سبل نجاح حوار الثقافات في عالم متغيّر

بقلم: د. عبد الله تركماني

تظل الثقافة، تبعاً لحركيتها، مفتوحة التعريف، ذات مكوّنات متغيّرة، محكومة بالتطور. فلم يعد أي من ‏المجتمعات الإنسانية رهين ثقافته الخاصة، ومن ثم لم يعد سلوك هذه المجتمعات، أو تفكيرها الجماعي، هما النتاج ‏الطبيعي والضروري لثقافتها الوطنية فحسب. إذ أنّ العالم غني بثقافات القارات الخمس، ومضطر إلى صياغة ‏قواعد لتعايشها وانسجامها، ويحمل في ذاته القدرة على مواجهة تحديات تاريخه الكبرى.
فبدلاً من المزاعم الخرقاء عن صراعات الثقافات المعاصرة، ينبغي التحرك للكشف عن المضامين المشتركة ‏الكامنة في أغلب ثقافات الجنس البشري، والتي تنشد حرية الإنسان وانتصاره المتلاحق على اختناقات الضرورات ‏المختلفة. ففي عالم تكتنفه تحوّلات عميقة تبقى التساؤلات الجديرة بالاهتمام: كيف نفكر في تواصل التاريخ ‏الإنساني وفي المحافظة على حلم البشرية بحياة أفضل لأكبر عدد ممكن من الناس؟ وهل نستطيع الحفاظ على ‏رؤية لمشروع كوني يتماشى مع التعددية ويغتني بالثقافات المتنوعة؟
ولعل منبع الإشكال راجع إلى تصادم حقيقتين بارزتين: أولاهما، الالتزام الجماعي بمقتضيات الكونية الناتجة ‏عن مسار توحّد البشرية واقتران مصائر أبنائها عبر آليتي توحّد الأنظمة الاتصالية وتوحّد الاقتصاد العالمي. ‏وثانيتهما، الإقرار النظري والمعياري بحق الثقافات في الاختلاف والتمايز وتماثلها من حيث القيمة والمشروعية ‏من جهة أخرى.
إنّ البحث في العلاقات التاريخية بين الحضارات الكبرى يؤكد أنها تتميز بالانفتاح والتواصل وليس بالصدام ‏والتنافر. وما زلنا نذكر دهشة المؤرخ المصري الشهير عبد الرحمن الجبرتي تجاه الوجود الفرنسي القادم مع ‏نابليون بونابرت في حملته على مصر منذ أكثر من مائتي عام، وكيف أصابت المؤرخ المسلم صدمة حضارية ‏واضحة، ولكنه لم يكن رافضاً لثقافة الفرنسيس بل كان مقارنا فقط بينها وبين التقاليد المصرية التي كان يعيش بها ‏ويعبر عنها. كما أنّ رفاعة رافع الطهطاوي - رجل الدين الأزهري - قد عاد من باريس في الربع الثاني من ‏القرن التاسع عشر لكي يكتب بشيء من الانبهار عن الحضارة الغربية والحياة الفرنسية، وينقل عنها كتبه الشهيرة ‏من دون أن تقف أمامه جدران الكراهية أو حواجز التعصب. بل إنّ الإمام محمد عبده - المصلح الديني ‏والاجتماعي - هو الذي قال يوماً إنه قد ترك في بلاده مسلمين بغير إسلام ووجد في فرنسا إسلاماً بغير مسلمين! ‏لكي يدلل عن ارتياحه للأخلاق الغربية في جانبها الإيجابي الذي يتمثل في الصدق مع الذات والبعد عن الكذب ‏والرياء وكأنها تطبيق لتعاليم الإسلام الحقيقية.
وعلى أساس هذا التواصل التاريخي لثقافات العالم، فإنّ السؤال الجوهري اليوم هو: إلى أية مبادئ سوف يستند ‏الحوار الثقافي اليوم؟ وما هي السبل لنجاح هذا الحوار؟
‏1 - في عالم تتحول فيه الحدود السياسية للدول إلى مناطق سلام وتبادل المصالح وتتداخل فيه الثقافات ‏الوطنية، يستوجب الحديث عن واقع التعددية الثقافية وانعكاساته سياسياً ووطنياً؛ التوقف أمام الأمور الثلاثة الآتية:
‏أ - تحوّل القضايا الداخلية الوطنية (مثل حقوق الأقليات، وحتى الأفراد، وحرية العبادة وسواها) إلى قضايا ‏خارجية عالمية. وكذلك تحوّل القضايا العالمية (مثل السلام والتنمية وحركة رؤوس الأموال والاستثمارات ‏والخدمات وتبادل السلع) إلى قضايا داخلية تمس صميم الاقتصاد الوطني والأمن الاجتماعي.
