرف مَن أنا". هل روايته إذن محاولة للإمساك بملامح هوية العاشق المغامر؟ من الصفحة الأولى يتضح للقارئ أن دون جوان هاندكه ليس عاشقا مهووسا بالجنس، ولا شخصا متمحورا حول ذاته الذكورية. إنه بالأحرى صعلوك شريد، دائم التنقل، يهجر بلدا ليحط في آخر. "دون جوان" هنا دائم البحث عن الوصال والتواصل. وفي أحد أيام الربيع الجميلة يهبط المغامر في حديقة الراوي، وهو طباخ يدير مطعما بالقرب من أطلال دير "بور رويال" الفرنسي الشهير. قلّ رواد المطعم حتى كاد الطباخ الفرنسي لا يجد ما يفعله، فأخذ يزجي أيامه بالقراءة. لكنه سئم ما يقرأ، بل سئم القراءة عموما، لذا كان سروره عظيما عندما تعرف إلى دون جوان الذي راح يقص عليه حكاياته ومغامراته. منحه دون جوان ما كان يبحث عنه في قراءاته: "الرحابة الداخلية والاتساع العابر للحدود "، ومنح هو دون جوان آذانا صاغية. منذ الوهلة الأولى نشأت بين الطباخ وضيفه الرحالة ألفة تنمو إلى حد الصداقة. يتنزهان معا، ويتسامران. ثم يحكي دون جوان لمضيفه ما عايشه في الأيام السبعة الأخيرة من رحلته. سبع حكايات يرويها دون جوان في سبع أمسيات عن سبع نساء، كل واحدة ذات "جمال لا يوصف". ولا يخفى هنا بالطبع رمزية الرقم سبعة الذي يشير إلى الكمال، فكأن دون جوان طاف العالم كله، وتعرف إلى حسناواته جميعهن. 
وأوضح "بدأ المغامر العاشق رحلته في تبليسي بالقوقاز حيث قابل عروسا تهرب من حفل زفافها لتتبعه. وفي اليوم التالي يحكي عن المرأة الدمشقية التي تفرجت معه على الدراويش الراقصين، ثم عن المرأتين اللتين قابلهما في بلدة سبته المغربية التابعة لإسبانيا، والمعتوهة النرويجية التي تنصرف من الكنيسة لتلقاه، والفتاة "السهلة" التي يجامعها في هولندا، ثم المرأة التي يقابلها في بلد لا اسم له، ثم في بور رويال. النساء كلهن يرغبن في دون جوان، ويشبعن رغبتهن معه، ثم يفقدنه. دون جوان لا يحكي للراوي تفاصيل ما يحدث في لحظات الوصال، على العكس من الخادم الذي يفيض في وصف أوقات اللهو الماجنة التي قضاها مع امرأة وصُفت بالدمامة. لم تكن الشهوة هي محرك دون جوان، ولا المجون. إنه يسدد نظرة إلى امرأة، وتعرف المرأة على الفور أن هذا هو فارسها. لم يكن دون جوان في يوم مغويا، إنه لم يغو امرأة، كما لم تفتنه حسناء، هكذا يقول الراوي. كل امرأة انجذبت إلى دون جوان لأنها رأت فيه "سيد ذاته". هذا ما تدركه مع مرور الوقت. وفي لحظات الوصال تعتبره "سيدها". إنه الفارس الذي سينقذها". 
ورأى جريس أن دون جوان لم يخطط أبدا للإيقاع بامرأة. إنه يستمد سلطته من نظرات عينيه. نظرة دون جوان فاعلة؛ ليست نظرات شهوانية، إنها تطلق شهوة المرأة من إسارها، من غير أن تثير الشهوة. المرأة تدرك عندئذ كم هي وحيدة، وكم هي جميلة، تشعر بأنها أصبحت أجمل، ليس هناك أجمل منها. يستمد دون جوان سطوته من الحزن أيضا؛ من الحزن على طفل ميت، هكذا يخمن الراوي، من تماهي اللحظة المُعاشة مع الأبدية، ومن حتمية الهروب الدائم. لم تكن المشكلة التي تشغل بال دون جوان هي العاطفة أو الشهوة، بل الزمن. إنه يريد أن يكون سيد وقته، ولهذا تنظر النساء إليه باعتباره "سيد الزمن".
وأكد أن هاندكه لا يقدم حكاية بالمعنى التقليدي. إنه يثير أسئلة عديدة، ويقدم تأملات عن الزمن، عن الحب والموت، بل وأيضا عن روحانية العشق. لن يستمتع القارئ المتعجل بهذا الكتاب، ولا القارئ الباحث عن مواضع إباحية مثيرة. "دون جوان" هاندكه تجسيد للوفاء، الوفاء للعاطفة في لحظتها. يحطم هاندكه في روايته صور دون جوان الشائعة الواضحة المعالم، ليقدم صورة غائمة عن عاشق مسكون بقلق فاوستي يدفعه دوما إلى مواصلة الرحيل والبحث عن المشاعر الحقيقية. 
وفي نهاية الرواية يقول هاندكه إن كل شخصيات دون جوان السابقة كانت مزيفة، وأن "دون جوانه" هو الحقيقي والصادق. أم أنه يؤكد صحة الجملة التي تستهل الرواية، والتي وردت في أوبرا "دون جوفاني": "لن تعرف أبدا مَن أنا"؟
مقطع من بداية الرواية
كان دون جوان دائم البحث عن شخص يصغي إليه. وعثرَ فيّ، ذات يوم جميل، على ذلك الشخص. لم يروِ لي حكايته بضمير المتكلم، بل بضمير الغائب. هكذا أتذكرها الآن على كل حال.
في ذلك الوقت كنت أطهو الطعام على نحو عابر لنفسي فحسب في المَضيَفَة، حيث نزلت بالقرب من أطلال "بور رويال دي شون"، ذلك الدير الشهير سيء السمعة الذي كان في القرن السابع عشر من أشهر الأديرة في فرنسا. غرف الضيوف القليلة أصبحت أيضا جزءا من مسكني. قضيت كل أشهر الشتاء وبشائر الربيع في ذلك المسكن، وكان ذلك لا يعني سوى إعداد الأطعمة لنفسي فحسب، والقيام بالأعمال داخل المنزل وفي الحديقة. كنتُ، أساساً، أقضي وقتي في القراءة، وبين الحين والآخر في التطلع من هذه النافذة العتيقة الصغيرة أو تلك من نوافذ مطعمي الذي كان عبارة عن مبنى شُيدَ آنذاك لحارس "بور رويال دي شون".  

Peter Handke
ليس أي دون جوان

منذ فترة طويلة كنت أعيش بلا جيران. لم يكن السبب في ذلك يرجع إليّ. ليس هناك ما هو أحب إليّ من الجيران، ومن أن أكون جارا. لكن فكرة الجيرة فشلت - أم لم تعد تساير العصر؟ على كلٍّ، في لعبة العرض والطلب كنتُ أنا مَن أخفقت. لم يعد أحد يطلب ما أعرضه كطباخ وصاحب مطعم. فشلت كرجل أعمال، مع أن أحد الأشياء القليلة التي كنت أومن بها دوما هي الأعمال التي تجمع بين الناس، كلعبة البيع والشراء التي تنشط الحياة الاجتماعية.
في شهر مايو أهملت العمل في الحديقة كلها تقريبا، ولم أكد أفعل شيئا سوى مشاهدة الخضروات التي زرعتها أو بذرتها وهي تنمو أو تذوي. الشيء نفسه كنت أفعله مع أشجار الفواكه التي زرعتها أيضا قبل عقد من الزمان عندما استلمت منزل الحارس وحولته إلى مطعم. من الصباح حتى المساء كنت أتمشى، وأقوم بجولة بعد جولة في الحديقة التي تمتد في عمق هضبة "إيل دو فرانس" حتى أصل إلى التفاح والكمثرى والجوز، من دون أن أفعل أي شيء سوى الإمساك بكتاب في اليد. حتى الطهي وإنضاج الطعام لم أكد أمارسه في تلك الأسابيع الربيعية إلا تلبية للعادة فحسب. بدا أن الحديقة الشعثاء قد بدأت تتعافى، بل وازدانت بمزروعات جديدة مثمرة.