ب - القرار الوطني في دولة ما لم يعد ملكاً لأصحابه فقط، ولكنّ عملية اتخاذه باتت جزءاً من عملية أوسع ‏تلعب فيها عناصر ما وراء الحدود الوطنية دوراً أساسياً. وتالياً فإنّ الممثلين المنتخبين المكلفين بإدارة أمور دولة ‏ما، أصبحوا رهينة نظام عالمي له حساباته ومصالحه وقوانينه الخاصة التي لا تلتقي بالضرورة مع المحلي - ‏الوطني منها، بل التي كثيرا ما تتناقض معها أيضاً.
ج - انحسار فرص المحافظة على التنوّع الثقافي وتآكل المساحات الوطنية التي توفر لهذا التنوّع قوة ‏استمراره. إنّ الشعور بالاختناق الذي بدأت تعاني منه ثقافات متعددة يعود إلى هيمنة ثقافة واحدة على العالم ‏ومحاولة فرض قيمها واعتماد هذه القيم مقياساً للتخلف أو للتحضر.‏
2 - إنّ الدعوة المطروحة تحت عنوان "حوار الثقافات" تظل بحاجة إلى عنوان جوهري آخر يسبق هذا ‏المفهوم للمسألة الفكرية التاريخية المطروحة، ألا وهو الاتفاق أولاً على تأسيس وتكريس "ثقافة الحوار" المنطلقة ‏من مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أي الإقرار بأسس المساواة بين المتحاورين، والانطلاق من ‏قاعدة أننا جميعاً "جيران في عالم واحد". وبالتالي فإنّ المتحاورين لهم الحق، كل الحق، في سعيهم نحو تحقيق ‏الحرية والحياة الكريمة، والتمتع بقيم العدالة والتكافل الإنساني، عبر النهوض الذاتي المستقل عن الوصاية والهيمنة ‏والاستعلاء الخارجي.
إنّ الحوار الذي يخدم التفاهم بين الشعوب والاعتراف بالآخر، سياسياً وثقافياً، لا يمكن أن يكون إلا حواراً ‏حضارياً يتخذ من المقاربة التاريخية الثقافية منهجاً ونبراساً.
3 – تستمد الدعوة إلى "ثقافة اللاعنف" أهميتها في أنّ الدعوة لحوار الثقافات حيناً، وحوار الحضارات ‏والأديان أحياناً أخرى، أصبحت تمثل القاسم المشترك بين الكثير من المثقفين ورجال السياسة والدين والمفكرين، ‏ليس في العالم العربي فقط، بل في العالم كله أيضاً. وهي لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة مصيرية، ‏ومقدمة لإنهاء دورات العنف المغلقة المهلكة، وفتح طريق التطور السلمي والتحول الديمقراطي.
ولا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تنتشر وتتوطد من دون بذل جهود معتبرة في بنى مجتمعاتنا لإقامتها على ‏أنقاض ثقافة العنف، من البيت، إلى المدرسة، إلى الأحزاب السياسية والفعاليات الفكرية، إلى الدولة بجميع ‏مؤسساتها. فلم تعد أوطاننا تتحمل دورات جديدة من العنف الأعمى، هنا وهناك، لا تحصد منها غير الكوارث.
والمهم في ذلك هو بداية اقتناع قطاعات كبيرة في الغرب بضرورة النظر إلى كل ثقافة في ضوء معاييرها ‏الذاتية والتخلّي عن موقف الاستعلاء من الثقافات الأخرى، إذ أنّ لكل ثقافة مقوّماتها وخصائصها وإمكاناتها التي ‏تستحق الاحترام، وأنّ كرامة كل الثقافات متساوية.