شيئا فشيئا بدأت أزهد حتى في القراءة. وفي صباح ذلك اليوم الذي أتاني فيه دون جوان هاربا، كنتُ قد عقدت العزم على أن أهجر الكتب في الوقت الحالي. ومع أنني كنت في منتصف قراءة عملين يتمتعان بالريادة، ليس فقط على مستوى الأدب الفرنسي، وليس فقط في القرن السابع عشر، وهما رسالة جان راسين التي يدافع فيها عن راهبات "بور رويال"، والمقالة التي كتبها بليز باسكال مهاجما خصوم الراهبات من الرهبان اليسوعيين. وهكذا قررتُ بين لحظة وأخرى أن أكتفي بما قرأت، على الأقل لفترة ما. قرأت ما يكفي؟ كانت الفكرة التي خامرتني في الصباح أكثر ضراوة من ذلك: "سئمتُ القراءة!" رغم أنني كنت طوال حياتي قارئا. طباخا وقارئا. وأي طباخ. وأي قارئ. عندئذ أدركت أيضا لمَ كانت الغربان تنعق حانقة في الأجواء منذ فترة وهي تفيض غضبا: هل كانت حانقة على حال العالم. أم على حالي أنا؟
مجيء دون جوان عصر ذلك اليوم من شهر مايو عوضني عن القراءة. كان في الحقيقة أكثر من مجرد تعويض. لقد شعرت بحضور "دون جوان" – وشعرت به يحل محل كل أولئك الآباء اليسوعيين السفسطائيين الذين اختفوا تماما منذ القرن السابع عشر، وأيضا محل، فلنقل، لوسيان لوين وراسكولنيكوف، أو مينهير بيبركورن، أو السنيور بوينديا أو المفتش ميغري - وكأنه نسمة هواء مُحرِرة. وفي الوقت نفسه وهبني مجيء دون جوان الرحابة الداخلية والاتساع العابر للحدود، بكل معنى الكلمة، تلك الرحابة وذلك الاتساع اللذان لا تجلبهما سوى القراءة القلقة (والمُستَنفَرَة). كان من الممكن أن يكون قد أتى غوفان أو لانسلو، أو فايرفيتس، ذو البشرة المبقعة، والأخ غير الشقيق لبارتسيفال – أما بارتسيفال فبالطبع لا! أو ربما أيضا الأمير ميشكين، ولكن الذي جاء كان دون جوان الذي حمل معه سمات ليست بقليلة ممن يوصفون بأبطال وصعاليك العصر الوسيط.
هل جاء؟ هل ظهر؟ لقد سقط بالأحرى في حديقتي متعثرا، عبر السور الخارجي الذي يشكل جزءا من مقدمة المَضيَفَة. كان حقا يوما جميلا. بعد صباح رمادي كالح انقشعت غيوم السماء، مثلما يحدث في أغلب الأحيان في هضبة "إيل دو فرانس"، وبدت السماء مصممة على أن تصفو، وتصفو، وتصفو. كان الهدوء الذي ساد فترة العصر خادعا كالمعتاد، ولكنه كان سائدا على كل حال في تلك اللحظة؛ وكان مؤثرا. 