4 - إنّ حوار الثقافات هو مشروع حياة البشرية ومستقبلها، والمنهج الذي يدفع الشعوب إلى أن تتعاطى ‏مع بعضها بالأسلوب الإنساني الرفيع القائم على أساس التعارف لا الخصام. وهو حتماً بديل عن وسائل العنف ‏والقوة، فليس هناك من وجه مقارنة أو مقاربة بين حوار السلاح وحوار العقول. هو مشروع طويل الأمد، ينطوي ‏على مسؤولية الكلمة.
وليس هناك حوار حقيقي للثقافات،‏ إذا لم يقم علي أساس النقد المزدوج:‏ نقد الذات وتفكيك خطاب الآخر‏.‏ ‏والواقع أنّ ممارسة النقد الذاتي فضيلة غربية أساساً،‏ إذ أنّ أحد أسباب التقدم الغربي هو الممارسة المنهجية للنقد ‏الذاتي في المجتمعات الغربية،‏ وهذا النقد الذاتي يقوم به في بعض الأحيان أعضاء النخب السياسية الحاكمة إذا ‏قصّروا أو أخطأوا في عملية صنع القرار،‏ وكذلك المثقفون والكتاب والمفكرون،‏ الذين يراجعون مواقفهم وفقاً ‏للأحداث الكبرى العالمية والإقليمية والمحلية،‏ أو إذا ما اتجهوا إلى تغيير وجهة مشروعاتهم الفكرية‏،‏ نتيجة للتطور ‏الذاتي للمثقف‏‏ أو كانعكاس لتغيّرات الظروف المحيطة به‏.
إنّ الحوار الحقيقي يتطلب مجموعة من العناصر أهمها قبول أطراف الحوار بالاختلاف وإدراكهم أنّ للحوار ‏مستويين: أولهما، داخلي ضمن الحضارة الواحدة للوصول إلى معالم الخطاب المعتمد. وثانيهما، خارجي موجه ‏إلى الأطراف الأخرى. وكلاهما متعدد الأبعاد، فالغرب ليس كتلة واحدة وكذلك الشرق، وهذا يتطلب الاقتناع ‏بضرورة سعي كل طرف لرصد وفهم خطاب الطرف الآخر مؤكداً أنّ الثقافات تقوم على الإبداع وتختلف ‏مساراتها باختلاف الشعوب التي أنتجتها.
وهكذا، ليس هناك من حوار في ظل الهيمنة. فالهيمنة لا تنتج حواراً لأنها نقيضه، وتسعى إلى تعميم مفاهيمها ‏وفرضها بأشكالها المختلفة: السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية. وكلما رُفض الآخر من خلال إهدار حقوقه ‏الأساسية والسعي إلى السيطرة عليه وعلى مقوّمات وجوده أو اختصاره من خلال قرارات وإجراءات تحد من ‏ممارسة حقوقه، كلما اتجهت المعالجات في اتجاه الحلول الأمنية أو العسكرية، والسيطرة من خلال القوة والقمع.
5 - الحوار يفترض وجود حد أدنى من المرجعية المشتركة، ولا يقوم إلا على الدفاع عن قيم جماعية. ‏والقيم التي تشكل مرجعية هذا الحوار وحافزه ليست - اليوم - شيئاً آخر سوى القيم التي عممتها الحضارة الحديثة ‏وعمقت مفاهيمها، إنها قيم الحرية والعدالة والمساواة بين جميع البشر شعوباً وأفراداً على حد سواء. وهذا يعني ‏أنّ الحوار لا يدور في إطار الخصوصيات القومية أو الثقافية، ولكن في إطار المشتركات الإنسانية، أي القواعد ‏والمعايير والقيم التي يقبل الجميع النظر إليها باعتبارها قاسماً مشتركاً مقبولاً من جميع أو اغلب المجتمعات ‏البشرية.
وكما هو شأن التعاون الثقافي الدولي، فإنّ على الحوار، بوجه عام، أن يبرز الأفكار والقيم التي من شأنها ‏توفير مناخ صداقة وسلام، وأن يستبعد جميع مظاهر العداء في المواقف وفي التعبير عن الآراء، على أن يتوخى ‏الحوار أيضاً النفع المتبادل لجميع الأمم التي تمارسه، ويسعى في جهد مشترك مع الأطراف جميعاً للقيام بعملية ‏حضارية كبرى، هي تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تسود المجتمعات وتعيق مسيرة التعاون والتقارب والتفاهم ‏والحوار. وهكذا يفتح الحوار المجال واسعاً أمام تفاهم المجتمعات، ويساهم في تلاقح الثقافات، وهو ما نصطلح ‏عليه هنا بالتفاعل الحضاري الذي يجب أن يدعم التعاون الدولي على مواجهة تحديات العصر ومشاكله والسعي ‏لحلها.