سمعت لهاث دون جوان قبل أن يدخل مجال بصري بفترة طويلة. عندما كنت طفلا في الريف شاهدت مرةً صبيا، ابن فلاحين أو ما أشبه، يهرب من رجال الدرك. مرّ بي فارا على طريق صاعد. لم أر ملاحقيه في البداية، وكل ما سُمع هي صيحات "قف!". ما زلت حتى اليوم أرى وجهَ المُطَارد، منتفخا ومحمرا، وجسده الذي بدا منكمشا، في حين طالت ذراعاه المتأرجحتان. أما ما بقي منه في أذني فكان أقوى تأثيرا. كان أكثر وأقل من لهاث. وكان أكثر وأقل من صفير ينبعث من رئتيه. ولا يمكن الحديث هنا عن رئة أو اثنتين. الصوت الذي أحتفظ به في أذني كان يصدر أو يتطاير من الإنسان كله، وليس من باطنه مثلا، بل من سطحه، من خارجه، من كل مسام بشرته. لم يصدر ذلك الصوت من هذا الإنسان بعينه، بل من مجموعة، كبيرة، ضخمة، ليس فقط بالنظر إلى ملاحقيه الذين كانوا يزأرون وهم يقتربون منه اقترابا ملحوظا، ولكن أيضا بالنظر إلى الطبيعة الريفية المحيطة به. احتفظت في ذاكرتي بهذا الأزيز، وبهذه الذبذبات التي تدفع الطريد إلى الخروج من جحره الأخير، كشيء خارق، كنبع من ينابيع القوة الأزلية.
ما إنْ سمعت أنفاس دون جوان، حتى وجدتُ أمامي ذلك الهارب القديم، بعيدا في الأفق وقريبا جدا من أذني في آن واحد. وبدلا من صيحات رجال الدرك آنذاك، حلّ ضجيج دراجة نارية كان هديرها يعلو بإيقاع متناغم تحت ضغط دواسة السرعة، وبدا أنها تقترب تدريجيا من الحديقة مجتازة كل العوائق، على خلاف الأنفاس التي ملأت الحديقة على الفور، ثم راحت تنمو وتتكاثر.
كان السور العتيق قد بدأ يتصدع في أحد مواضعه، وكانت هناك كوة تركتها عامدا، ومنها اندفع دون جوان برأسه مقتحما أرضي. وبالطبع سبقه شيء يشبه الرمح أو الحربة. في شكل قوس انطلق الجسم المقذوف عبر الهواء ثم انغرس في تربة الأرض بين قدمي. رمشت القطة التي ترقد بجانبي على العشب مرة أو اثنتين، ثم غفت ثانية، واستقر عصفور – أي طائر كان بإمكانه أن يفعل ذلك سوى العصفور؟ - على حافة الحربة المهتزة، ثم تواصل الاهتزاز. لم تكن الحربة في الحقيقة سوى عصا ذات حافة مدببة قليلا في الأمام، عصا يستطيع المرء أن يقطعها من أي مكان في الغابات المحيطة بوادي "بور رويال".
في ذاكرتي، لم تكن لذلك المُطَارَد من قِبل رجال الدرك الريفي عينان. بدون نظرات، الحدقة بيضاء شاحبة وسط الوجه الذي كان في حمرة النار، كحدقة سمكة في الماء المغلي، هكذا مرق بجانبي، بالطفل الذي كنته، وهو يدب بقدميه على الأرض (إذا كان دبيب قوة، فهي آخر ما تبقى فيه). ولكن على العكس من ذلك فقد رآني دون جوان الهارب. ثبت عليّ نظرة مباشرة من عينيه المتسعتين وهو يدخل طائرا عبر الكوة، بجسده، ورأسه، وكتفيه في الأمام، وكأنه عصا. ورغم أن لقاءنا ذاك كان هو الأول، فقد شعرت بالألفة في تلك اللحظة تجاه هذا المقتحم. حتى دون أن يعرّفني بنفسه – الأمر الذي لم يكن في استطاعته على أي حال، أنفاسه كانت عبارة عن غناء خاص فريد – كنتُ أعلم أن الواقف أمامي هو دون جوان، ليس أي دون جوان، كلا، إنه هو، دون جوان.