6 - إنّ حوار الشعوب والثقافات يحمل في طياته متطلبات وطموحات أخرى، فهو يفترض احترام الآخر، ‏ووعياً للذات واحترامها في آن واحد. واحترام الآخر يعني في الدرجة الأولى معرفته، كي لا يتم إدراكه كآخر ‏في شكل جذري، من دون أي تمييز ممكن. كما يعني في الدرجة الثانية، الإصغاء إليه، والعمل معه، وعدم اتخاذ ‏القرارات بدلاً عنه. وفي الدرجة الثالثة، اعتبار الآخر ليس نقيضاً، الأمر الأكثر بداهة والأكثر صعوبة في آن ‏واحد. وفي الدرجة الرابعة، يجب أن يدار حوار الثقافات بتبصر وتواضع، لأنّ عدوه الاسوأ هو العجرفة. إذ أنّ ‏كل حضارة وكل شعب يمكنهما، ويجب أن يكونا فخورين بما حققاه وقدماه للعالم. لهذا السبب يجب على كل ‏ثقافة أن تطبق على نفسها عمل نقد ذاتي: إنها واجب كل ثقافة، وكل مجتمع، وكل دين. وفي هذا المجال الأساسي ‏الذي هو مجال الطريقة التي ننظر بواسطتها إلى أنفسنا، ثمة الكثير الذي لم يتحقق حتى الآن.
‏هناك خطوات أساسية لا بد من مراعاتها لتحقيق احترام متبادل ومتكافئ بين أطراف الحوار‏،‏ وتتمثل هذه ‏الخطوات فيما يلي‏:
أ - ضرورة تعرّف كل طرف على الطرف الآخر‏،‏ على آرائه وأفكاره ومعتقداته وأسلوب تعامله،‏ وبصفة ‏عامة على ثقافته‏.
ب - إنّ التعرّف على الآخرين لن يكون مكتملاً ومؤدياً للغرض المقصود، إلا إذا كان كل طرف على ‏استعداد تام للاعتراف بحق كل مخلوق بشري في الكرامة الإنسانية، بصرف النظر عن أية اختلافات أخرى ‏تتصل بالجنس أو اللون أو أي اعتبار آخر ‏..‏ وإدراك هذا المعنى علي حقيقته يؤدي إلي تجنب الميل نحو النزعات ‏الاستعلائية أو عقد التفوق العرقي أو الحضاري التي من شأنها أن تقضي علي أية فرصة لأي حوار بنّاء‏.‏ ولاشك ‏في أنّ التعرف على الآخر من منطلق الإقرار بما له من كرامة إنسانية سيؤدي بدوره إلى احترام الآخر.
ج - يرتبط احترام الآخر بشكل أساسي باحترام الذات،‏ فاحترام الذات من شأنه أن ينعكس بشكل إيجابي ‏على النظرة إلى الآخر باحترام‏،‏ وعلى أساس من احترام الذات يدرك المرء أنّ الآخر مساوٍ له‏،‏ وهذا الاعتراف ‏بالمساواة يعني الاعتراف للآخر بنفس الحقوق التي يطلبها الإنسان لذاته‏،‏ وعلى ذلك تتأسس قيمة الاحترام المتبادل ‏بين الناس‏.
د - إن التعرف الحقيقي على الآخر وعلى ثقافته، علي النحو المشار إليه أعلاه، من شأنه أن يؤدي إلى تأكيد ‏قيمة التسامح الإيجابي إزاء الآخرين‏،‏ وليس مجرد التسامح الحيادي‏.‏ وهذا يعني الإقرار بالتعددية الثقافية، ويعني ‏أيضاً احترام حضارة الآخر وثقافته مهما يكن مستواه من الرقي المادي،‏ لأنّ احترام الآخر والتعرّف عليه من ‏شأنه أن يؤدي إلى تفهم كل الظروف المحيطة به‏،‏ ومن شأنه كذلك أن يقضي على الكثير من الأحكام المسبقة ‏والمفاهيم المغلوطة لدى أطراف الحوار‏.‏
7 - حتى يتسنى تحقيق إنسانيتنا المشتركة، نحن بحاجة إلى المزيد من التبادل والتعامل، ومزيد من الفرص ‏للسفر والتعارف بين الشعوب. وهناك حاجة لمزيد من التعاون بين المؤسسات التعليمية، وتنقّل الفنانين والمثقفين ‏والعلماء والقيادات المحلية والطلبة عبر الحدود في جميع الاتجاهات، ليتسنى لهم إقامة حوارات وتفاعل مباشر ‏واحترام متبادل وفهم أفضل للحقائق.
خاصة وأنّ البشرية تواجه اليوم خيارات مختلفة: إما إعادة إنتاج نظام الهيمنة القديم تحت شعار النظام العالمي ‏الجديد، أو خلق نظام ما بعد الهيمنة والذي سيستمد مضمونه من البحث عن أرضية مشتركة بين التقاليد المكوّنة ‏للحضارة الإنسانية، وتتمثل هذه الأرضية المشتركة بـ:
أ- الاعتراف المتبادل بالتقاليد المميّزة للثقافات الإنسانية المتعددة.
ب- تجاوز نقطة الاعتراف المتبادل والاتجاه نحو تقبّل التفاعل بين الهويات الثقافية المتعددة والتي تسمح ‏بالتعايش بين مختلف التقاليد الحضارية.
‏إنّ الحوار يستدعي النظر بمنظور كوني لواقع العالم، واستحضار مشكلة الكون بأسره لا الانزواء داخل ذاتيات متضخمة ‏تحجب التعرّف على خريطة العالم البشرية، وتعيق فهم الذات على حقيقتها. أي ليست إشكالية حوار الثقافات في أن تستعيد كل ‏ثقافة موقعها الضائع ودورها المفقود في شبكة علاقات القوة التي لا حصر لها في العالم، أو الدخول في سجال قيمي أو تبارٍ ‏إيديولوجي بين الكيانات الثقافية، فهذا ليس إلا إعادة إنتاج لفائض القوة ونظام السيطرة الذي يدمر العالم حالياً.
كما أنه ليس بحثاً عن قواسم مشتركة بين الثقافات الكبرى القائمة، أو الاتفاق على تقاسم سلطة القرار بين التجمعات ‏البشرية الكبرى، فهذا توافق خفي مع مقولة "صراع الحضارات" في تفرد الكتل الثقافية الواسعة في صنع مستقبل العالم، وفي ‏تأبيد أحاديات ثقافية وقيمية كقدر محتوم، وفي تحييد الإشكاليات المعاصرة التي يبدو معها العالم كأنه قد جن جنونه. وكذلك ‏ليس حواراً بين الأقوياء، أو لقاء الجبابرة والعمالقة، أو ميثاق المنتصرين الذين كان التاريخ سجلاً لفتوحاتهم. وبالمقابل، لا ‏نريده حوار الأمنيات والدعوات الأخلاقية الساكنة، التي يدمنها المهمشون كلما صدمتهم مجريات الأمور، أي لا نريده تعبيراً ‏عن أخلاق الضعفاء الذين يعوّضون ضعفهم بسمو قيمهم.
والحال أنّ مختلف المنظومات الثقافية العالمية تتحسس الحاجة الموضوعية إلى صياغة وتقنين مقتضايات الكونية، حتى ولو ‏اختلفت جزئياً في ضبط معايير ومحددات هذه الكونية، فلقد أصبح لعالم اليوم أطر مرجعية كونية لا يكاد يخرج عليها كيان ‏سياسي أو ثقافي، أبرزها الوثيقة النظرية الأخلاقية العامة التي تؤسس النظام الدولي، أي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ‏والنظام المؤسسي الدولي المتمثل في هيئة الأمم المتحدة، والأطر التشريعية المتعددة المناحي والأوجه (الاتفاقات والقوانين ‏الدولية الملزمة التي تزايدت مجالاتها بصفة كثيفة في الآونة الأخيرة).
إنّ حوار الثقافات ممكن عبر نخب مستوعبة لماضيها وحاضرها الثقافي، تتبادل التصورات والخبرات ليتحقق تفاعل ‏الإيجابيات في الثقافتين المتحاورتين. وبناء على ذلك، فإنّ الحوار الذي يتوافق مع واقع العصر هو التزام أخلاقي ليس فيه أي ‏انحياز للذات أو للغير، وإنما ينصفهما بما يتوافق مع قيمهما المتناظرة. ويفترض ذلك ضرورة تواجد عقل تواصلي قائم على ‏العدالة والتشارك، باعتباره القادر على إنشاء مناخ قابل للحوار ولتبادل المعارف.
وأهمية هذه الممارسة ظهرت في العقود الأخيرة بحكم تزايد الوعي الكوني بأنّ الإنسانية تعيش في قارب واحد، ومن ثم ‏هناك حاجة للتصدي للمشكلات والتحديات التي تواجه الإنسانية عموماً، بالإضافة إلى التصدي لمشكلات الإدراك وسوء الإدراك ‏التي تقع بين ثقافة وأخرى‏.‏
إذ لا بد من امتلاك فهم دقيق لديناميكية التحوّلات المجتمعية والحضارية المتسارعة ونهج صيرورتها وطبيعة محدداتها ‏والعوامل الفاعلة فيها وما يصح وما لا يصح أن يكون موضوعاً للحوار، وذلك حتى تأتي مواقفنا راشدة من حيث كونها: أولاً، ‏هادفة، تعكس حالة استيعاب منهجية للواقع ولمكامن المصلحة الحقيقية في ما يتعلق بغايات تكييف هذا الواقع والتكيّف معه، ‏وحيث لا نبدو كأننا في حال صراع محبطة مع حقائق الواقع ذاتها، وفي حال تناقض موضوعي مع مقتضيات المواكبة ‏الحضارية، التي أصبحت أهم محددات مصيرنا.
وثانياً، من حيث كونها محمية من مخاطر الوقوع تحت تأثير حال من التشويش المرجعي والمنهجي الذي يؤدي إلي إدارة ‏الحوار بروح ورؤية عاطفية وبآلية سجالية يتحول معها الحوار إلي غاية قائمة بذاتها.
ومن أجل نجاحنا في تحقيق ذلك، علينا أن نحشد قوانا لمكافحة الفقر وتعزيز التعليم في العالم، التعليم الذي يسمح بفهم ‏الآخر. ويجب أن نفعل ذلك باسم التضامن، وباسم العدالة، ولكن أيضاً باسم المنطق. فإذا كان من الخطأ والخطورة إقامة علاقة ‏مباشرة بين الإرهاب والبؤس، إلا أنّ الجميع يرون أنّ ثمة ترابط بين الإرهاب والتعصب، وهو تعصب يزدهر على أرض ‏الجهل والذل والقمع والبؤس.
8 - إنّ التقارب بين الجماعات لا يتحقق من خلال التقريب بين مذاهبها أو منظومات قيمها أو مرجعياتها الثقافية ‏الخاصة، ولا يتحقق - بالتالي - من خلال إضعاف ما تشعر أنه يمثل خصوصيتها، وإنما يتم ذلك التقارب بين الجماعات من ‏خلال توسيع دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها من حتمية الاعتماد المطلق والأحادي على مرجعياتها الثقافية ‏التاريخية. وهذا يعني إيجاد فرص أكبر لتنويع هذه المرجعيات، بحيث يبدو الانفتاح على الآخر إثراء للنفس لا إفقاراً لها. ‏خاصة أنّ هوية الثقافات المركزية تقوم بطمس كل العناصر التي تتعارض معها، بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم ‏التي تحميها من المتغيّرات التاريخية، إذ أنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوّنات فاعلة فيها، وهي تمثل جانبا من ‏جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها.
9 - لعل التساؤلات المثيرة حول مفهوم التقدم في ثقافات العالم المختلفة من أهم الموضاعات الجديرة بالحوار،‏ فهو من ‏بين المفاهيم الأساسية التي قامت عليها الحداثة،‏ وصيغت على أساسه سياسات التحديث والتنمية المختلفة‏.‏ وقد حاولت عديد من ‏الدول النامية اقتباس مظاهر الحداثة الغربية،‏ ففي العالم العربي الحديث أثارت هذه العملية الثقافية المعقدة جدلاً شديداً ‏‏بين ‏المفكرين الذين تشبثوا بإحياء التراث كوسيلة للتحديث‏،‏ وفئة أخرى ركزت على ضرورة الاحتذاء بالنموذج الغربي بالكامل في ‏السياسة والاقتصاد والثقافة، بدلاً من الرجوع إلى الماضي‏،‏ وفئة ثالثة حاولت أن تصوغ مذهباً وسطاً في الاحتذاء بالنموذج ‏الغربي‏‏ ولكن مع محاولة التوفيق بينه وبين التراث‏.‏
إنّ الإنسانية كلها مشغولة عبر دروب شتى، حسب تعبير الدكتور السيد يسين، في إعادة التفكير في مفهوم التقدم‏،‏ وإن ‏كانت كل ثقافة إنسانية معاصرة تحاول النبش في جذورها التاريخية للعثور على المعاني الأصلية لفكرة التقدم، سعياً وراء ‏الحوار المشترك لصياغة مفهوم كوني لها، بما يتفق مع الطموح المعاصر لعالمية القيم، دون أن يكون في ذلك قضاء علي ‏الخصوصيات الثقافية‏.‏
10 - إنّ حوار الثقافات يعني إدخال كل تجارب الحياة داخل مجال النظر والتأمل، وإشراك الرؤى التي جسدتها ‏حضارات الشعوب، صغيرها وكبيرها، في التنقيب عن الأبعاد التي فقدها الإنسان خلال فرص التاريخ، وفي اكتشاف جميع ‏الإمكانيات الكامنة التي تجلت في هيئة شعوب ولغات ومذاهب دينية وفنون وعلوم ودول. إنها المقاربة التي لا تكترث للانتماء ‏الكلي الذي يدمج حقائق الجزئيات بقالب لفظي، بقدر ما تلاحق التجارب المفردة والمختلفة والغريبة أحياناً، من أجل اكتشاف ‏الأبعاد التي سطّحتها حياة الاستهلاك وطمسها منطق السيطرة. إنها مقاربة ميكرو - ثقافية، أي مقاربة لا تقيس الثقافة بحجم ‏صخبها أو بتماسك إيديولوجيتها، بقدر ما تسجل تجارب إنسانية يكون داخل كل منها إنسان آخر وحياة جديدة.
إنّ حوار الثقافات لا بد أن يتم بين الشعوب في الجامعات وفي النوادي الفكرية ومراكز الأبحاث، بين الناس كافة في ‏المستوى الذي يملكه الناس من مفردات الحوار، بين المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، لأنّ الحكومات ‏تتحرك من خلال مصالحها بعيداً عن أية قاعدة ثقافية في أغلب الأحيان، ولأنّ المسألة، بين الحكومات، لا تحكمها صداقات ‏دائمة ولا عداوات دائمة بل المصالح الدائمة، لذلك فإنّ الحكومات تتحرك في حوار المصالح لا حوار الثقافات.
وهكذا، فإنّ الهدف من الحوار هو التوصل - في النهاية - إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية ‏التي تأخذ في اعتبارها التنوّع الإنساني الخلاّق، في الوقت الذي تسعى فيه إلى التركيز على القواسم المشتركة بين ثقافات ‏العالم جميعاً. ومن الواضح أنّ الثقافات، كقيم دينية وأخلاقية ورؤى كونية، لا تجلس حول مائدة مستديرة للحوار أو الصدام ‏الثقافي، بل أنّ المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى للدول هي التي تتصادم. وهنا تكمن ضرورة بناء التوافقات الكبرى ‏وشبكة العلاقات بين الثقافات على أساس المصالح في بحث مشترك عن فن العيش معاً.
وبذلك يمكن أن يشهد العالم درجة أكبر من التسامح بين الثقافات، وهو تسامح يقوم على أساس المعرفة والفهم لتلك ‏الثقافات ومبررات وجودها، ومعاني رموزها، والسلوكيات المرتبطة بها، والقيم التي تكمن وراءها. وهو الأمر الذي سيجعل ‏التسامح قيمة من قيم المستقبل، رغم اختلاف النظرة والفكرة والسلوك والمعتقد. وهذا من المؤشرات الهامة على أنّ قيم ‏المستقبل ستكون قيماً إيجابية فاعلة أكثر منها مواقف سلبية انفعالية، حيث سيجري الاهتمام بالمستقبل والنظر إلى الأمام، ‏واحترام قوى التقدم والنجاح والإنجاز أكثر من النظر إلى الوراء وتمجيد الماضي والارتباط به أو الاستكانة والرضى بالأمر ‏الواقع، ومحاولة إيجاد مبررات لقبوله. وإن كان هذا لا يعني التنكر للتراث الثقافي، وإنما يعني مراجعته وإحياءه من خلال ‏إبراز الجوانب الإيجابية فيه التي تضيف إلى الحضارة الإنسانية.
إنّ خلاصة ما نريد أن نصل إليه هنا هو أنّ الثقافات لا تتصادم ولكن السياسات تتنافر، كما أنّ الثقافات تتشابك وتتكامل ‏ولكن المصالح تتضارب وتتناقض. ولعل إسرائيل هي أوضح نموذج نعرفه لتغليف المصالح والأطماع بالغطاء الديني ‏والإدعاء التاريخي، وهي تفعل ذلك بوعي كامل وسوء نية متعمدة لأنها تجد من يدعمها في احتلالها لأرض الغير ويبرر ‏عدوانها على الشعب الفلسطيني، ويقبل انتهاكاتها لحقوق ومقدسات العرب استناداً إلى الخلل الاستراتيجي في موازين القوى، ‏وتوظيفاً لأحداث دولية طارئة في السنوات الأخيرة، وخلطاً متعمداً بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد الوجود الأجنبي.
إنّ الحضارة العربية - الإسلامية ومرجعياتها الثقافية أو ما اصطلح عليه بالإسلام الثقافي، تشكل أحد الخمائر الكبرى التي ‏ينبغي إعادة تفعيلها على أسس المعاصرة في الحوار الثقافي اليوم. فقد أبدعت هذه الحضارة مرجعياتها الثقافية الخاصة في ‏مختلف ميادين الحياة الاجتماعية والمعرفية، وأدت من حيث الجوهر إلى تحقيق الاعتدال والنظام والعدل والتجانس، وهي ‏مرجعيات متفتحة بحد ذاتها تجعل من حوارها الخارجي أسلوباً متناسقاً لحوارها الداخلي، والتاريخ الثقافي للإسلام هو دليل ‏ساطع بهذا الصدد، إذ استطاع أن يجسد المعنى الحقيقي للحكمة، التي لا تفقد قيمتها مع مرور الزمن. وذلك يجعل من بناء ‏العلاقة المفترضة بـ"الآخر" وتأسيس حوار جديد معه محكاً جديداً بالنسبة للعالم العربي – الإسلامي، بما في ذلك ‏بالنسبة لإعادة ترتيب وجوده الذاتي والمساهمة الفعالة في بناء عولمة ثقافية جديدة.
فمن حكمة مصر والشرق الأدنى القديم، الأخلاقية والروحية والعلمية، تغذت العقلية اليونانية لتفرز نظاماً نظرياً متكاملاً ‏للحكمة الفلسفية استطاعت مصر البطلمية، ثم الرومانية من خلال مدرسة الإسكندرية، إعادة توظيفه عبر الأفلاطونية ‏والأفلاطونية الجديدة لمصلحة الإيمان المسيحي، في إطار سعيها الرائد إلى التوفيق بينه وبين العقل. كما استطاعت الحضارة ‏العربية - الإسلامية استيعابه وإخضاعه لإلهام العقيدة الإسلامية التوحيدية. حتى كان العصر الحديث الذي شهد الحوار بين ‏العقلية الأوروبية الحديثة وبين التراث العلمي والفكري للعقل العربي، سواء ما يمثل ماهيته أو ما يمثل قراءته للتراث اليوناني. ‏أي أنّ كلتا الحضارتين الكبيرتين حاورت الأخرى فعلاً عبر الدورة التاريخية المعروفة، وبحسب قدرة كل منهما على صوغ ‏نموذجها الجذاب أو الفاعل الذي يدعو الأخرى إلى أن تحتذيه أو تقتبس منه على قدر حاجتها أو قدرتها. ‏ د. عبد الله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس، والمقال في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة "التراث العربي ‏والحوار الثقافي" من 23 إلى 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005، بدعوة من وحدة البحث "حوار الثقافات" في ‏كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - جامعة تونس